23.1.10

بل كلهن سارة-02


تحدثنا في التدوينة السابقة عن رجال من نوع خاص اخترنا له اسم همام، وهو الاسم الذي اختاره العقاد لنفسه في روايته سارة، وتحدثنا عن صفات هذا النوع من الرجال، وقلنا أن كل همام عبر التاريخ عاش الجزء الأوفر من عمره باحثا عن سارة، ومعظمهم لم يجدها وانتهى لقرار صارم بالتوقف عن البحث والاقلاع عن المرأة، فما هي صفات سارة؟ المرأة الحلم التي يبحثون عنها؟ ونكرر ثانية ألا علاقة لصفاتها بصفات سارة في رواية أستاذنا العقاد، وليست لسارة صفات محددة بعينها، لكن لها علامات كعلامات المهدي المنتظر، وكل منتظر، تلك هي كما أراها
  1. كل أنثى هي نمرة بطبيعتها، ولأن سارة أنثى سليمة الفطرة فهي نمرة لا ريب فيها، بكل ما في النمرة من كر الأنثى وفرها، من كيدها وذكائها، من قسوتها الحميمة وحنانها الانتقائي
  2. همام رجل يخلط بالضرورة بين العام والخاص، بين الوطن والحبيبة، بين الدين والفكر والفلسفة، ولهذا فلابد لسارته حتى تفهم طبيعة عاطفته أن تكون لها قضيتها الخارجة عن ذاتها، أيا كانت تلك القضية، سيحب همام فيها عفوية الأنثى، وحنان الأم، وحميمية الوطن، وسمو العقيدة، وصلابة المبدأ، ولن يرضى بغير أن تحب هي فيه ثبات الحسين، وشجاعة العز بن عبد السلام، وجرأة اعبد الله بن المقفع وعبقرية ابن رشد
  3. سارة كاريزمية بطبيعتها وتكوينها، فهمام لا يريد امرأة يرتديها ثم ينساها، لكنه يبحث عن رفيقة درب، ولن يرضى بامرأة ينكحها، لأنه يبحث عن امرأة يقترن بها
  4. تبحث بدورها عن همام، عن آخيل، عن الرجل الذي تتغير حين يأتي الأقدار كما تقول أحلام مستغانمي (سارة أصيلة هي بالمناسبة) ولكن طبيعتها كامرأة غالبا ما تحجبه عنها، وفي هذا مأساة همام، كل همام، وربما كانت مأساة سارة كذلك
مأساة همام .. كل همام
لصاحبنا همام مشكلتان مع فردوسه المفقود، وخاتمة النساء .. سارة، المشكلة الأولى عامة يشبه فيها همام وسارة غيرهما، والثانية تخصهما وحدهما، أما العامة فهي أن همام كرجل تجريدي تماما، يتعامل مع الأثير والشحنات الموجبة والسالبة في الكون والأطياف الغير مرئية للشجن والهموم والسرور وكل شيء، وعلى نقيضه سارة كامرأة، تجسيدية تماما، ولادة بفطرتها، تمنح الأشياء من حولها طولا وعرضا وارتفاعا حتى لو كانت مشاعرا وأفكارا، همام مخلوق آني، يعيش لحظة بلحظة، يتذوق كل لحظة بفرحها أو ترحها للحد الأقصى، ويحول الماضي لذكريات تحمل الأشجان، أما سارة فامرأة، تريد ضمانا لفرح يدوم وترح تسد أبوابه، وتحلل الماضي لتبني المستقبل المجسد واضح المعالم فوق أساسه، همام رجل وسارة امرأة، تلك مشكلتهما الأبدية، أن الشيء المشترك الوحيد بينهما هو عدم قبول الحلول الوسط، وفضلا عن هذا كله، لهمام مع سارة مشكلة أخرى أكبر، هي المشكلة التي تخصهما وتميزهما عن غيرهما

عادة ما يدخل الرجل قلب المرأة وهو يرتدي إهابا من ثلاثة، وقد يكون الإهاب حقيقيا أو مصطنعا في الحالات الثلاث، أما الأول فهو إهاب الصياد الذي يستنفر النمرة في المرأة، جريء حد الوقاحة، ذكي بما يكفي ليجعلها تبتسم، ويعرف كيف يظهر لعينيها، وتحت هذا النوع يندرج أغلب نجوم السينما العالمية والمصرية من الرجال، اما الإهاب الثاني فهو للطفل اليتيم، الذي يستدر أمومة المرأة الكامنة، الرجل الهش الذي يحتاجها بكل كيانه، ويعطيها دوما الشعور بأنه بغيرها هالك لا محالة، نموذج عبد الحليم حافظ مثالي لهذا النوع من الرجال هادئي الصوت واللفتات، ويبقى الإهاب الثالث وهو إهاب أبو العيال، الرجل الذي يوحي بالثقة والذي يحاول التمسك بمثالياته لأبعد حد، الزوج ورب الأسرة المثالي، ومشكلة همامنا أنه لا يستطيع أن يتخذ لنفسه إهابا من هذه الثلاث، لأنه أولا شديد الاعتزاز بذاته الجموح، ولأنه ثانيا يبحث عن سارة التي تبحث عنه هو وليس سواه

همام والمرأة
خلال رحلة حياته، يلتقي همام بعشرات النساء، بعضهن يمر مرور الكرام، وبعضهن يخلفن علامات سطحية وأخريات يخلفن علامات شديدة الغور في ذاكرته وقلبه، باحثا بينهن عن سارة التي لا يجدها في أغلب الأحوال، ولاقتراب ملامحه من ملامح نموذج رب الأسرة تتصور كثيرات أنه هو، وعادة ما تحاول المنتميات لهذا الصنف من النساء الباحثات عن أبي العيال القرب منه، وغالبا ما يفشلن فشلا ذريعا، وقد تتصور بعض الباحثات عن إهاب الطفل اليتيم أنه هو كذلك، لكنهن سرعان ما يكتشفن الخطأ، أما الباحثات عن الصياد فلا يروقهن همام ولا يرقن له، وكفى الله المؤمنين القتال

المثير أن أغلب الرجال من طراز همام أرض-أرض في التاريخ انتهوا لقرار العزلة والرهبنة الفكرية، لقرار الاقلاع عن المرأة وعن محاولة العثور على جالاتيا، أسطورة بجماليون التي صنعها بيديه من بنات أفكاره وسقط في هواها، واليوم أجدني لا أعجب إطلاقا من هذا القرار الذي وصل إليه كل منهم بعد رحلته الخاصة، فكل الشواهد تقول أن جالاتيا وهم كبير، وأنها لو وجدت سنفضل ناركيس على بجماليون كالعادة، فالتاريخ يعيد تمثيل جرائمه فينا دائما

No comments: