1.6.08

مبارك شعبي مصر

حديث في المسألة الطائفية

قرأت منذ فترة كتاباً هاماً رغم إختلافي معه للدكتور "نبيل لوقا بباوي"، و أهمية الكتاب تأتي من تفرد كاتبه، فالدكتور "بباوي" مثقف مسيحي مستنير، تعده الكنيسة المصرية علمانياً، لواء سابق، و هو مثقف حقيقي فضلاً عن كون لقب "دكتور" الذي يحمله مدعم بثلاث درجات دكتوراة في القانون ، و اللاهوت المسيحي، و الشريعة الإسلامية. و الكتاب عبارة عن تناول جريء للمشاكل المزمنة التي وضح الدكتور بباوي أنه ليس من المنطق تسميتها بمشاكل قبطية، لأنها مشاكل كتلك التي يعاني منها كل أبناء الوطن مسلمين و مسيحيين، و أضيف أنا، أن قصر الهوية القبطية على الأقباط الأورثوذوكس هو خطأ لغوي كما يعلم الكثيرون منا ، لأن "قبطي" معناها اللغوي "مصري" و هي صيغة النسب لإسم مصر ما قبل الفتح العربي "كوبتس" و منها أشتقت أسماء مصر في اللغات اللاتينية "إيخيبتوس" ، "إيجيبتوس"، "إيجيبت"


و أعتقد أن تشخيص الدكتور بباوي و تلخيصه للمشاكل المتعلقة بالمسيحي المصري هو تلخيص وافي و متكامل، حيث حددها في عشرة نقاط أساسية هي


  1. مشكلة الخط الهمايوني فيما يتعلق ببناء و ترميم الكنائس، و وضع التصريح ببناء الكنائس تحت سلطات رئيس الجمهورية، و إقترح لحل هذه المشكلة أسلوباً لا-مركزياً بتفويض المحافظين في هذا الشأن ، بالمناسبة ليس في الموضوع اي خطوط، الاسم الصحيح للمرسوم التركي السلطاني هذا هو "هاتي هومايون" و هاتي هذه لا تعني خطاً
  2. ضيق الهامش الإعلامي الديني المسيحي، و الرغبة في إذاعة القداس الأسبوعي أسوة بصلاة الجماعة، و إقترح لحلها أن يبث القداس من خلال إحدى الفضائيات المصرية، و كذلك توجيه المتحدثين من الجانبين في أجهزة الإعلام لعدم التعرض للأمور الخلافية و التي من شأنها تسفيه أو مهاجمة عقيدة الآخر بشكل مباشر أو ضمني
  3. مشكلة الأوقاف القبطية، و إقترح عودتها تدريجياً لسلطة الكنيسة
  4. مشكلة تعداد الأقباط، و إقترح التصريح الرسمي بنشر التعداد الحقيقي للأقباط، مع الرفض التام لربط نسبة التعداد بنسبة التمثيل في الوظائف الحكومية
  5. مشكلة نسبة التثميل الحكومي الآنفة الذكر و يرفضها الكاتب كما أسلفنا
  6. مشكلة نسبة التمثيل البرلماني و يرفض الكاتب منطق توزيع المقاعد على أساس ديني
  7. مشكلة المادة الثانية في الدستور الحالي و التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، و أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، و هي مادة حديثة نوعا لأنها أضيفت في السبعينات، و لا يرى بباوي بأسا ببقائها لحساسية الموضوع على الجانب المسلم، و لعدم وجود ضرر فعلي واقع على الأقباط من وجودها
  8. تجاهل المناهج التعليمية للمرحلة القبطية، و يطالب بتخصيص لجنة علمية لكتابة تاريخ الحقبة القبطية بشكل علمي و إضافتها للمناهج
  9. الخطاب الديني المتعصب و المعادي من الطرفين، و يقترح لحلها دعم الوسائل المساعدة على نشر ثقافة التسامح و التعدد
  10. مشكلة الإعتداءات على الأقباط في الصعيد، و لا يراها بباوي مشكلة تصل لحد الظاهرة و لا تقتضي حلاً لو خففت حالة الإحتقان بكل ما سبق، و هي بالفعل أصبحت نادرة الحدوث

فكرت حين قرأت هذا الكتاب، لقد عشنا قروناً دون أن تكون هناك مسألة مسيحية، و عشنا أياماً إختلف فيها "مكرم عبيد" المسيحي مع "مصطفى النحاس" المسلم على زعامة الوفد، فكان لكل منهما أنصار، ليس على أساس ديني و لكن على رؤية وطنية، فقد ضم فصيل "مكرم عبيد" مسلمين و مسيحيين، و كذلك ضم الوفد تحت زعامة النحاس أنصارا من الطرفين، و لم ينبث احدهما ببنت شفة عن دين الآخر و لا يستغله كأرضية مناورة سياسية، و مررنا بأيام جليلة كانت أول تبرعات فيها لبناء الكاتدرائية الجديدة هي مدخرات أبناء الرئيس "عبد الناصر" و التي أعطوها للبابا "كيرلس" في منديل حين زار الرئيس في بيته ، فكانت العربون الذي دفعه البابا للمقاول الذي بنا الكاتدرائية، و ظل البابا ، و الذي كان حبيبا لكل المصريين رحمه الله ، يحكي هذا و يتندر به، فماذا حدث لنا؟ ماذا جرى لمصر؟ متى توغلت كل هذه المشاكل في مجتمعنا؟ حتى وصلنا للحضيض الذي يعكسه موقف هذا الغلام "أحمد مهنى" بتحشيش و تأليف قصة مختلقة للتحرش بالأقباط؟ و متى انحدرنا لمستوى ردود الأفعال المسيحية و ردود الردود من المسلمين و التي تميزت جميعها بلغة منحطة و سذاجة بغير حدود؟ ماذا جرى لنسيجنا الوطني؟ هل اهترأ كما اهترأ كتان مصر و قطنها؟



أعلم في نفسي أنني أكره "السادات" ، ربما أكثر من حبي للزعيم "جمال عبد الناصر"، فأحاول أن أكون موضوعياً في البحث عن جذور المشكلة في تاريخنا المعاصر بعيداً عنه، و لكنني أفشل، و أجدها شديدة الإلتصاق بسياساته الرعناء، حين تفتقت عبقرية السادات الذي عاني من عقدة القزامة دائماً في مقارنته بعبد الناصر، عن حل أشر لمواجهة المد الناصري، فحرر المتطرفين الضالعين في قضايا إرهاب في الستينات من السجون، و عقد حلفاً صريحاً مع "عمر التلمساني" المرشد العام للإخوان في هذا الوقت، و أطلق سرطان التطرف من معقله حتى قتله، و زادت في ذات الوقت عمالتنا بمملكة آل سعود زيادة سرطانية على هامش صداقته مع "أخونا فيصل" ، و شملت الطبقات الغير متعلمة و النصف متعلمة، طبقات من السهل التأثير عليها لجهلها، فعادت لنا متشربة بالتطرف الوهابي. و عدل الدستور و أضيفت له المادة الخلافية، ثم جاء خلاف الرئيس مع البابا "شنودة" في قضية سفر الأقباط للحج بالقدس "المحتلة" تحت رعاية أصدقاء الرئيس من الصهيونيين، و هو خلاف كان البابا أشد وطنية و حكمة فيه معاً، أما الوطنية فهي واضحة، و أما الحكمة فكانت ألا يتخذ الأقباط في عيون العرب جميعاً مظهر الخيانة الوطنية، و هو موقف أقدره للبابا "شنودة" و ان كنت لا أحب منه الجمع بين صورة الزعامة الدينية و الزعامة السياسية للأقباط، في خلط واضح لأوراق اللعبة لا يقلل بل يدعم نشاط جماعات الإسلام السياسي، من باب تحول الخلط بين الدين و السياسة إلى مبدأ و قاعدة طبيعية تحدث كل يوم

و برغم إتفاقي مع الدكتور لوقا في حصر المشكلات، أختلف معه في تقنيات الحل التي طرحها للمشاكل القبطية / المسيحية و التي حددها في عشر مشاكل، و أرى ما اقترحه الدكتور ، هو أقرب لأسلوب المساواة في الخطأ منه لتعديل الخطأ، إن الحلول التي طرحها الدكتور بباوي تضمن أوضاع عادلة للأقباط و حقوق مواطنة كاملة، و لكنها تنضوي على تكريس الهوية الدينية للأقباط لتقابل التكريس الديني الحالي للمسلمين، و هذا على ما يحمل من العدل، يحمل خطراً مستطيراً على المدى الطويل، فالأصل في المجتمعات المتحضرة هو المساواة في حقوق المواطنة، مع إعتبار الأديان المختلفة في المجتمع إثراء لهذا المجتمع بالإختلاف، على أن يقتصر دور الدين على توجيه سلوك الأفراد و الجماعات من خلال الحفاظ على علاقة وثيقة للفرد المؤمن بربه، و تحسن المعاملات بين الناس بروح الاخاء و الحب، ففي مجمل كتابه، يقترح الدكتور بباوي بعض التعديلات التي تسعى لموازنة الصبغة الدينية الإسلامية التي صبغ بها المجتمع المصري في السبعينات بقرار سيادي ، و لأهداف سياسية بحتة، بصبغة مسيحية مقابلة ترضي الحس الديني للأقباط، و هذا ما أراه علاجا للخطأ بالتمادي فيه و تكراره و تعميمه

أما ما أراه حلاً صحيحا على طريق الديمقراطية و المدنية، فهو العودة بجرأة الإعتراف بالخطأ لخط المجتمع المدني، و الذي يضمن حرية الإعتقاد و العبادة و ممارسة الشعائر في ظل المجتمع الحر، على ألا يتجاوز أحد حدود نفسه ليحتك بأنف الآخرين، و على ألا تهدر إمكانيات المجتمع في منافسات غبية في بناء دور العبادة أو المستشفيات أو المدارس المتأسلمة و المتمسحة، فلو أردت أنا طرح حلول لما أوجزه الدكتور بباوي من مشكلات ، تكون أطروحتي كالتالي



الحلول المدنية لمشاكل الإحتقان الديني في مصر

  1. تأسيس هيئة الأبنية الدينية: حيث أرى تأسيس هيئة مدنية بنسبة 100% من الخبراء و المؤهلين في علوم الإحصاء و العلوم الإجتماعية، تكون مهمتها المتابعة المستمرة لكفاية دور العبادة الحالية لتعداد السكان من الدينين في كل منطقة سكنية، و تبسط هذه الهيئة سلطاتها على جميع المساجد و الكنائس في مصر، و تتخذ القرار بإنشاء المساجد أو الكنائس وفقاً للإحتياج، و لا يصرح لأية أفراد أو جهات أخرى بناء دور عبادة، و على من يرغب في المساهمة في بناء مسجد أو كنيسة التبرع لهذه الهيئة. أما الإشراف الديني على المساجد فيكون للجان من علماء الأزهر لإختبار و تعيين الدعاة وفقاً لمعايير ثابتة، و كذلك الإشراف الديني على الكنائس للكهنوت الخاص بكل طائفة

    حدود الهامش الإعلامي الديني: نقترح حلا متوازنا و بنفس الوقت عادل و مرضي لجميع الأطراف، و ذلك بأن يقتصر الهامش الديني في القنوات العامة المصرية المحلية و الفضائية على إذاعة مواقيت الصلاة، و تخصص قناتين للبرامج الدينية الإسلامية و المسيحية، واحدة لكل دين، مع مراعاة تخصيص وقت مناسب للطوائف التحتية لكل دين (السنة و الشيعة و كذلك المذاهب الفقهية المختلفة لهما، و كذلك الأقباط الأرثوذكس، الروم الأرثوذكس، الكاثوليك، و الإنجيليين) و بهذا تكون جرعة التوعية الدينية موجودة بقنوات متخصصة و حكومية ليشاهدها من يريد، ثم يحل محل البرامج الدينية على القنوات العامة، برامج أخلاقية عامة، ترسخ القيم الإنسانية التي تشترك فيها جميع الأديان، و دون التورط في أمور خلافية، و هذه توجه للنشأ بصفة خاصة و تحرص على ترسيخ معاني الحب و التآخي بين البشر جميعا

وزارة التكافل و الأوقاف المدنية المصرية: تحل مشكلة الأوقاف المزمنة، بأن تأسس هذه الوزارة كوزارة مدنية، و يتكون هيكلها من كوادر مالية و إدارية، و تبسط سلطاتها على جميع الأوقاف المصرية ، إسلامية و مسيحية، و كذلك على عائد صناديق النذور و العشور الموجودة بالكنائس و المساجد و الأديرة ، على أن تلتزم برواتب العاملين بالإشراف الديني المسلم و المسيحي من الوعاظ و رجال الكهنوت، كما تتحول لملكية الدولة و تنضم تحت هذه الوزارة جميع المدارس و المستشفيات و المنشآت ذات الصبغة الدينية الإسلامية و المسيحية، و تخصص هذه الأصول جميعها لأعمال التكافل الصحي و التعليمي لجميع الطبقات غير القادرة من المصريين ، بعد أن تحول هويتها و أسماءها لأسماء مصرية و كفى

