12.2.09

زمن الريادة وزمن الريالة


عن مقال للأستاذ/ جميل فارسي

وصلني بريد من قارئة سعودية صديقة، وفيه مقال نشره الكاتب السعودي الذي رأيته كبيرا في مقاله الأستاذ/ جميل فارسي، وقد أحزنني أنني لم أعرف قلما بهذا الاحترام من قبل، والمقال يرد على الحملة المسعورة ضد مصر، وإن كان قد كتب ونشر قبلها، والتي تخلط عمدا ما بين موقف مصر الرسمي الذي لم يرض عنه كثير من أبنائها في أزمة غزة، وبين مصر نفسها بشعبها وتراثها، ففيه اضطلع الأستاذ/ جميل بتذكير من لا يعلم من الشباب العربي بزمن مصر الريادة، فكان مقاله مفرحا بما حمل من عدل وإنصاف لمصر، لكنه كان محزنا لأن كل ما جاء فيه دار حول مصر الريادة التي كانت على زمن الزعيم "جمال عبد الناصر" قبل أن تتبدل ريادتنا بريالة على صدورنا! أترككم مع المقال الرائع، فتحت عنوان أنصفوا مصر كتب "جميل الفارسي" في جريدة المدينة بتاريخ 18-6-2008م

يخطئ من يقيّم الأفراد قياساً على تصرفهم في لحظه من الزمن أو فعل واحد من الأفعال ويسري ذلك على الأمم، فيخطئ من يقيّم الدول على فتره من الزمان، وهذا للأسف سوء حظ مصر مع مجموعة من الشباب العرب الذين لم يعيشوا فترة ريادة مصر. تلك الفترة كانت فيها مصر مثل الرجل الكبير تنفق بسخاء وبلا امتنان وتقدم التضحيات المتوالية دون انتظار للشكر، هل تعلم يا بني أن جامعه القاهرة وحدها قد علمت حوالي المليون طالب عربي ومعظمهم بدون أي رسوم دراسية؟ بل وكانت تصرف لهم مكافآت التفوق مثلهم مثل الطلاب المصريين؟ وهل تعلم أن مصر كانت تبتعث مدرسيها لتدريس اللغة العربية للدول العربية المستعمرة حتى لا تضمحل لغة القرآن لديهم؟ وذلك كذلك على حسابها؟ هل تعلم أن أول طريق مسفلت إلى مكة المكرمة شرفها الله كان هدية من مصر؟

وحركات التحرر العربي كانت مصر هي صوتها و مستودعها وخزنتها. وكما قادت حركات التحرير فأنها قدمت حركات التنوير. كم قدمت مصر للعالم العربي في كل مجال، في الأدب والشعر والقصة وفي الصحافة والطباعة وفي الإعلام والمسرح وفي كل فن من الفنون ناهيك عن الدراسات الحقوقية ونتاج فقهاء القانون الدستوري، جئني بأمثال ما قدمت مصر، وكما تألقت في الريادة القومية تألقت في الريادة الإسلامية. ففي الدراسات الإسلامية ودراسات القرآن وعلم القراءات كان لها شرف الريادة، وكان للأزهر دور عظيم في حماية الإسلام في حزام الصحراء الأفريقي، بل لم تظهر حركات التنصير في جنوب السودان إلا بعد ضعف حضور الأزهر، وكان لها فضل تقديم الحركات التربوية الإصلاحية

أما على مستوى الحركة القومية العربية فقد كانت مصر أداتها ووقودها، وإن انكسر المشروع القومي في 67 فمن الظلم أن تحمل مصر وحدها وزر ذلك، بل شفع لها أنها كانت تحمل الإرادة الصلبة للخروج من ذل الهزيمة، إن صغر سنك يا بني قد حماك من أن تذوق طعم المرارة الذي حملته لنا هزيمة 67، ولكن دعني أؤكد لك أنها كانت أقسى من أقسى ما يمكن أن تتصور، ولكن هل تعلم عن الإرادة الحديدية التي كانت عند مصر يومها؟ أعادت بناء جيشها فحولته من رماد إلى مارد، وفي ستة سنوات وبضعة أشهر فقط نقلت ذلك الجيش المنكسر إلى اسود تصيح الله أكبر وتقتحم أكبر عوائق عرفها التاريخ، مليون جندي لم يثن عزيمتهم تفوق سلاح العدو ومدده ومن خلفه! بالله عليك كم دولة في العالم مرت عليها ستة سنوات لم تزدها إلا اتكالاً؟ وستة أخرى لم تزدها إلا خبالا؟

ثم انظر بعد انتهاء الحرب عندما فتحت نفقاً تحت قناة السويس التي شهدت كل تلك المعارك الطاحنة أطلقت على النفق اسم الشهيد أحمد حمدي، اسم بسيط ولكنه كبر باستشهاد صاحبه في أوائل المعركة، انظر كم هي كبيرة أن تطلق الاسم الصغير، هل تعلم انه ليس منذ القرن الماضي فحسب، بل منذ القرن ما قبل الماضي كان لمصر دستوراً مكتوباً؟ شعبها شديد التحمل والصبر أمام المكاره والشدائد الفردية، لكنه كم انتفض ضد الاستعمار والاستغلال والأذى العام! مصر تمرض ولكنها لا تموت، إن اعتلت اعتل العالم العربي وان صحت صحوا، ولا أدل على ذلك من مأساة العراق والكويت، فقد تكررت مرتين في العصر الحديث، في أحدها وئدت المأساة في مهدها بتهديد حازم من مصر لمن كان يفكر في الاعتداء على الكويت (أطلقه الرئيس جمال عبد الناصر في وجه أطماع عبد الكريم القاسم)، ذلك عندما كانت مصر في أوج صحتها، أما في المرة الأخرى فهل تعلم كم تكلف العالم العربي برعونه صدام حسين في استيلاءه على الكويت؟ هل تعلم إن مقادير العالم العربي رهنت لعقود بسبب رعونته وعدم قدرة العالم العربي على حل المشكلة بنفسه؟ إن لمصر قدرة غريبة على بعث روح الحياة والإرادة في نفوس من يقدم إليها، انظر إلى البطل صلاح الدين، بمصر حقق نصره العظيم، أنظر إلى شجرة الدر، مملوكة أرمنية تشبعت بروح الإسلام فأبت ألا أن تكون راية الإسلام مرفوعة فقادت الجيوش لصد الحملة الصليبية

لله درك يا مصر الإسلام لله درك يا مصر العروبة

ولله درك يا أستاذ جميل من قلم شريف تشرف به السعودية ويشرف به العرب

No comments: