21.6.08

السبت للإنسان

خير الإنسان هو الغاية الأسمى

حكمة خالدة قالها السيد المسيح يوما فوق أرض فلسطين، لتكون برأيي واحدة من أعظم ما قيل من كلمات جامعة، تجمع حكمة السنين و الأجيال في كلمة واحدة "انما جعل السبت للإنسان ، و ليس الإنسان للسبت" (مر 2:23) كلمة تلخص كل معاناة البشرية عبر الأجيال، في الحياة الخاصة كما في الحياة العامة ، في الزواج كما في التعليم، في العمل كما في السياسة، في الدين كما في العلاقات الإنسانية جميعا، الفارق دوما بين الحكيم و الأجوف، هو إدراك هذه الجملة البسيطة حق إدراكها، بإدراك أن سعادة الإنسان هي الهدف الأسمى، و بأن كل ما عدا ذلك إنما هو وسائل لتحقيق السعادة، بإدراكنا أن الإطار، أي إطار، إنما غايته أن يحفظ الصورة و يظهر جمالها، فلا ننسى الصورة مع الوقت، و يصير الإطار مقدسا في ذاته ، و لكن، أليس هذا ما نفعله صباح مساء؟ دعونا نرى

إطار الدين
إنما الدين، أي دين، هو في جوهره منظومة من العقائد، التي تدعم روح الإنسان، و الأنظمة و الشرائع و الأخلاقيات التي تقدم للإنسان طريقا نحو حياة أفضل من خلال تحسين تواؤمه مع مجتمعه و رضاه عن حياته، فهدفهما معا حياة أسعد للإنسان، في الدنيا، أو في الدنيا و دار الخلد معاً، أليس كذلك؟ فعندما يظهر لنا بشكل حتمي، أن نظام الزواج و الطلاق كما تقره الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مثلاّ لا حصراً، لا يؤدي لسعادة الإنسان، و لكن لقهر الإنسان و تعاسته ، و يلقي بظلال قاتمة على حياته، فيجعل المسيحي المخلص بين خيارين كلاهما مر، أن يعيش تعيسا في رضا الرب، أو يعيش سعيدا في خطية، أفلا يكفي هذا ليفيق الكهنوت من غفوته؟ ألا يكفينا هذا لنفهم أننا لابد قد أسأنا فهم النص المقدس، فلم نصل لسعادة الإنسان المرجوة منه؟ و عندما يفهم السلفيون و الوهابيون الإسلام فهما، يتحول به الواحد منهم إلى كتلة سوداء من كراهية و غضب أحمق، إلى عدو للحياة، أفلا نجد الشجاعة لننفي هذا العار عنا و عن ديننا؟ عندما نتحرك في أطر تنتمي للقرن السابع الميلادي، فلا نطورها و لا نجددها، كأن الوقت لا يمر، فهل نتوقع أن نسعد في القرن الحادي و العشرين؟ هل نتوقع أن نتطور قيد شعرة؟ مستحيل، فالأصل أن الله وهب الدين من أجل الإنسان، و لكننا أبينا إلا أن نجعل الإنسان من أجل الدين، و الآن، ما المحصلة؟ أفرغنا الدين من هدفه الذي جاء به من عند الله، سعادة الإنسان، لأننا كنا أغبى كثيرا من فهم المنهج الإلهي، و لم يكن الغباء قاصرا على أتباع ديانات السماء، حتى المذاهب و الفلسفات الأرضية، وجدت من يتخذها تابوهات يتحمس لها بغباء و يتجمد في معبدها حتى الموت ، و الأدلة بلا حصر من الشيوعية للزرادشتية و غيرهما

إطار الزواج
حدث و لا حرج، نحن في هذا الوطن لا نتزوج بقدر ما نوضع في إطار الزواج "معلش احنا بنتبروز" الأصل في الزواج أنه وسيلة ارتباط مشروعة و مقبولة دينيا و اجتماعيا ليحيا رجل و امرأة معاً، لأنهما معا يريدان ذلك، فقط لا غير، و الباقي كله إطارات و ليس جوهر، فكيف حالنا في مجتمعاتنا السقيمة؟ الإطارات موجودة، و الجوهر غائب، لأن الزواج اصبح وسيلة للحصول على لقب زوج أو زوجة لا أكثر، عريس طيب و ابن ناس و مابيدخنش و بيصلي و عنده شقة و عربية، جميل، ده ينفع جار كويس، طيب و مريح، مش هايدخن في البلكونة و يطفي ع الغسيل، بس ايه علاقة ده بيه كزوج؟ عروسة بنت ناس و مؤدبة و بتخدم في الكنيسة، هايل، بس ده لما نكون بندور على متطوعين لرعاية أيتام، ايه علاقة ده بنجاحها هي تحديدا كزوجة لفلان أو علان تحديدا؟ مافيش، بس الإطار جميل و مناسب اجتماعيا و ماحدش هايقول علينا جوزنا البنت و لا الولد لحد فيه عيوب كذا و كذا، و طبعا فيه الإطارات الخاصة بـ "عداد الزواج"، يعني سبق له الزواج و لا لأ؟ عنده كام عيل؟ طليقته اتجوزت و لا ممكن ترجعله بعد الجواز؟ إزاي يا بني تتجوز واحدة سبق لها الزواج و تبقى أول بختك؟ إزاي تربي في ولاد غيرك؟ ، مأساتنا أن الزواج عندنا قرار أسرتين، و ليس فردين، و الهدف انسجام أسرتين، و ليس فردين، و هذا مستحيل تقريبا، لهذا تتداعى مؤسسة الزواج الرسمي الإجتماعي في مجتمعنا، و تنشأ مؤسسات تخدم بعض حاجات الإنسان، كأنواع الزواج الغير-إجتماعي العديدة التي هبت علينا، لكنها بكل أسف، لا تسعد الإنسان أيضاً، لانها و إن كانت تلبي بعض الاحتياجات العاطفية و الوجدانية و الجنسية، إلا أنها لا تلبي الاحتياجات الاجتماعية و لا تكتمل فيها المشاركة، لأنها تتجنب المجتمع في أشكال متباينة من خلال درجات متفاوتة من السرية، تهدد شرعيتها ذاتها ، فضلا عما يشوبها من ندالة بعض الرجال و هيافة بعض النساء، فتتقوض من أساسها، فما نتيجة مؤسسة الزواج الإجتماعي الفاشل و مؤسسة الزواج غير الإجتماعي المتهافت؟ انظر حولك، لترى ما هي نتيجة تقديسنا للإطار على حساب الإنسان ... ببساطة .. تعاسة في كل مكان ، ذلك أن الزواج للإنسان، و لكننا جعلنا الإنسان للزواج

إطار الأعراف و التقاليد
من الأعراف دوما ما هو محمود، و طيب الجوهر، كصلة الرحم و التقارب الأسري و غيرها كثير ، لكن منها كذلك ما هو بقايا من عصور مضت، و لم يعد له مكان في زماننا، و لنضرب مثلا، عندما كانت الزراعة في مصر هي النشاط المحوري، و نظرا لطبيعة نظام ري الحياض وقتها، قبل السد العالي، كانت حياة الفلاح المصري تتسم بموسمية العمل، و بالتالي كان بها متسع للعديد من الأنشطة الاجتماعية التي تساعد على قتل الوقت، فواجب العزاء ليس عزاء واحداً، بل تشييع جنازة و وقوف على المدافن، ثم عزاء تمهيدي في مساء يوم الوفاة ، ثم العزاء الكبير في اليوم التالي حتى يتيسر ابلاغ العزب المجاورة و الاقارب المقيمين خارج القرية، ثم خميس صغير و خميس كبير و أربعين، ستة زيارات عليك القيام بها لأهل الميت لتكون قد وفيت و كفيت، فهل هذا أمر يستوعبه زماننا؟ أم أن مرة واحدة في تشييع الجنازة، تشد فيها على يد أهل المتوفي كافية لمواساتهم؟ أذكر حين توفي والدي و والدتي أنني كنت أتمنى متى ينتهي السخف الاجتماعي هذا حتى أجلس مع إخوتي منفردين ، فللحزن كذلك خصوصيته، أما الأفراح، فلم يكن حالها أحسن من الأتراح، قراءة فاتحة، و قافلة شراء شبكة، ثم قافلة جلب الأثاث، ثم كتب كتاب، ثم ليلة الحنة، ثم الدخلة، ثم الصباحية، سبعة طقوس زواجية على كل الحبايب حضورها، من النساء بعضا و من الجميع بعض، تفنن هائل في تزجية الوقت، و طقوس تناسب زمانها الذي فيه بدأت، لكن حياة اليوم لا تستوعب أكثر من حفل استقبال صباحي في يوم إجازة و دمتم، فالمطلوب منه المشاركة في هذه المناسبات ليس الشباب فوق المقاهي و لكن أرباب الأسر من العاملين و العاملات ، لقد نشأت هذه الأعراف من أجل تسلية الإنسان، و من أجل الإنسان يجب أن تنتهي، لأنها أمست تثقل كاهله ، و حتى من يملك رفاهية الوقت، عليه الاستفادة به فيما يرجع عليه أو على غيره بما يفيد

و هكذا، تستغرقنا الإطارات، و تذهلنا عن محتواها، حتى أنها في بعض الأحيان تكون بلا محتوى على الإطلاق، كم رأيت من مدعي الدين، يطل الشر من أنيابهم و الشرر من عيونهم، و كم رأيت من أعشاش زوجية أوخى من بيت العنكبوت؟ كم من ضاحك في مأتم؟ و كم من حاسد في عرس؟ أليس خلع الزيف عن كواهلنا أفضل للجميع؟ و كل ما نحتاجه هو وقفة مع الذات، نسأل فيها، هل نحن نجعل السبت للإنسان كما يجب أن يكون؟ أم نجعل الإنسان من أجل السبت، فقط لأننا أضعف من مواجهة الأطر؟ يا الله، كم نشقى بالأطر السابقة التجهيز تلك؟ تخنقنا بضيقها و تشقينا بعنتها؟ برغم أن الحل دوما عند أطراف أصابعنا، و أطراف عزائمنا، لو كانت لدينا عزائم، و لنتسلح في هذا بسلاح بسيط، هو قول قاله رجل أكثر بساطة، هو أنا، و فيه يقول "الطريق إلى الجنة يبدأ من رأسك، و الطريق للجحيم يبدأ من عيون الناس" ، فلتحطم اليوم كل سبت جعلت أنت له، و لتبارك كل سبت جعل في خدمتك أو في خدمة الإنسان ، أخرج من قيدك ، من ليلك، للنور يغرد في عينيك

13 comments:

Anonymous said...

عزيزي د/ اياد
حقا لخصت حكمة السيد المسيح انما جعل السبت للأنسان و ليس الأنسان للسبت
الطريق الى السعاده
فالأنسان هو اصل الكون
القوانين الوضعيه- الاعراف- العادات و التقاليد- الخوف من اقتناص ابسط حقوقنا في الحياه ان نحيا بقدر المستطاع سعداء- سواء كان هذا الخوف نابعا من معتقدات خاطئه تاصلت بداخلنا ووضعنى لها عنوان-برواز- اطار-العادة - العرف
او من مفهومنا الخاطىء لحقوقنا وواجباتنا
الله محبه هكذا نادى السيد المسيح لم يحرم الحب على القلوب امرتنا كل اكتب السماويه بالعدل و ان نحاكم انفسنا ولكن السؤال هنا
هل المن العدل ان اعيش عمري تعيسه
هل من العدل ان اقبل الخطيب لمميزاته العديده و انا لا اشعر به ؟
كيف ساقيم حياه و لغه للحوار ومساحه للاختلاف البناء لبناء حياه مستقره يكون هدف طرفاها حب البقاءكلا للاخر و مع الاخ و بالاخر
؟؟؟؟؟؟؟
كيف امنح السعاده لغيري و انا تعيسه؟
فاقد الشىء لا يعطيه
وقفه مع انفسنا
لماذا نختار تعاستنا بأيدينا؟
لماذا نسعى الى الفناء بانكار الذات و الادعاء المتداول :هذه هي سنة الحياه؟
لماذا نسىء الاختيار (غلطه)و نكمل المشوار في نفس الطريق الخاطىء ايضا من منطلق انكار الذات
فليبداء كلا منا بنفسه ثم بمن حوله
فلنبحث عن سعادة انفسنااولا
حتى نستطيعان نمنحها لمن سوانا
اطلت عليك ولكن كل فكره في موضوعك حتاج الى صفحات لمناقشتها
احيييك على موضوعك الرائع

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي / عزيزتي Anonymous
أومن بما قلته يا عزيزتي (ما دمنا نتكلم بصيغة المؤنث) بصفة عامة، و لكن أحدا لن يستطيع ان يجيب عن تساؤلاتك الهامة هذه الا نفسك، فلكل حال خصوصيتها، و لكل انسان طبيعته، لذلك، فعلينا أنفسنا، قد يسعد غيرك ما تحسبينه سببا لتعاسته، و يتعسه العكس، الحياة شديدة النسبية، و القاعدة انه لا قاعدة، و بشكل عام اقول الا أحد يختار التعاسة، لكن كل منا يختار افضل المتاح له من حلول، و الافضل برأيي قد يتباين عنه برايك او براي صديق ثالث و هكذا
شكرا للتعليق
مع تحياتي و تقديري

كلاكيت تانى وتانى said...

التصفيق وحدة لا يكفى دائما افخر بأنى استطعت الوصول بقوتى لمداها والبعد عن كل ما يمكنة ان يكبلنى بأغلال الضيق والكراهية وكنت قوية فى نفض اثار العدوان من ورائى
وسألتك من قبل كيف تجد الوقت لكل هذا التحليل الرائع والأفكار الهادفة وأجبتنى
وأسألك الأن ان تنشئ تلك الرابطة التى تحدثت عنها فى البوست السابق
فياعزيزى أن الزمن كما قال لى يوما صديق اصبح للمراكبية وال ....وليس للعقلاءولا المثقفين
حكمة المسيح لخصت الحياة بعدة بالأف السنين فالأن اصبح الأنسان ليس للسبت بل عبدا لة وياليتة يتعلم او يدرك
تحياتى

Dr. Eyad Harfoush said...

الصديقة العزيزة كلاكيت تاني و تاني
سعيد جدا أن البوست حاز اعجابا منك، اما عن هذه الرابطة، فكلي حماس لها، و سأجدد دعوتي لها هنا ان شاء الله قريبا بعد أن أكتب بيانها التأسيسي و اعرضه للنقاش
شكرا لتشجيعك و كرم خلقك ، عادي بقى كرم شرقاوي
تحياتي و تقديري

ايوية said...

اعتقد اننا لا نحتاج فقط ثورة ولكن حرب على كل العادات والتقاليد ونحتاج تصفية لها حتى نحقق الراحة والسعادة لانفسسنا نحن بحاجة الى افراد مستيرين يتجادلون بشكل سليم فى موضوعات تحقق السعادة وليس جدالا اجوف فى موضوعات لا تهم اى حد سوى من يريد تغيب ذلك الشعب واشغالة فى موضوعات تافهه
تحياتى

Meero Deepo said...

Dear Dr.Eyad,

thnx a lot for that interesting post but let me tell you something... No one refuses to be Happy but as long as we accepted to obey the traditions form the begining then we can't stop at the middle and take the u-turn...i mean that i don't refuse to change or even destroy the frames becasue our lives & needs are borderless, but this change will be accepted ONLY if we are sure that we will never cause further damage or harms for anyone else.

Thnx again my dear friend & Teacher as well

Dr. Eyad Harfoush said...

العزيزة جدا أيوية
شكرا لتراجعك عن قرار ترك التدوين، و مازلت بانتظار جديدك في مدونتك التي هي برائحة الورد، أحسنت صنعا لتغيير السواد، فليس على المرء أن يتعجل وطأة السواد على الحياة يا صديقتي العزيزة

نعم، نحتاج لحرب على القصور الذاتي الذي نسير به، نحتاج لاعلاء قيمة العقل و نضعه أمامنا نبراسا

شكرا لتعليقك يا عزيزتي، مع اعزازي و تقديري

Dr. Eyad Harfoush said...

Dear Meero Dipo
What a glory you bestowed on a simple man naming him a teacher. Surely harming others stays out of question. But let us to agree on WHAT IS HARMING OTHERS? not to visit my friend in FIFTH funeral ceremony might be seen by him as a harm to his FEELINGS.. these claimed FEELINGS are not genuine, IT IS MADE IN SOCIETY in the first place. He is acclimated to feel offended then, so he felt. What is real harm is what encroaches on others' life. This is out of the matter.

Thank you for the amble comment. Do not be late commenting please ya doctorah. Regards

د\أسماء علي said...

د\اياد
دوما الإنسان يحب أن لا يتعب تفكيره في أهما الطريق الأصح لذا يبتعد عن التفكير بكل قوته وينغمس في طرق مرسومة سلفا .. صحيحة أو لا
لكنه يخاف أن يفكر و لو فكر يخاف أن يجهر ..
لذا شيئا في شيئ أصبحنا نسير على عادات و منظومة أفكار تحمل الخطأ أكثر , لقد تقولبنا ..
أو كما قلت في مقالك لقد اهتتمنا بالإطار أكثر .
...
أعتقد موضوعك يفتح باب المناقشات
لكن متى التغيير؟؟
...
تحياتي.

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي د/ أسماء علي
أهلا و سهلا بك، منورة المدونة

أما عن حزب هذا ما وجدنا عليه آباؤنا الذي تحدثت عنه، فهؤلاء هم من يعيشون الحياة بالقصور الذاتي ، و كفاهم من خيبة في هذه الدنيا أنهم يدخلون اليها جبرا و يخرجون جبرا و يعيشون بين الدخول و الخروج فيما يشبه الجبر

تحياتي و تقديري يا دكتورة

Dr. Eyad Harfoush said...

آه، عفوا لم أجب عن سؤالك الهام متي التغيير؟

التغيير برأيي يبدأ حين نعتنق العقل مبدأ لحياتنا كما نعتنق الدين طريقا للخير في هذه الحياة، عندها فقط يبدأ التغيير، أما متى ، فهذه في علم الله

تحياتي و تقديري

Anonymous said...

يا اخي أنت رجل لا يتكرر

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي المجهول
تقدير كريم من كريم ، و هو أكبر مني كثيرا و اكثر مما استحق ، لكن يا صديقي لماذا لا يفصح حامل المسك عن ذاته، تحياتي و تقديري