مشكلة التعداد: يلغى بند الديانة تماما من النقاط المطلوب إستيفائها في التعداد العام، فالهدف من التعداد هو التوصل لقاعدة بيانات تخدم تقديم الخدمات للمواطنين، و ليس من بين هذه الخدمات ما هو متعلق بالدين، و عليه لن يكون تعداد المسلمين أو الأقباط موضوع ذو قيمة للدولة أو الأفراد ، فقط هيئة الأبنية الدينية هي التي ستتابعه للتأكد من كفاية دور العبادة بكل حي و تجمع سكاني

نسبة التمثيل الحكومي: الكفاءة المهنية هي المعيار الوحيد للتعيين في مختلف الوظائف، و يفصل القانون و اللوائح الداخلية لكل مؤسسة أو جهة إعتبارية في القطاعين العام و الخاص معايير التوظيف، على أن يخصص بند في القانون الجنائي لتجسيم العقوبة الجنائية لمن يثبت بحقه التمييز العنصري ضد أي مواطن و لأي سبب من الأسباب دينيا كان أو غير ديني

نسبة التمثيل البرلماني: العملية الديمقراطية و الإنتخاب هما المعيار السليم للتمثيل النيابي، كما يجب إلغاء المقاعد الخاصة بالتعيين و التي تغازل بها الدولة قضايا المرأة و الأقباط، فلو أراد الناخبين رجلاً أو إمرأة فلهم ما أرادوا أيا كان دينه أو جنسه أو إتجاهه، و على عاتق المرشح وحده تقع مسؤولية إقناع ناخبيه بصلاحيته

المادة الثانية للدستور: لقد لبثت قضية إضافة نص يشير إلى مسيحية أوروبا في دستور الإتحاد الأوروبي قضية خلافية لأمد طويل، حتى إستقر الرأي على عدم وضعه، رغم حشد الفاتيكان لكل طاقاته لهذا الغرض، و لم يضف هذا النص لكون الدستور موضوع ليحدد علاقات دول مدنية ببعضها البعض و بالأفراد في كل منها، و عليه فلا موضع للهوية الدينية هنا، و مع ذلك لسنا نرى في المادة الثانية بنصها الحالي بأساً، و لا بغيابها على حد سواء، فلن تحدد هذه الفقرة هوية مصر، و التي نراها هوية تجمع أربع أعمدة أساسية، و هي بالترتيب الزمني ، عمود فرعوني، عمود هيليني بحر-متوسطي، عمود قبطي مسيحي، و عمود عربي إسلامي، و هذه الأعمدة هي المكونة لخلفيتنا الحضارية جميعاً مسلمين و أقباطا

الحقبة القبطية: من حقنا جميعاً و ليس من حق الأقباط فقط أن تضاف حقبة تبلغ 600 عام من تاريخ بلادنا إلى مناهجنا، لتشغل حيزا موازيا لفترة إمتدادها الزمني، فليس من حق أحد أن يطمس أو يبرز في ذاكرة الشعوب. و لست أعتقد أن هذه القضية يمكن أن تواجه إعتراضا من أي عاقل رشيد

الخطاب الديني و التعليم الديني: يقتصر الخطاب الديني على المساجد و الكنائس، و بدون إستخدام أية وسائل تضخيم صوتي من شأنها توسيع نطاق الإستماع خارج المسجد و الكنيسة، ما عدا للأذان أو الأجراس الداعية للصلاة، و لا يتطرق الخطاب الديني أو التعليم الديني إلى المواضيع الخلافية بين الأديان إلا في المرحلة الجامعية و الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية أو اللاهوتية، حيث يكون المتلقي قادرا على فهم و إستيعاب علم الأديان المقارن بعقلية ناضجة، كما تنشأ بكل مدرسة قاعتين لتدريس الدينين الإسلامي و المسيحي، على أن يتم تدريس المواضيع التي لا تحمل قضايا خلافية بين مذاهب الدين الواحد، فمن حق الطقل الكاثوليكي مثلا أن يدرس الخطوط العريضة للمسيحية دون الاشارة الى الخلافات الكنسية و مع عدم ترسيخ أية تعليمات تجافي مذهبه الموروث حتى يصل للسن التي يقرر فيها لنفسه

الردع العقابي: أرى التعامل مع من يتخذ من العنف وسيلة لتمكين أهدافه السياسية أو العقائدية بمنتهى الحزم، و من روح الشريعة الإسلامية، و التي تطابق الشريعة الموسوية التي صدق السيد المسيح عليها في قوله "لم آت لأنقض، بل لأكمل"، نقترح وضع تشريع قانوني لحالة الإفساد في الأرض التي يرتكبها المتطرفون دينياً بالعنف ، أو ما يؤدي إلى العنف ، من تجهيل المجتمع و تكفيره ، و تهوين دم المصري على المصري، فليكن كتاب الله الذي يدعون أنهم يعملون به ، هو القول الفصل بينهم و بين المجتمع، و قد جاء فيه حد الحرابة المعروف و الخاص بالارهابيين و الذي طبقه "علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه في الخوارج من متطرفي زمانه، و أرى أن إعمال قول الله الذي يدعون أنهم جنده فيهم، هو ما يردع أمثالهم عن حمى المجتمع الوطني، بالطبع على أن يحدد القانونيون و المشرعون الضوابط القانونية لتطبيقه حتى ينال المجتمع بهذا العقاب الرادع من ينالون من أمنه و سلامته، بجرائم تصل لدرجة الارهاب، على ان تكون هناك آليات قانونية لردع المتعصبين في الحياة العامة من الدينين ، لو ترجم تعصبهم لتحيز مادي ملموس ضد الآخر، و هو عقاب يهدف لردع الجاني و غيره ممن تسول لهم أنفسهم أمرا فيما يخص الأمن القومي المصري

الخطة الأمريكية للتدخل في المنطقة يا إخواني شبه معلنة، و بند مصر فيها مربوط بملف الفتنة الطائفية لتكون مدخل أمريكا للنفوذ المباشر في مصر (الاحتلال بصورة أو بأخرى) و قد نشر الأستاذ الجليل "حمد حسنين هيكل" هذا منذ زمن مؤيدا بمصادر و وثائق، فماذا ننتظر؟ لا نحن لا ننتظر، نحن نعدو، لكن نحو ذات الهاوية الممهدة لنا بأيدي السفهاء منا، و هم للأسف الشديد كثيرون جداً، و ختاماً، كل ما قلناه هنا نعلم أننا اليوم بعيدين عن تحقيقه، و ليس من الضروري أن نطبق كل هذا في توقيت واحد و بحذافيره، و لكن ما يهمنا هو الخط الفكري للمجتمع، أن يكون التوجه العام نحو الدولة المدنية و ليس المجتمع المصبوغ دينياً، فالمجتمعات المصبوغة دينيا هي مجتمعات شاذة كجزر متفسخة في محيط مدني، يرفضها العالم اليوم من نسيجه، لأن تجربة آلاف السنين أثبتت أن الدولة المدنية تتسع للجميع بعدالة و كرامة و كفاية و عدل، و هي لا تتنافى مع منهج الإسلام ، فنحن نرى أن دولة المدينة التي أسسها "رسول الله" بنفسه أسست على دعائم مدنية تماما، كذلك لم يدع المسيح أبدا لخلط هذا بذاك ، و لو كانت المدنية حلا أفضل في المجتمعات المتجانسة دينيا و عرقيا، فهي الحل الوحيد في المجتمعات المنوعة الأعراق و الأديان، فلعلنا نفقه دروس التاريخ و حقائق العالم من حولنا

30.5.08

بيت العنكبوت

الطلاق في مصر، لماذا؟

كثر الحديث بشأن الطلاق، و البعض يراه ظاهرة جديدة، و انا أراه مجرد تفعيل لحقيقة قديمة، في أجيال مضت، كانت هناك حالات فشل زوجي لا تقل عما لدينا اليوم، و لكن كانت الحياة تستمر شكلا بعد "السكتة الزوجية" ، و ربما لنهاية العمر، قدرة على التضحية ربما، استكانة ربما، قدرية في أغلب الأحوال، أو حرص نبيل على مصلحة الأبناء لابد من تقديره و احترامه في بعض الحالات، و لأننا كثيراً ما نتحدث عن مشاكل الطلاق، و المعاناة الزوجية ، فنقتصر على ما يخص المرأة دون الرجل، على إعتبارأنها هي الخاسر الأكبر في عملية الطلاق في مجتمعاتنا و وفقاً لموروثاتنا، فأنا هنا أحب إكمالاً للصورة الوافية التي يحسن أن نتصورها عن الوضع الراهن بمجتمعنا المصري، أن ألقي الضوء على الجانب الآخر من المعادلة السالبة .. و هو المطلق، فليس الطلاق جريمة يرتكبها الزوج بحق الزوجة دائماً، و لكن الطلاق هو فشل لزوج و زوجة في خلق المودة و الرحمة، لأسباب تخص الزوج حينا ، و الزوجة حينا، و تخص كليهما في اغلب الاحيان. و هنا أود أن أعرض نظرة واسعة على الخلل الذي أصاب علاقة الرجل بالمرأة في مجتمعنا بصفة عامة، ليعاني الجميع، مطلقين و مطلقات، نظرة سأجتهد كي لا تكون ذكورية برغم أنها نظرة رجل ، و نبدأ بالحديث عن أسباب الانهيارات الزوجية سواء ترجمت إلى طلاق أم لم تترجم ، تتعقد أسباب الفشل في إقامة علاقة ناجحة بين زوجين و تتجذر لتصل إلى أساليب نشأتنا الأولى أحيانا، و لكل حالة خصوصيتها، و من المستحيل لأي فرد خارج طرفي العلاقة الزوجية أن يحكم من المخطيء و من المصيب، مهما كانت الظواهر واضحة، فالعلاقة الشديدة الحميمية ، هي بطبيعتها شديدة التعقيد أيضاً، و لا يجوز لنا أن نحكم على حالة بعينها، و لكن يمكننا رصد الأسباب العامة، و هنا نسرد أهمها برأينا

السبب الأول: لماذا نضع العربة أمام الحصان؟
الأصل في الزواج أنه وسيلة مشروعة لإرتباط رجل و إمرأة يميل كلاهما للآخر ميلا يظنان معه أن بإمكانهما إقامة حياة أسرية سعيدة … إذن فهو وسيلة للإرتباط، و الإنسان هو الغاية، و بنظرة إلى أحوالنا نجد أننا كعادتنا نضع العربة أمام الحصان، و نقلب الزواج إلى غاية في ذاته، بل و غاية الغايات أحياناً و خاصةً للمرأة ، فأما الزوج أو الزوجة فهو وسيلة للوصول إلى الوضع "متزوج / متزوجة"، و لهذا الخلط في منطق الهدف و الوسيلة تداعيات خطيرة على الفشل في ذلك الزواج المزمع، حيث يمر المقبل على الزواج شابا كان أو فتاة بتجربة "تجريع" يزين له فيها المحيطين به الشريك المناسب، و عادة ما يكون شريكاً مناسباً من الناحية النظرية البحتة، بمعنى التوافق في المستوى المادي و الاجتماعي و مستوى المؤهل .... الخ، و نسمي هذه الرؤية النظرية لما هو مناسب أو غير مناسب بأنها "رؤية عقلانية" و هو وصف ظالم للعقل، فالعقل الإنساني تجريبي بطبيعته، و الثوابت النظرية مستحدثة عليه ، و نحن بهذا التجريع الإجتماعي، الذي تتزوج فيه أسرتان و ليس رجل و امرأة، لا نعطي أدنى إعتبار للتوافق الشخصي بين العروسين، و بكثرة الإلحاح، و نتيجة لتأثره البشري بالايحاء، يتوهم الفتى أو الفتاة أنه متقبل لهذه العروس أو هذا العريس، و لا تكتشف الحقيقة، الا عندما تصهر الحرارة الناتجة عن الاحتكاك في التعامل الزوجي اليومي هذا الوهم الذي صنعته تجربة التجريع أو التبليع لو جازت التسمية، فتحدث الخلافات و تتعاظم مع الوقت، لأننا حولنا الزواج لهدف اجتماعي، و ليس اطار اجتماعي لاثنين يحبان أن يمضيا العمر معا كما يجب أن يكون
السبب الثاني: فترة اختبار أم فترة إعداد و تجهيز؟
بينما الأصل في فترة الخطبة أن تكون فترة إختبار للتوافق بين العروسين، و إعداد تدريجي لهما للتعايش و التواصل، إلا أننا قلبناها إلى فترة إعداد و تجهيز، لا يفيق منها العروسين إلا بعد إنتهاء شهر العسل، ينشغل فيها كل طرف منهما بإلتزاماته، فينغمس العريس في تجهيز الشقة أو الأثاث ...الخ ، و تلتهي العروس في إعداد ثوب الزفاف ، و "ستايل" الفرح، و بطاقات الدعوة ... الخ، و آخر شيء ننشغل به هو الإجابة عن سؤال التوافق، هل هما متوافقان ؟ هل هناك مشاعر عميقة من الممكن أن تتكون بينهما ؟ هل درجة إنسجامهما تكفي لإستمرار الحياة في حالة تجانس و ليس فس حالة تنافر؟ أسئلة عديدة يهملها الطرفين، و إذا بدت بادرة من أحدهم فأقلقت الطرف الآخر، يأتي دور الأهل في إعطاء جرعة إضافية من "التبليع"، بأنها "مشكلة بسيطة" و "بكرة لما يعاشرك هايفهمك و تفهميه" و "كل حاجة بعد الجواز بتتغير"، و ذلك طبيعي، لأننا بمجرد الخطبة إعتبرنا الزواج خطوة تالية حتمية للخطبة، فلا نرى خطيبين إلا و نبادر سائلين إياهم " إمتى هانفرح بيكم ؟ " لأننا أصلا سلمنا لا شعوريا باتمام التجربة و استغرقتنا تفاصيل الاتمام. و بهذا نكون قد أفرغنا الخطوبة من معناها لأننا ألغينا الجانب التجريبي فيها، فبرغم كون هذا التجريب قاصر لأنه لن يعتمد على عشرة كاملة، إلا أنه أفضل من اللا-شيء، و لكننا نصر على اهداره

