8.7.08

لآليء القرآن-02

القبس الثاني

قال تعالى ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) البقرة: 190
قال بعض علماء القرآن بنسخ هذه الآية بالآية الخامسة من سورة براءة، تلك الآية التي رأى البعض أنها نسخت فوق الأربع و عشرين آية من القرآن الكريم ، هي كل الآيات الناهية عن الإعتداء، و هذا قول لا يستقيم، لأن الآية الواحدة من القرآن لا تنسخها إلا آية أو عدة آيات ، و ذلك مصداقاً لقول الله تعالى "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير" و قوله "بخير منها أو مثلها" واضح الدلالة على نسخ أي آية منسوخة بآية أو آيات، فالمتعدد قد ينسخ المفرد و لكن العكس لا يستقيم، فهذه بينة على عدم نسخها، و الآية تضع نبراسا بديعا للقتال في الإسلام كما نبين في الجزء الثاني من كتابنا تحت موضوع الاحتكام للسلاح، ففي جملة واحدة ينهانا الله عن قتال من لم يقاتلنا من الأمم و الجماعات و الأفراد، فلا نحارب إلا من يبدأ بالعدوان ، و لكن يجوز توجيه ضربات استباقية لكل من يثبت لنا تأهبه التام للعدوان ، ببينات عسكرية أو سياسية لا تحتمل شكاً، لأن الفعل "يقاتلونكم" جاء بصيغة المضارع ، و لو كان المراد ألا يبدأ المسلم بقتال أبدا لجاء الفعل بصيغة الماضي للدلالة على تمام حدوث العدوان



الغطاء الدبلوماسي و شرعية القتال
لا شك أن الآية الكريمة تضع قاعدة أخلاقية في تجنب العدوان و هذا بحد ذاته جليل الأهمية ، و لكن احترام هذه القاعدة الأخلاقية في وقتنا الراهن يعطينا ميزة إضافية، و هي الغطاء الدبلوماسي الذي يعطي للتحرك القتالي و العمل العسكري شرعيته في المجتمع الدولي، فإذا اعتدت دولة و رددنا عدوانها، سيكون المجتمع الدولي، خلاف التحالفات الاستراتيجية مثل أمريكا و إسرائيل، معضدا لموقف المعتدى عليه، أو على أسوأ الفروض ليس ضده، و العكس في حالات العدوان ، كذلك حين يثبت عندنا تأهب العدو للهجوم، و نستطيع إثبات ذلك للمجتمع الدولي، قبل القيام بضربة استباقية ، فإن هذا التوضيح يعطي للحرب مشروعيتها و الغطاء السياسي الذي تحتاجه ، فمن التزم بهذه القاعدة، لن يقع مثلا في مصيدة كمصيدة صدام حسين عام 1990م في غزوه للكويت، أما العدوان الأمريكي المستمر من العراق لأفغانستان و البقية تأتي، فهو عدوان استغنت فيه أمريكا بغطرسة القوة عن الشرعية ، و هذه حالة استثنائية

كيف نقاتل؟
الآية في نصها العبقري لم تقنن العمل العسكري من ناحية متى نقاتل و حسب، و لكن كذلك قننت أحد أهم أخلاق القتال، و هي الاقتصار على المقاتلين تحت السلاح الذين يواجهوننا، و هكذا فهمها خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز حين سأل عن تأويلها، فقوله تعالى "الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا" يمنعنا من الإضرار بالمدنيين أو المنشآت أو الأسرى أو الجرحى و غيرهم، فقط من يحمل سلاحا في نطاق عدوان علينا هو من أجازت لنا الآية قتاله، فلو ألقى سلاحه فقد عصم دمه و وجب الكف عنه على كل مسلم، و لكن ماذا لو استغل العدو هذا التقيد الأخلاقي بعدم قتال المدنيين؟ و التحرج من تدمير المنشآت؟ فدأب على ضرب العمق المدني لبلادنا؟ في هذا الموضع تنفذ قاعدة "الحرمات قصاص" كما سنفصل في حينه، فليس من العدل طبعا أن نقاتل بشرف من عدم الشرف، لكن من الواجب ألا نتجاوز في الضربات الإنتقامية على العمق المدني للعدو إلا قدر ما حل علينا منه، ضربة بضربة و قصفة بقصفة أما قتل الأسرى قتلا منظما فهو خسة تخرج من إطار القصاص، لأنها دناءة لا تليق برجل كريم

قال تعالى (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) البقرة: 225
هذه الآية تأتي في رحاب الآيات القرآنية التي تعول على النوايا التي في عقولنا و ليس الكلام على اللسان، فالله تعالى يخبرنا رحمة بنا أن الأيمان التي توجب الكفارة و التي يؤاخذنا الله عليها، هي ما قلناه و نحن نعني به قسما في موقف جاد يطلب فيه القسم، أما يمين اللغو فعندما سألت عائشة و الصحابة عنه قالوا أنه قول الناس "لا و الله" أو "نعم و الله" و ما إليها، و يندرج فيها ما اعتاد الناس قوله مثل "و النبي" لأن أصلها "بحق النبي" ثم خففتها العامية، و لا يعني بها قائلها يمينا يقسم فيه بغير الله، حتى ينطبق عليه حديث الرسول (ص) الذي وصف بالشرك من يقسم بغير الله، و كذلك شأن الأغاني مثل "احلف بسماها و بترابها" فهذه ليست القسم المعني، لكن القسم الذي عناه الرسول أن يقول القائل "أقسم بكذا أن كيت و كيت" فهنا قسم جاد بغير الله للتدليل على شيء محدد و في موقف جد، لا عرضا في كلام أو غناء ، و هذا و لو أنه موضوع طفيف بسيط الأثر، إلا أنني أضن بصورة الإسلام حين أجد شبابه يهتمون بهذه السفاسف و ينشرون عنها مواضيعا، تجسم خطرها، و تعظم شأنها، فيظهر الدين بمظهر طقوسي يعنى باللفظ أكثر من المقصد و المعنى، بينما الآية الكريمة تبين بجلاء أن الله لا يعول إلا على المقاصد و المعاني ، و هدف من يتفرغون للخروج بالسفاسف، من هذا القبيل، ليس هدفا دينيا في رأينا، و لا أريد به وجه الله، فالأمور الجلل العديدة التي تحيط بنا لا تترك مجالاً للمخلص، حتى يفكر فيه بنوافل القول ، لكن المقصد من هذه الاصطناعات في حديث الناس، بتجنب بعض الكلام الدارج و استخدام بعض الكلام المستغرب، هو هدف سياسي للإيحاء بتمكن تيار الإسلام السياسي مع انتشار لغته ، و الآية في سياقها القرآني تتعامل مع يمين الطلاق، و الذي يخرج عفوا ساعة غضب، فلا يقع، و كذلك لو قيل في عمل درامي أو خلافه، فالمعول دوما على النية المكنونة، و التي لا يعيها إلا صاحبها

قال تعالى (ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة:262
الآية الكريمة توضح مبدأ هاما في الإحسان للآخرين، سواء في ذلك القريب أو الغريب الذي تحسن إليه بمالك ، و هي عدم إتباع هذه الإحسان بالمن على المحتاج بإحسانك ، و المن قد يكون بالقول له أو لغيره، أو بالإشارة أو حتى بنظرة عين، يستشعر منها من تلقى الإحسان أنك تمن عليه بمعروفك، فيؤلمه هذا أشد الألم، فكل منا دوره الشخصي في ما عنده من رزق محدود في جده و سعيه، و لكن الصحة التي سعى بها لا فضل له فيها، و الإرث الذي يرث لا فضل له فيه، و بيئته التي يسرت له مستواه التعليمي و الاقتصادي و الاجتماعي لا فضل له فيها، فواقع الأمر أننا لا نحسن على الناس من ما نملك، و لكننا نطيع الله في تحسين توزيع الثروة بهذا الإحسان، و كما حرم الله علينا المن و ما فيه من جرح لمشاعر الذي نمن عليه، منعنا من إتباع الإحسان بالأذى، فلماذا نهى الله عن إيذاء الناس هنا تحديدا؟ بينما الأذى منهي عنه بالضرورة في حالة الإحسان و في غيرها؟

الآية هنا تتعامل مع موقف أكثر اشتباكا من الإيذاء العادي، و هو الإيذاء الذي يسبقه الإحسان، حتى يأمن المحسن إليه لصاحب الفضل، و يظن به الخير و الصلاح، ثم ينقض الأذى عليه من مأمنه هذا، و في هذا نموذجين دراميين شهيرين، أن يقرض أحدهم المحتاج حتى يصبح غارما في الدين ثم يبتزه بدينه هذا، أو يحسن أحدهم لفتاة حتى تأنس إليه فينقض على عفافها عدوانا أو ابتزازا، و كذلك النموذج الشهير في تحرش أرباب الأعمال بعمالهم جنسيا ، الإيذاء هنا شديد الضرر من الناحية الاجتماعية، حيث يفقد من وقع به الأذى ثقته بالناس، فيحسب كل من يحسن مغرضا يبيت النية لإيذائه، و بهذا، قد يسد على المحتاج باب الرحمة، بخوفه من الأذى الذي يتبع الإحسان ، فيدفعه هذا نحو أبواب الرزق الحرام دفعاً ، و لجسامة ضرر المن و الأذى بعد الإحسان على الفرد و المجتمع، و عد الله من يحسن فلا يتبع إحسانه بأي منهما، بمثوبة الله و الأمن من الخوف و الحزن في الآخرة أو في الآخرة و الدنيا معاً

14 comments:

Anonymous said...

Mahmood
Dear friend Dr Eyad,
Your words are لآليء in the blog sphere, and I wish and pray to god you will live long so generations can learn from you insha Allah
I saw in some of your recent posts mentioning of death and life ends, and it really concerns me, please get this thoughts out of your mind, you are a man of strong faith and believe.
though it's natural to have these thoughts every once in a while but don't let it preoccupy your brilliant mind.
may god protect you and keep you safe, for we need all the Eyads of our world.
thank you and please accept my best.

Dr. Eyad Harfoush said...

Dear Mahmoud
Don't worry my friend. When major figures of one's beloved people pass away, you feel that death is very there as a truth in your life. However, I do not fear it, I only fear the early moments after it as i always say.

Thanks my dear friend for your SWEEEEEEEEEET words that make me more than proud. You are giving me honour I am afraid I am too little too deserve with these words.

Best Regards

خالد بن طوبال said...

فعلا نور خالد

راقني تحليلك لـ والنبي لطالما احبتتها من افواه الشعب المصري وتجاوزت حرمانيتها التي لم تقنعني

خارج عن اطار الموضوع
واغفر لي اسئلتي هذه

أنا ناصري
ورثت حبه عن والدي رغم اني لست عربي
بما ان سني صغير

أردت ان تشرح لي وجه نظرك في عبد الناصر بختصار لو أحببت
فالسادات رغم اغتياله وذمه على الجزيره وجدت ان الشعب المصري يعشقه ويكيل التهم لعبد الناصر

هل السادات محبوب لمساحه الحريه التي اعطااه للشعب وسماحه للاخوان ان يتنفسوا ؟
هل عبد الناصر عند كارهيه
محاسب على اعتقاله لحريه الشعب وزجه للاخوان في السجون ؟
ام الامر حريه مقابل ديكتاتوريه فقط

انا عربي فارجوك ان توضح لي هذه النقطه بما اني ارى التهم تكال لعبد الناصر ويتغنون بالسادات الذي لم احبه

شكرا لصبرك

خالد بن طوبال said...

عفوا

اقصد لست مصريا
ولكني عربي
عذرا

ايوية said...

الحقيقة ليس لى اى تعليق بعد كلام حضرتك جزاك الله كل خير

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي خالد طوبال

أهلا و سهلا بك يا صديقي، و شكرا لتعليقك، أما سؤالك عن الرجل الكبير، ناصر رحمه الله، و رأيي فيه فقد لخصته الشاعرة الكويتية العربية سعاد الصباح ، في قصيدتها "من امرأة ناصرية الى جمال عبدالناصر" من ديوانها فتافيت امرأة ، و أما أنور السادات فأحسن ما كتب فيه هو "البتاع" لأحمد فؤاد نجم

لا تعجب يا صديقي لكون كثير من المصريين لا يدركون فارق القامة الهائل بين ناصر و السادات، فللسادات بعض من المنتفعين، الذين أثروا من عهده أو تمكنوا فيه من رقبة البلد، و منهم فصيل الاخوان المجرمين، و هؤلاء لهم ارضية واسعة اليوم، في شارع مصري محدود المعرفة

أما ناصر فهو حي في قلوب الملايين، لا في مصر فقط، فقد تعدت رؤيته مصر الى العالم العربي، أحب كل العرب، فأحبه كل العرب، و أخلص لنا جميعا، فأخلص له منا المخلصون

لقد نكأت موضوعا شائقا يا صديقي ، و في وقت مناسب تماما لدي، لهذا اسمح لي ان اجيب باستفاضة في بوست خاص

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي خالد طوبال
أهلا بك و سهلا أخاً عربياً ناصرياً كصديق يشرفنا وجوده و تعليقه
تحياتي و تقديري

Dr. Eyad Harfoush said...

الأخت العزيزة آية المدونين

منوراني بعد غيبة طولت حبتين، شكرا لتعليقك عزيزتي و دعاءك الكريم، بارك الله لك و فيك و عليك

تحياتي و تقديري و اعزازي

خالد بن طوبال said...

اشكرك يا دكتور على اجاباتك على تساؤلاتي
أنتظر البوست

لولا أني أثق بك ما طرحت عليك وجهه نظري هذه

شكرا

Arabic ID said...

د/اياد

هل ترى دلالة لكون الأية رقم 100 من سورة البقرة هى التى تتحدث عن نقض اليهود لعهودهم؟

أم لا تعتقد فى مثل هذه الدلالات

-------
لفت انتباهى انك تقرأ فى أكثار الدواجن .... بحكم انى خريج زراعة يعنى

Dr. Eyad Harfoush said...

الأخ خالد بن طوبال
أهلا بك دائما يا عزيزي، و سوف يسرني نشر البوست قريبا
تحياتي و تقديري

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي Arabic ID

الأمر كما قلت، أنا لا أعتقد في الرمزيات المطلسمة فيما يتعلق بالوحي الالهي ، فالله أنزل كتابه قرآنا عربيا لا لبس فيه و لا طلاسم، فقط معاني كامنة تحتمل عدة أوجه لتكون مناسبة لكل زمان و كل مكان

---

بخصوص الدواجن ، فمجال عملي الحالي هو صحة الحيوان، لهذا كان اهتمامي بالدواجن، يسعدني تقارب المجال يا باشمهندس

تحياتي و تقديري
تحياتي و تقديري

Desert cat said...

لم ينزل الله سبحانة وتعالى القرآن عبثاً
ولكنها آيات محكمات
جعلها لنا مرجع لتنفيذ اوامره والتغاضى عما نهانا عنه
ولكن من يستخدمون الايات القرآنية لاهوائهم الشخصية ويوظفونها حسب حاجتهم لها
فيقومون بخلط كبير وشديد بين مضامين مصطلحات الجهاد والقتال والإرهاب
ولأن ما يناشر فى المجتمع من حولنا هو النظر إلى الآخر من خلال الذات
فنجد الفروق بين الديانات والثقافات والحضارات
كما ادى هذا الخلط الى عدم التمييز بين الاشباه والنظائر
فاصبحت النظرة الاحادية تصيب الكثير من المضامين
فانا ارى ان الدين سهل ولغة القرآن واضحة وصريحة فلنبتعد عن اهوائنا الشخصية ليستقيم ديننا
احترامى وتقديرى

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي Desert cat
لهذا السبب ذاته بدأت هذه السلسلة، لايجاد نظرة موضوعية تتناول الفكر الديني من منطلق غير ملوث باغراض السياسة و شهوات الحكم و التسلط

الصواب و طريقه واضحان كما قلت يا عزيزتي، فلا يعمي عنهم الا الغرض في النفوس

تحياتي و تقديري