13.5.06

مجامع صياغة العقيدة


ما هو فشل الفاتيكان الثاني ؟
يطلق بعض المتطرفين هذا التعبير على مجمع الفاتيكان المسكوني الثاني و الذي عقد في عهد البابا "جون الثالث و العشرين" في عام 1965 م، و نظرا لتعدد الإشارات للمجامع المسكونية في الكتاب فقد رأينا إلقاء الضوء عليها جميعاً هنا، و تعني كلمة المسكوني أنه جامع لكل أطراف العالم المعمور / المسكون

مجمع نيقية الأول (325م)
و قد تم بأمر الامبراطور الروماني قسطنطين في عام 325 م و قد عقد بهدف أولي هو حل الخلاف بين كنيسة روما و كنيسة الإسكندرية حول طبيعة السيد المسيح و علاقته بالرب. و هل هو من ذات الرب أو من طبيعة مماثلة لطبيعته أو غير ذلك.

أولا : الإتفاق على طبيعة السيد المسيح: و قد وقف القديس "اليكساندر" من كنيسة الإسكندرية - و الذي تكرمه الكنيسة الرسمية أيما تكريم نظراً لقتاله الضاري لما يحلو للكنيسة أن تسميه بدعة "آريوس"- مدافعاً عن عقيدة التثليث الرسمية و مهاجماً لعقيدة آريوس التوحيدية، ثم وقف "آريوس" بعد ذلك عارضاً إعتقاده و هو يتلخص في كون السيد المسيح مخلوق خلقه الرب الواحد بكلمة منه في رحم السيدة مريم العذراء، و أنه لا يتساوى مع الرب الخالق في القداسة و ليس جزءاً منه أو تجلياً له كما تقول عقيدة التثليث التي تؤمن بأبدية الثالوث المقدس (الآب و الإبن و الروح القدس) و عدم خلقهم أو سمو أحدهم على الآخر، ثم تم التصويت تحت رعاية الإمبراطور لصالح مدرسة التثليث التي يرعاها الإمبراطور و يدعمها ، و من وقتها ذاعت هذه العقيدة و سادت في العالم المسيحي. و جدير بالذكر أن "قسطنطين" أعلن في هذا المجمع فرضه لحمايته و وصايته على الكنيسة المسيحية.

ثانيا: الاتفاق على موعد محدد لعيد القيامة:
و قد اتفق على الاحتفال به في يوم الأحد التالي بعد أول اكتمال للقمر في فصل الربيع الفلكي.

ثالثا: إصدار قانون نيقية للإيمان المسيحي الكاثوليكي:
و قد صدر هذا القانون أولاً من مجمع نيقية عام 325م ، ثم تم تعديله في مجمع القسطنطينية عام 381 بالحذف و الإضافة

مجمع القسطنطينية (381 م)
شعر الإمبراطور الروماني "قسطنطين" بعد المجمع الأول بالندم على ما تقرر فيه (و بالطبع لا يشعر المرأ بالندم إلا على ما فرضه على الناس أو تآمر لإنفاذه، فلا يوجد من يندم على تصويت حر كان فيه الرأي للأغلبية) فأعطى الأمان و الحرية للقادة الدينيين من مذهب "آريوس" العقائدي، و نفى البابا "إثناسيوس السكندري" و الذي كان شديد العداء للآريوسيين (و بسبب هذا العداء فقد نصبته الكنيستين القبطية و الرومانية قديساً)، و من ثم إرتفع نجم الآريوسية من جديد مما إقتضى عقد هذا المجمع لكبح الحركة الآريوسية التي تزايدت شعبيتها بعد رفع الغضب الإمبراطوري عنها، و قد اصدر المجمع القانون الذي إستمر حتى الآن و كما يلي:

- نؤمن برب واحد هو الآب الواحد القدوس، خالق كافة المرأيات و الغيبيات في الأرض و جنات السماء
- و نؤمن بسيد واحد هو المسيح ابن الرب و المأخوذ منذ الأزل من الرب ، من مادة الرب ، رب من رب، نور من نور، إله حقيقي من إله حقيقي، مشتق من الرب و ليس مخلوق، متوحد في كينونته مع الرب، و من خلاله أتت كل المخلوقات في الأرض كما في السماء، و الذي تنزل من أجل خلاصنا نحن البشر من الفردوس و تجسد بقوة الروح القدس و ولد من مريم العذراء في صورة رجل، من أجلنا صلب بيد بونتيس بيلاطس و تعذب و دفن ، و في اليوم الثالث قام حياً من الأموات تصديقاً لقول الإنجيل، و سوف يأتي ثانية في مجده ليحاسب الأحياء و الأموات، و مملكته ستكون أبدية
- و نؤمن بالروح القدس، السيد واهب الحياة، و الذي اشتق من الآب، مع الآب و الابن هو معبود و ممجد، من خلال الأنبياء تحدث (أضيف هذا المقطع في القسطنطينية)
- و نؤمن بكنيسة رسولية كاثوليكية واحدة
- و نعترف بتعميد واحد لغفران الخطايا
- و نتطلع لبعث الموتى و بداية العالم الأبدي
- أما هؤلاء القائلين بأنه كان وقت لم يكن فيه، و بأنه قبل مولده لم يكن موجوداً، و أنه مخلوق من العدم، و أن إبن الرب ليس من مادة الرب و ليس من كينونته، فهؤلاء ترفضهم الكنيسة (أضيف هذا المقطع في القسطنطينية)


مجمع إفسوس (431 م)
و قد تم برعاية الامبراطور الروماني ثيودوسيوس الثاني، و فيه كانت المواجهة بين النسطوريين و الكاثوليك، و النسطوريون يخالفون إيمان الكاثوليك في نقاط هي:
- قولهم ببشرية المسيح و نفي الطبيعة اللاهوتية عنه، و أن الوحي الإلهي هبط عليه بعد ولادته، فقد ولد بشراً
- و يعتقدون أن مريم ولدت بشراً هو يسوع. و أن اللوجوس أو كلمة الرب إنما حلت في هذا الشخص و الذي كان حاملاً لكلمة الرب و ليس هو في ذاته كلمة الرب
- و على هذا فمريم العذراء ليست "أم الرب" كما يقول الكاثوليك و لكنها "أم يسوع المسيح" فقط

و في هذا المجمع قررت الكنيسة أن آراء النسطوريين هي آراء ضالة، و أن الابن كان واحداً مكتمل في لاهوته و مكتمل في ناسوته ، و أن العذراء هي أم الرب لأنها ولدت الرب في صورة بشر و لم تلد بشراً ، و أن لاهوت المسيح لا يفارق ناسوته و لا يؤثر أحدهما في الآخر و لا يتواجد أحدهما دون الآخر، و قد إمتدت العقيدة النسطورية كمذهب مستقل بعد هذا المجمع، و قد إشتهر أعضاؤها بممارسة الطب حتى إختلط إسمهم بإسم الأطباء "النطاسين" و "النساطرة" عند العرب. و وجدت آثار لكنائسهم بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية و غيرها، و قد كان منهم الراهب "بحيرا" الذي إشتهر في الإسلام بلقائه لمحمد (ص) على الطريق التجاري للشام و بشر جده برسالته. و مازالت لها كنائسها و آباؤها حتى اللآن

كما ناقش المجمع العقيدة البيلجانية ، و التي تتلخص في الآراء التالية:
- البشر لا يتوارثون المسؤولية عن الخطيئة الأولى لآدم في الجنة و ليسوا مسؤولين عنها
- أن المسيح أتى ليعطي قدوة و الهاماً للبشر و ليس ليكفر عنهم
- أن كل بشر مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله و ما يأتيه من خير أو شر و في غنى تام عن أية مساعدات قدسية بهذا الصدد

و قد وصم المجمع هذه العقيدة شديدة المنطقية و العقلانية كعقيدة و أفكار هرطقية كافرة !! و كان من أبطال هذا المجمع (الأبطال الرسميين بالطبع) البابا "كيرلس الأول" بابا الإسكندرية، و كما هو واضح، لقد كانت الآريوسية و النسطورية و البلجانية هي الإرهاصات الأولى للفكر الإنجيلي المستنير في المسيحية.


مجمع كالكيدون (451م)
و فيه إنقلب السحر على السحرة ، فبينما قاتلت كنيسة روما و كنيسة الإسكندرية جنباً الى جنب المنطق العقلاني الذي أتت به ثلاث مذاهب:
- الآريوسية
- النسطورية
- البيلجانية

جاء الوقت في هذا المجمع ليختلفا فيما بينهما ، و ليصبح قانون إيمان 318 م هو الأخير الذي يجمع عليه الطرفين. فقد رفضت كنيسة الإسكندرية و الكنائس الشرقية القرارات الصادرة من هذا المجمع و بهذا انفصلت الأورثوذكسية الشرقية عن كنيسة روما. و قد كان الخلاف بالأساس حول القول بالطبيعة المزدوجة للسيد المسيح و الذي رفضته الكنيسة الأرثوذكسية، و أصرت على أن المسيح متوحد مع الرب في المشيئة و الكينونة معاً


مجمع القسطنطينية الثاني (553 م)
و قد صدق على ما سبقه من مجامع و حكم على الآراء الآريوسية الجديدة و النسطورية و الآراء القائلة بوحدة طبيعة المسيح بالهرطقة مرة أخرى

مجمع القسطنطينية الثالث (681 م)
لم يخرج عن تدعيم محتوى المجامع السابقة

مجمع نيقية الثاني (787 م)
و قد أعاد الاعتبار للأيقونات الدينية أو الصور المقدسة بعد هزة تعرضت لها على يد بعض الأباطرة البيزنطيين ، و بعد هذا تفرقت المجامع المسكونية الكاثوليكية عن الأورثوذكسية، و هناك مجمعان كاثوليكيان هامان في القرن العشرين أحدهما هو الذي أشار اليه الكتاب بأنه فشل الفاتيكان الثاني

مجمع الفاتيكان الأول (1869 م)
في عام 1864 أصدر البابا "بيوس التاسع" وثيقة تسمى بقائمة الأخطاء، و قد كانت و مازالت موضع جدل للآن، نظراً لمساحة الحرية الكبيرة التي أعطتها و التي كانت رد فعل طبيعي لإقبال القرن العشرين و إطلالة عصر العلم، و مما جاء فيه:
- أعظمت الكنيسة المنطق العقلي و أقرت بإعتباره المدخل الوحيد للتمييز بين الحق و الباطل و الخير و الشر
- قررت السماح بتعدد الأديان في البلاد الكاثوليكية و حرية الإعتقاد فيها
- رفضت الكنيسة إعتبار البروتستانتية مذهباً مسيحياً مقبولاً و موازياً لها
- أباحت فصل الدين عن الدولة، و أقرت مبدأ الدولة العلمانية

و قد عقد البابا مجمع الفاتيكان الأول للحصول على دعم لهذه الوثيقة يواجه به الانتقادات العنيفة التي قابلته، و فضلاً عن الحصول على هذا الدعم ، فقد حصل على دعم مطلق في شكل الإعتقاد بعصمة البابا و عدم قابليته للسقوط في الإثم، من منطلق أنه إختيار إلهي.

مجمع الفاتيكان الثاني (1965 م)
عندما سأل البابا "جون الثالث و العشرين" عن سبب عقد المجمع رد قائلا " أريد أن أفتح نوافذ الكنيسة لنرى الخارج و يرى الناس داخل الكنيسة" و كما أوردنا يعتبره المتطرفين الكاثوليك تفريطاً و يسمونه "فشل الفاتيكان الثاني" بينما يراه المستنيرين خطوة للأمام، و من أهم ما نتج عنه:
- السماح باستخدام اللغات المحلية بدلاً عن اللاتينية في الطقوس الدينية و كذلك مراعاة التقاليد و العادات المحلية و الاحتفاء بها لدى كل شعب من الشعوب
- قبل المجمع الاستفادة من الدراسات الأثرية و التاريخية في تمحيص و فهم النصوص و الكتابات و الحفريات ذات المدلول الديني، و هو مبدأ مروع لرجال الدين المستغلين و المعتمدين على الأسطورة لفرض سطوتهم بما يخالف شرائع السماء الحقة.
- إحترام الحريات و عدم التدخل في خصوصيات رعايا الكنيسة

و قد رأى المتطرفين في هذا حداً للسلطة الدينية و هزيمةً للكنيسة، و لذا سموه بفشل الفاتيكان الثاني، و يرجع مقتهم له لسببين إثنين:
1. القبول برأي العلم و تمحيصه للقصص الديني سوف يهدم الكثير من الأساطير المختلقة و المنسوبة ظلماً للدين، و التي كان إختلاقها مدفوعاً بالطبع بمصالح بشرية و زيادة في السلطة الدينية و إبهار الأتباع السذج
2. إحترام الحرية الشخصية يكسر الذراع الطولى لرجال الدين، حيث يمنعهم من دورهم المفضل كـ "مندوبي الرب" و الموفضين منه للرقابة على خلقه و توجيههم، و يقلل من غلوائهم في مسائل حيوية يركبون بها رقاب الناس مثل مسألة الطلاق و غيرها

خلاصة تحقيق الفصل:
1. الكثير مما نحسبه اليوم أصلاً من أصول الإعتقاد في أي دين من الأديان بما في ذلك المسيحية كان في يوم محل نقاش و جدل، و تحليلنا لهذا الفصل و استعراض المجامع المسكونية يدلنا على ذلك، فحتى إجابة السؤال المحوري "من هو ربنا" كانت في يوم من الأيام مسألة نقاش و جدل بعد أربعة قرون من ظهور المسيح عليه السلام.

2. إعتقادات المسيحيين من الآريوسيين و النسطوريين القدماء بشأن المسيح و العذراء و الروح القدس و صفات الربوبية، تعد في نظرنا أقرب إلى المنطق القويم و الفطرة السوية من إشكاليات "بولس" المعقدة، و لذلك بعثت و إنتشرت بقوة في العصر الحديث من خلال المذهب الإنجيلي.

No comments: