24.9.10

كيمياء الخوف


هل هناك شعب يردد أكثر منا أنه لا يخاف غير الله، ثم يغلبه خوفه من خياله؟ هل يوجد من يردد مثلنا صباح مساء أن الأعمار والأرزاق بيد الله ثم يتصرف وكأن الأعمار والأرزاق بيد الشياطين؟ ولست أقول هنا ما يقول البعض بوصف المصريين بالخنوع التاريخي، ببساطة لأن هذا غير صحيح، فقد خرج طلبة الجامعات والعمال في 1968م للشارع حتى استجاب ناصر لطلبات الجماهير في بيان مارس، وخرجوا بالملايين في 18 و19 يناير عام 1977م حتى أمر السادات بنزول القوات المسلحة للشارع لأول مرة منذ يوليو؟ فلماذا يحجمون اليوم رغم الظروف التي لم تعرف مصر أسوأ منها في تاريخها الحديث والمعاصر؟ كيف توصل مبارك وشياطينه لمعادلة جديدة عقدت كيمياء الخوف في نفس المصري لدرجة الشلل؟ سؤال عاد يتردد برأسي مع قراءتي لتعليق للمناضلة الحرة جميلة إسماعيل أشارت فيه لنظرات الخوف في عيون الجماهير التي أطلت من النوافذ المحيطة بميدان عابدين، وعيون المارة في الشوارع الجانبية التي احتجز فيها النشطاء بالأمس القريب، ذلك الخوف الذي يجعل العين ذليلة كسيرة كأن القهر قد ختم حدقتها بأصابعه الخمس، فكيف تضاعف الخوف فينا؟ والخوف شعور صحي، فهو آلية نفس-جسمية وقائية تساعد في تنبيه حواس الكائن الحي للخطر، ولا يستطيع مخلوق أن يقول صادقا أنه لا يشعر بالخوف أبدا، وإلا كان متبلد الشعور، لكن للإنسان قيما أخرى تتولد منها مشاعر الغضب والإصرار التي تتغلب على نزعة الخوف البشري بصدره وتدفعه للمواجهة حتى الموت أحيانا، فماذا جرى لنا؟ وكيف أطفئوا جذوة الغضب المقدس في صدورنا؟ الأسباب عديدة ومعقدة
  1. استبدال النشاط الثائر بالنشاط الداجن: منذ اتفاق سادات-تلمساني في السبعينات وحتى 1993م حين اختلت علاقة النظام بالإخوان كانت التعليمات مباشرة للأمن في الجامعات والمؤسسات الصناعية بتضييق الخناق على عناصر اليسار الناصري وغيره من تيارات اليسار الثورية، وترك الحبل على غاربه للإخوان أولا والسلفيين لاحقا، ليجد المثقف اليساري نفسه في مواجهة الأمن من ناحية والنشاط المدجن من ناحية ثانية، فيدخل في مرحلة كمون قد تطول أو تدوم، وحين انتهى النظام من باعثي الثورة كان يسيرا عليه أن يبدأ في ضعضعة البنيان الداجن الذي بناه منذ 1993 وحتى اليوم
  2. الطموح الاستهلاكي وحلم الرفاهية: علقونا على المراجيح والحبل مستورد فاخر كما غنى منير، بتحول المدرسة العالمية أو الخاصة والسيارة الجديدة واشتراك النادي الراقي والشقة الواسعة أو الفيلا من رفاهية قاصرة على الطبقة العليا إلى طموح متداول بين الطبقى الوسطى، وما ترتب عليه من تقليعة التقسيط اللا-نهائي، وبغلبة الدين قهروا الرجال، فصار الواحد يحرص لا على مصدر رزقه ولكن على مصادر رفاهيته، وتفزعه فكرة الاستغناء عنها كأنه سيسقط من حالق، لأنه يعيش غارما في الديون تحت مسمى التقسيط والتسهيلات وكروت الائتمان والقروض الشخصية بغير ضمانات
  3. شفافية القهر وغرس الرهاب: في كل الوسائط المسموعة والمرئية فضلا عن الكتاب والصحيفة تفشى الكلام عن فظائع المعتقلات وبشاعة التعذيب وانتهاك الأعراض والاغتصاب وشاركنا جميعا في هذا دون أن ندري تحت مسمى الشفافية والديمقراطية، وفرحنا بأفلام اليوتيوب التي صورها الضباط بأنفسهم وقلنا أنها مسربة غصبا عنهم، وبتركهم الخارجين من الاعتقال يستفيضون في وصف ما جرى لهم، فهل تعرف جيشا في التاريخ كان يعرض على الجنود بساحات القتال صورا وأفلاما لتعذيب العدو للأسرى؟ حتى يخلق رهابا في نفوس جنوده من الأسر وبالتالي من الإقدام على القتال؟ مستحيل طبعا، لقد تداولنا مخدر الرهاب فيما بيننا ونحن نجهل عاقبة تعاطيه
  4. ضآلة الشعور بالذات: كلما زاد شعورك بقيمتك كفرد، قل حرصك على سلامة جلدك، ودفعك احترامك لذاتك على احتمال المكاره حتى لا تدني هذه الذات، لهذا ثبت المتنبي في القتال حين ذكر بأبياته في الفخر بفروسيته حتى قتل، ولهذا ثبت عبد الله بن الزبير حتى قتله الحجاج الرجيم وصلبه، وأجمل تعبير عن هذا قول عمرو بن الإطنابة لنفسه حين شعر بالخوف في ميدان المعركة: فقلت لها وقد جشأت وجاشت .. مكانك تحمدي أو تستريحي، الشعور بالذات هو صمام الأمان ضد ثقافة الجري نصف الجدعنة وتمرير الريح
  5. جيش الاحتلال المصري: بعد تجربة 1977م واضطرار السادات لتغيير قيادة الجيش حتى يستطيع أن يأمر بنزول القوات للشارع، كان القرار هو التوسع في الأمن المركزي ليصبح جيشا كامل العدد والتسليح بذاته، لهذا فالناشط لدينا لا يواجه قوات حفظ نظام ولكن قوات قتال وهو المدني الأعزل، في حالة نادرة في تاريخ الأمم، لا أعرف لها شبيها ولا مثيلا
  6. التقدير والتحقير الإجتماعي: مهما تحدثنا عن إخلاص النوايا لوجه الله، فسيظل تقدير أو تحقير المحيط الذي يعيش به الإنسان واحدا من دوافع السلوك الأساسية، فهل يشعر خونة الإجماع الوطني مثل لوقا بباوي ونواب الرصاص بما يستحقون من ازدراء المحيطين بهم؟ أشك في هذا شكا كبيرا، وهل نقدر تضحيات الناشطين كما ينبغي، حتى لو اختلفنا معهم؟ أشك شكا أكبر، وانظر لمن تقولوا في حق كفاية و6 أبريل رجما بالغيب تعلم أن شكي في موضعه
  7. تشويه الرموز وزعزعة الثوابت: شعورك بأنك تسير على درب تمسك به العظماء والنفوس الكبيرة يؤنسك رغم وعورة الدرب وخطورته، وعلى النقيض حين يرى الشاب والناشيء كل الرموز وقد شوهت، من سعد زغلول لعبد الناصر لأحمد عرابي وغيرهم، يشعر باللا جدوى، وكل من شارك في تشويه تلك الرموز شارك في قتل جذوة الثورة في الصدور، كل من حول عبارة سعد زغلول الثورية "مفيش فايدة" والتي قالها بمعنى مفيش فايدة من التفاوض مع الإنجليز ولا حل غير النضال المسلح، فجعلها عبارة انهزام بمعنى لا فائدة في مصر والمصريين، قتل بهذا النخوة والعنفوان في صدور عشرات الرجال، فقتلهم معها، وما الرجل لو ذهب العنفوان؟
  8. ترويج الصفات الحيادية: صدق الرسول (ص) يوم قال لعلي بن أبي طالب: يا علي، ليحبك أقوام حتى يدخلوا النار في حبك ويبغضك أقوام حتى يدخلوا النار في بغضك، هكذا يكون طلاب الحقيقة، وهكذا يكون الرجل، واضح المعالم والمواقف والسمات، لا يحتمل صفات الحياد السلبي، لابد للرجولة من بعض التطرف وإلا فقدت معانيها، لابد للكرامة من بعض الثورة، ولابد للشجاعة من بعض التهور، لابد لصاحب نخوة من بعض الفداء، ولابد للثائر من بعض الجنون، والاعتدال من قبل ومن بعد جميل على ألا يجور على الشخصية ومعالمها فيجعلها بلا طعم ولا رائحة، وهذا النمط الحيادي الذي لا يسمع له صوت هو النمط الذي نروجه ونربي عليه الأبناء اليوم بكل أسف
وبعد، فتلك هي عناصر كيمياء الخوف المركبة في مجتمعنا كما أراها، ليست جامعة ولا مانعة، وكلها تحتمل الصواب والخطأ والحذف والإضافة

2 comments:

Anonymous said...

ثقافة الهزيمة.. أسكندرية ليه؟

مصر تركز فى الدعاية و التسويق السياحى بالخارج على السياحة فى البحر الأحمر و سيناء و الرحلات النيلية من القاهرة لأسوان ، و هناك تصور خاطئ بأن الأسكندرية هى للسياحة الداخلية بالأضافة لبعض السياح العرب خاصة من ليبيا و هذا فقط فى شهور الصيف، و عندما شاهدت درجات الحرارة بمدينة الأسكندرية طوال العام فهى حتى فى شهور الشتاء تتراوح ما بين 8 و 18 درجة مئوية ، و هى تعتبر دافئة بالنسبة لسائح من أوروبا فينبغى عمل تخطيط لجذب ملايين من السياح الأجانب على مدار العام للأسكندرية، سيما أن هناك مواسم أجازات فى أوروبا و أمريكا فى الشتاء يستغلها الكثيرين للسفر و السياحة.

الأسكندرية مدينة تاريخية و لا تقل بأى حال عن مدن اليونان و إيطاليا و هى تستحق الزيارة، الأسكندرية فقط بمفردها و بما بها من أمكانيات سياحية تحتاج فقط إلى تحسين فى البنية التحتية و زيادة الطاقة الفندقية مع التسويق الجيد ليزورها 10- 15 مليون سائح سنويا مثل دبى و سنغافورة...

باقى المقال ضمن مقالات ثقافة الهزيمة بالرابط التالى www.ouregypt.us

Mohamed Taleb said...

مقال جميل جدا من كاتب جميل
خاصة ان تاريخ المقال قبل الثورة.
تحياتي لك .
محمد طالب