السبب الثالث: خلل العلاقة المادية و الذمة المالية للزوجين

المنطق السليم و العادل يجيز شكلين لا ثالث لهما في العلاقة المادية بين الزوجين، أحدهما هو النمط الإسلامي و نراه منطقيا و عادلا في ظل منظومته الكاملة، و فيه يتحمل الرجل مسؤولية الأسرة ماديا بالكامل، بما فيها النفقات الشخصية لزوجته، و القادر من واجبه أن يوفر للزوجة من يقوم عنها بأعمال المنزل الشاقة، و غير القادر عليه أن يعاونها بنفسه، فإذا كان الزوج معسرا و ساعدته زوجته فذاك دين عليه يرده كأي دين خارجي ، و إن عجز عن الكسب ، كان أي دعم لا يرده لزوجته بمثابة صدقة عليه و على أولادها شرعا، و هذا الفصل كان ضروريا في الإسلام في ظل قابلية التعدد ، فليس من العدل أن يتزوج الرجل بالجديدة من مال بعضه جاء من كد زوجته الأولى، و كذلك في ظل قابلية الطلاق من طرف الرجل، و الخلع من طرف المرأة، فليس من العدل أن يتزوج أحدهما الآخر ليبتز ماله ثم يستغل رخصة الطلاق او الخلع ليتخلص منه، و مقابل هذا كله يرث الرجل الضعف شرعا، و النمط المنطقي الآخر و هو عادل أيضا، و فيه تكون المسؤوليات المادية مشتركة بين الزوجين، فتشترك المرأة في مسؤولية دعم الاسرة ماديا، و تعتبر أي ثروات تتكون خلال فترة الزواج ملكا للأسرة، فلو حدث طلاق تقاسمها الزوجان مناصفة

لكننا الآن كثيرا ما نأخذ من النظام الأوروبي بعضه و نترك بعضا، و نأخذ من نظامنا الإسلامي بعضه و نترك بعضا، فنرث الضعف، و نقول بتعدد الزوجات، و بحق الطلاق وفقا للنفقة لا غير، ثم نطلب من الزوجة أن تساهم في تمويل الأسرة؟ ده ايه الاستنطاع الرسمي ده؟ و ليس هذا و حسب، لكن عليها القيام بمسؤليات البيت و رعاية الأطفال كاملة دون توفير من يعينها و دون أن يعينها الزوج، و في بعض الطبقات، الزوج يصبح عاطلا أغلب الوقت، و الزوجة تنفق على البيت و عليه، و تشتري له الكيف كذلك؟ هل هذا نظام نتوقع معه حياة طبيعية؟ لا سعادة الا مع العدل يا سادة


السبب الرابع: قصور النضج و عدم قبول الآخر

كلما زاد نضج الزوجين ( و لا علاقة للنضج الفعلي بالسن) زادت قدرتهما على قبول الاخر و بالتالي لا تولد الفروق الفردية بينهما احتكاكا شديدا يفقد العلاقة المودة و الرحمة، و حتى لو تولد الإحتكاك أحياناً، يحتفظ به الزوجان الناضجان سراً بينهما حتى يخمدان لهيبه بالحوار أو بعنصر الوقت، أما غير الناضجين، فسرعان ما تشتعل بينهما ناراً لا يطيقون إطفاءها، و السبب هو رفض الآخر و عدم القدرة على قبوله المصاحب للشخصية الضامرة، و هذا الرفض للآخر ليس قاصراً على الزوجين، و لكنه ممتد للأهل في الطرفين، فما أن تبلغ الأهل أخبار خلاف حاد بعد الزواج، إلا و يمدون النار بمزيد من الزيت لتتوهج، و هو موقف لعمري غريب !! خاصة لو قارناه بموقف نفس الأهل الذين كانوا يمارسون عملية التبليع قبل الزواج، فكأن دوافعهم قبل الزواج لهذا التبليع هي دوافع لا شعورية تتجه نحو التخلص من موضوع إتمام الزواج بأقصى سرعة و كأنه هم ثقيل، فإذا تم الزواج، إتخذ معسكري الأهل في الطرفين وضع القتال، و الذي تفري شظاياه أول ما تفري أبناءهم و أحفادهم على خط النار. و لست أرى لهذه التناقضات تفسيرا غير الشخصيات الغير ناضجة، و التي تندفع إندفاعات عاطفية غير مبررة من النقيض إلى النقيض، أما هذا النقص في نضجنا جميعاً رجالاً و نساءً، فله أسباب إجتماعية و سياسية و ثقافية يضيق بها المجال هنا ، لكن أولها و لا ريب أننا لا نحيا بعقولنا، جميع أعضاء جسمنا تعمل بكفاءة و تقودنا أحيانا، ما عدا القائد المنوط بالمهمة، العقل

السبب الخامس: نقص الإشباع العاطفي و الجنسي
الإشباع العاطفي و الجنسي هما بالضرورة من أهم دوافع الرجل و المرأة للزواج، و على هذا يكون تهيأ كل منهما لإقامة علاقة عاطفية و جسدية مع شريك حياته، عنصراً محورياً لنجاح تجربة الزواج عن طريق تحقيق أحد أهم أهدافها، فلو عددنا نقاط الخلل في الصحة الجنسية و السلوك العاطفي في مجتمعنا، لوجدناها عديدة، و بحكم التخصص سأسهب هنا قليلا
فن الحب: أي انسان قادر على أن يحب، و لكن ليس كل انسان قادر على التعبير و التفاعل في حالة حب خلاقة ، الكلمات الرقراقة، اللفتات الرقيقة، ضمة حنان ، تربيت على كتف، نظرة تواصل، مفاجأة غير متوقعة، فسحة، أي شيء و كل شيء، المرأة تحتاج من الرجل الاحتواء و الابهار، و الرجل يحتاج من المرأة الحنان و الدهشة ، بس مش بمصيبة علشان مافيش واحدة تولع في البيت لجوزها، و نحن من أقل خلق الله قدرة على الاستمتاع باللحظة و التعبير عن العاطفة، رغم ان الشعوب المحيطة بنا من لبنان لسوريا للسودان أفضل حالا في هذا، لربما كنا الأكثر تأثرا بالطبيعة البدوية الجافة نتيجة الهجرات المتصلة عبر التاريخ من جزيرة العرب للوادي الخصيب قبل الاسلام بقرون؟ مجرد احتمال ضعيف
الختان النفسي للبنات: قد تجد أبا ينهر طفلته ذات الخمس أو الست سنوات لو ظهرت ساقيها عفواً أثناء اللعب! فما أن تبلغ سن العاشرة حتى تهبط عليها قائمة المحظورات، ممنوع اللعب مع الأولاد، ممنوع لبس مايوه، ممنوع … ممنوع، و هذه القائمة تهبط عليها وحدها ، بينما أخوها الذكر لا تتغير حياته و لا تهبط عليه المحظورات، و قد تسمع لخطيب المسجد المجاور لمنزلها يوم الجمعة واصفا المرأة بأنها كلها عورة و صوتها عورة و تقبل كشيطان و تدبر كشيطان، و هي و الحمار و الكلب يقطعون الصلاة، و تسمع حديث النسوة العجائز عن خلف البنات ..... الخ، بهذا الخلل التربوي نجري لبناتنا عمليات "الختان النفسي" إذا جاز التعبير و إن لم نختنهن مادياً. و هو ختان شديد و آثاره لا تقل عمقا عن الختان المادي بل قد تزيد. و عاماً بعد عام، تشب الفتاة ليتأصل في نفسها تدريجيا أننا مجتمع يجرم كل أشكال و تعبيرات الأنوثة ، ما عدا الأمومة، فيتحول رصيد العطاء الأنثوي بداخلها كاملا إلى شكل الأمومة المقبول إجتماعيا، فلا تتعجب لو سمعت زوجة تحدثك قائلة أنها حققت هدفها من الزواج يوم أنجبت قرة عينها، فهي بعد ذلك لا تبالي بذكر النحل الذي إنتهت مهمته و هو زوجها الفاضل ، سمعت قريبا عن أم تنصح ابنتها بالزواج من أي عريس "علشان تلحقي تجيبي عيل، و انشالله تطلقي بعدها مش مهم" أهكذا نعلم بناتنا يا سادة؟
ثقافة الفاعل و المفعول به: في لغتنا العربية يا سادة ، نستخدم وحدنا صيغتين للتعبير عن اللقاء الجنسي، صيغة الفاعل للرجل ، و صيغة المفعول به للمرأة !!! بينما في اللغات اللاتينية و الأنجلو-جرمانية ، يكون الحديث بصيغة الفاعلين، و المفارقة هنا ليست مفارقة لغة فقط و لكنه نمط حياة، نمط يرى في إيجابية المرأة في الفعل العاطفي نحو زوجها عيباً لا يليق، و يرى في التعامل مع المرأة كدمية في الفراش أمراً طبيعياً، فهي مفعول به، و من نافلة القول أنه نمط فاشل ، و مجافي للفطرة الانسانية السليمة، و هذا بسبب تربيتنا، نحن الرجال يا سيدي نحطم المرأة في صورة إبنة لنعاني منها في صورة زوجة. فلا نلومن إلا أنفسنا، البنت التي تخجل من "عار" أنوثتها لابد أن تكون "مفعولا به" في العلاقة الزوجية
تأخر سن الزواج: النشاط الجنسي للفتيان / الفتيات من سن البلوغ و حتى سن الزواج يقتصر في أغلب الأحوال بالنسبة للشباب و الفتيات على ممارسة العادة السرية، و هي سلوك جنسي فردي بينما الأصل في الجنس أنه سلوك ثنائي تفاعلي، و طول الفترة ما قبل الزواج تؤصل السلوك الفردي عند الفتى و الفتاة مما يؤدي للفشل في التفاعل الثنائي بعد الزواج، كما تمتد تجارب بعض الشباب من الممارسة الفردية إلى الممارسة مع المحترفات، و هي في أغلبها ممارسات غير طبيعية و تشوبها المبالغات و الإفتعال، فيتشكل وعي الشاب بالجنس على هذه العلاقة الشاذة مع المحترفة، فلا يجد بعد الزواج ما يرضي نزواته الغير سوية التي إعتادها.
الجهل الجنسي: على صعيد السادة الرجال، يشب الفتى و يبلغ مبلغ الرجال ليتعلم الجنس من الأصدقاء الأكثر جهلا، و ليسمع المبالغات و المهاترات عن هذا التابو المحرم من أصدقائه، و كثيراً ما يبالغ الأقران في وصف قدراتهم الذكرية و مواهبهم الفحولية، و يسمع كل منهم الآخرين فيعتقد أنهم صادقين و أنه وحده من يبالغ، فيترسخ بنفسه أنه أقل من أقرانه، و تترسخ بنفسه عقدة الخوف من الفشل في مجتمع يقرن الرجولة بالفحولة، و إنما يحجم الكثيرون عن الزواج من غير البكر لا لشيء إلا للخوف اللاشعوري من المقارنة وفقاً لدراسة نفسية حديثة، و البنات لسن أحسن حالا، وشوشة الودان، التي تغيرت الان لكلام ع المكشوف، لكن مازال ينضح جهلا، لان جاهلا يعلم جاهل، فالنتيجة جهل أس اتنين، و ذلك فضلا عن أفلام البورنو التي تعلم الشباب ممارسة الجنس بشكل مضلل، فهي أفلام معدة للفرجة، و ليس لاشباع الممثلين، فتلتزم بما يتيح اثارة المشاهد و ليس الابطال
السبب السادس: الهاجس الإجتماعي للزواج
يضع مجتمعنا الزواج و الأمومة بالنسبة للمرأة ليس كأولوية فقط ، و لكن كقدر و معيار أحادي للنجاح، فمنذ نعومة أظفار الطفلة نسألها " تتجوزي مين من ولاد خالك و لا عمك؟" بينما نسأل أخوها الذكر " تحب تطلع إيه لما تكبر" و كأن المستقبل الوحيد للأنثى أن تكون زوجة، و ستجد المجتمعات النسائية تمصمص الشفاه حسرة على أستاذة جامعية نابهة لو أنها لم تتزوج، و كأن نبوغها العلمي لا شيء لأنها لم تفز بابن الحلال، كل هذا يشكل عناصر تقنين و قولبة لشخصية المرأة تجعل الزواج هاجسا مستديما لها منذ الطفولة و تؤثر عليها سلبا في أمور كثيرة، شعورها أنها كائن ناقص في ذاته، يجب عليه ليكتمل أن يرتبط برجل، فتتكون في أعماقها بذرة شعور بالنقص تجاه الرجل، ممزوجة حتماً بشيء من الكراهية و الرغبة في التمرد المكبوت و المجرم، ثم تصبح الفتاة فريسة للقلق الذي يصل أحيانا إلى حد القلق المرضي، لشعورها أن مصيرها مرهون بمن يتقدم لها من الخاطبين، و هو قلق عنيف، أن تشعر أن مصيرك مربوط بإرادة الغير، و يعبر هذا القلق عن نفسه بظواهر سلوكية، مثل التطرف في إظهار المفاتن الأنثوية لتحريك إرادة الآخر، أو التطرف الديني لتحريك إرادة الآخر لو كان هذا الآخر من المعسكر الذي يعجبه هذا ، كما يعبر القلق عن نفسه بظواهر نفس-جسمية كثيرة مثل الصداع و المغص و نوبات الدوار الغير مبررة طبياً ، و في النهاية، يالله ، أي رجل علشان نلحق، فتلحق العروس بقطار الزواج، ثم تسقط منه، لأنها من الأساس ركبت شعبطة مش بشكل منظم و صحي
السبب السابع: توافق فردين ممكن .. توافق قبيلتين مستحيل
في بداية البشرية ، و حتى بداية التاريخ المكتوب، كان الزواج قرارا فرديا للزوج و الزوجة في العالم كله، و مع تعقد المجتمعات و خروج مفاهيم النسب و الصهر مع ظهور مفاهيم الملكية الشخصية و الوراثة و ما اليها، و ذلك لدور النسب فيها ،هنا .. ظهر الزواج المؤسسي لو جاز التعبير ، أسرة تتزوج أسرة، و من واجب الزوج أن يرضي كل عائلة زوجته ، و العكس صحيح ، و استمر الوضع بهذا الحال قرونا عديدة، حتى فطنت المجتمعات الصناعية المتقدمة لأن جعل الزواج مؤسسيا يزيد من مصاعبه و تحديات الاستمرار، فكم حالة فشلت بسبب الأهل لا الزوج و لا الزوجة؟ فعادت هذه المجتمعات بالزواج تدريجيا لصورته الاولى، رجل يتزوج امرأة، احتفال عائلي، خلاص، لو ارتاح مع اهل زوجته يصادق من شاء منهم، فان لم يكن، مش مهم، مش ضروري، و العكس صحيح، لأن من السهل جدا بالمقارنة ان يتوافق شخصان على ان تتوافق قبيلتان

قد يبدو حديثنا هنا في أمر الزوج بعيدا عن الخط الذي إعتدناه قبلاً، و لكنه لا يقل أهمية، فما مصر إلا العديد من الأزواج و الزوجات و الأبناء و البنات في حلقات متشابكة، و عندما يمس العطب الخلية الأساسية المكونة للمجتمع، يكون على الملتزم بقضايا وطنه أن يدق نواقيس الخطر منبها، و يتحرى الأسباب مفصلاً، ثم يضع التصورات للحلول و البدائل، و لقد دققنا الأجراس و فصلنا الأسباب في حديثنا هذا، و في حديث قادم نتحدث عن الحلول المرئية لتجنب هذه الانهيارات، ثم نلج للبحث في أحوال المطلقين و المطلقات و كيف تتغير نظرة المجتمع للأفضل

29.5.08

الفتنة الإلكترونية

أحمد مهنى و فتنة مختلقة
زوبعة إلكترونية، ختمت بزوبعة حقيقية ، قرأت عنها، وكفاني الله شر حضورها في حفل توقيع العدد الأول من مدونات مصرية للجيب، والسبب بوست تافه اسمه "عفوا سيدتي" كتبه مدون شاب اسمه "أحمد مهنى"، البوست الذي أثار المشكلة حكى حكاية المفروض أنها واقعية وحدثت للسيد "أحمد" هذا، والحكاية منشورة بتفاصيلها هنــــــــــــا كما كتبها، وهنـــــــــا التراجع الذي نشره، مع عدم إنكاره أي مما جاء على لسانه، المهم ، الحكاية باختصار أن المدون يدعي أنه التقى بفتاة مسيحية مغتصبة، وطلبت مساعدته فلم يقبل، حتى لا يمسك يدها، ثم تمنى من الله ألا يكون مغتصبها من المسلمين، ومضى لحال سبيله، هكذا يدعي، ثم أخذ في مقاله المهتريء ينصح السيدات بالقنوت في بيوتهن حتى لا يتعرضن لمثل هذا! حكاية جميلة لغرس بذور فتنة طائفية، المشكلة أن المؤلف الذي وضعها يبدو أن خبرته لم تكن تتعدى التأليف للأطفال، وهو ما يجعلنا نرى رأي العين أن الحكاية أولا مختلقة، ثانياً أن هذا البوست المثير للفتنة هو أمر دبر بليل، أما الأدلة فتفصيلها كما يلي يا أولي الألباب

دلائل الإختلاق وتبييت النية لإثارة الفتنة الطائفية
دعونا نتفق على تجاهل كم الأخطاء الإملائية ، والتهالك اللغوي وضعف الأسلوب، والذي يشبه أساليب طلاب الإعدادي، ويثير شكوكا وريبا ، حول الدافع الذي يغري أية جهة بالنشر لمثل هذا المبتديء؟ والغير مبشر بأي خير، فالهدف هنا هو فضح المؤامرة، وليس نقد المقال ولا الرد عليه، ولا الدفاع عن الدين الإسلامي الذي أهانه هذا الفتى، فالإسلام غني بتراث الشرف والنخوة، وكذلك المسيحية، ولا مجال للتشكيك في دعوة كلا الدينين للنخوة والنجدة والمواقف الايجابية من الحياة الا لمن ملأ قلبه الغرض، واسمحوا لي في تمييز ما كتبه الفتى بلون الفضلات البشرية ، فهذه ليست كتابة في مدونة ، لكنها براز في مرحاض
كيف حددت كل هذا يا أحمد؟
كتب يقول "انهارده انا قابلت بنت مغتصبه ... تقريبا تم اغتصابها امبارح بالليل وهى راجعه من رحلة لشم النسيم .. هى بنت مسيحيه" جميل جداً، طيب لو افترضنا أنها كانت ترتدي صليباً ضخماً في عنقها مثلاً، وكان كبيرا بما يكفي ليقتحم بصره دون أن ينظر هذا الملتزم دينيا لصدر الفتاة مدققا، ومنه عرف أنها مسيحية، من أين له أن يخمن موعد الاغتصاب أنه الليلة السابقة للواقعة؟ ثم الأدهى من ذلك أن الشيخ المكشوف عنه الحجاب، نزل عليه الوحي أن الفتاة كانت في رحلة لقضاء شم النسيم في اليوم السابق، ده ايه ده، أدهم بيه صبري يا ناس؟ ولا القطب الواصل وواحد من أهل الخطوة؟

الموبايل يذيع "آل عمران" تحديداً
في السطر التالي، يزج الفتى بدون أدنى مناسبة منطقية بموضوع الأديان ثانية، فيقول "وانا ماشى ومشغل الموبايل على سورة ال عمران لقيت حد بيشاورلى" لو أن الصدفة شاءت أن يكون الفتي يسمع لأي سورة من القرآن الكريم، لقلنا صدفة، لكن لماذا سورة "آل عمران" تحديدا؟ لأن لها إشارة دينية من شأنها أن تزكي الفتنة، الفتنة التي كتبت بالاتفاق مع من دفعه لاختلاقها؟ أليس كذلك؟ لأن هذه السورة هي التي تناولت تفصيلاً قصة سيدنا عيسى و أمه العذراء عليهما السلام من بين آل عمران، وبها الاعتقاد الإسلامي المغاير للعقيدة المسيحية، أليس كذلك؟
حشر الدين في نذالة البشر ثانية
و في السطر التالي، يقول "طلبت منى ان امسكها واساعدها فى انها تمشى مسافة وتركب فى الحقيقه انا رفضت .. الحت عليا واضح اوى انها بنت ناس بس متبهدله خالص وشها بينزف شفتها وارمه وبتتكلم بصعوبه مدت ايديها اكتر .. الحت عليا طلبت منى اساعدها قولتلها مينفعش امسك ايدك" لا يا شيخ؟ دي حاجة جميلة جداً ، ماينفعش يمسك ايدها علشان حرام ، أعتقد أنه حتى الأطفال يعرفون أن ما يقوله الفتى لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالدين، وبما أنه شاب وليس طفلاً، فليس بوسعي أن أصدق لا الواقعة، ولا رد فعله، ولا أنه فعل هذا لسبب ديني، ثم يختم وصفها بقوله انها كانت "تسير متباعدة الساقين"، الله يكسفك يا بعيد على خيالك المريض العاجز بعجز أبدي، خيال طفولي ساذج، لا يصدر إلا ممن لا يفهم التشريح الأنثوي، ومسيطر عليه اعلان المسمار والحائط بتاع الفياجرا

حشر الدين للمرة الثالثة بدون مناسبة
تماما كأفلام السبعينات التي كانت مشاهد الفراش تحشر بها كل ربع ساعة وبدون أدنى مناسبة، يحشر الأفندي الدين لثالث مرة، فيقول "المنظر كان مؤلم للغايه... انا فضلت ادعى ربنا ان اللى اغتصبوها ميكونوش مسلمين" لاحظ هنا عملية الشحن المتعمدة ، وللمرة الثالثة ضد الإسلام، حيث يشير الفتى أن كل ما يهمه ليس الفتاة ولكن أن يكون مغتصبوها ليسوا من المسلمين، وهكذا المزيد والمزيد من النار على مشاعر أي مسيحي يدفعه قدره لقراءة هذا الغثاء

مزيد من الاستفزاز بالتبرير للمجرمين
قال فض الله فاه "اكاد أتخيل المشهد امام عينى ربما كانوا اربع شباب بالتأكيد غير متزوجين ربما يكونوا تقدموا لأكثر من فتاه ولكنهم فوجئوا بتكاليف الزواج والطلبات التى لن يستطيعوا تحقيقها اكاد اراهم ينظروا اليها وهى عائده من احدى رحلات شم النسيم... اكاد اراهم يحاوطونها احدهم مسك زراعيها والاخران كل منهم مسك قدم وبدأوا يجذبوها والرابع بدأ فى تقطيع ملابسها واستباح جسدها" يا سلام على الفيلم العربي الساذج! لأنه مكشوف عنه الحجاب تخيل أنهم أربعة، بس الحمد لله افتكر هنا وكتب "ربما" ثم تخيل طريقة الاغتصاب بالضبط على طراز الأفلام، ويشير عرضاً لأنهم شباب مساكين عجزوا عن الحلال، وأن الضحية السافرة الفاجرة هي التي أثارت غرائزهم فاغتصبوها، بدليل أنهم ولاد حلال ولم يسرقوا شنطتها ولا قرطها ولا ساعة يدها، وكل هذه التفاصيل لاحظها الأفندي وهو يتأمل الفتاة سايحة في دمها، ثم من باب التورية ، وللايحاء التمويهي بأنه ساخط على الدولة، يوجه لوم عام غير محدد لشخصية وهمية اسمها "حكمدار المنطقة" لأنه لم يقم بواجبه؟ حكمدار! انت عايش سنة كام يا ابني؟

عار على الدين يستلهم كلمات صلاح الدين
في مشهد درامي ساذج ، وبعد أن كان البوست المثير للفتنة قد أدى دوره ونشر الفتنة كما هو مطلوب وزيادة، وتم نسخه ومازال منشورا على عشرات المواقع، قام الفتى بمحوه من مدونته ونشر مكانه قولا هو "اكتشفت ان هناك مدونون مسيحيون ومسلمون ، ينتهزون الفرص، يبدلوا الحقائق ليثيروا الفتن، ربما بعضهم كان حسن النيه ولكن خانه التفكير، ربما اكون انا اخطأت من البدايه، اسف، لكنى لا اريد اثارة فتنه بسببى، الموضوع منتهى ومغلق للصالح العام، حتى لو سيهاجمنى الجميع فكل ما يهمنى الان الا تثار فتنه بسببى، فهل هناك اكثر من الاسف يمكن تقديمه ؟ ولا يزالوا لا يردوا على سؤالى ، هل هناك اكثر من الاسف؟ لكنهم يفرحون بأقامة المآتم، ويحبون اشعال الحرائق كعادتهم، ولكنكم تحرقون أغصان الزيتون" يا سلام، يكاد المريب يقول خذوني ، فيذكر الفتنة أولا ليوحي بها لمن لم يأخذ الموضوع كموضوع طائفي، ثم يعتذر في تورية مراوغة تذكرني بمراوغة كبير الخوارج الراحل في موضوع الجزية الشبيه بهذا ، ثم يعرض بالمسيحيين ثانية في جملته الأخيرة، ويستعير كلمات الناصر "صلاح الدين" ناسياً أنه لا يتحدث عن الصليبيين هنا، وأن الفيلم الذي استعار كلمة منه كان مخرجه مسيحيا ، في زمن جميل لا يعرف عنه شيئا، كان شعار الوطنيون فيه "مصريون قبل الأديان، مصريون بعد الأديان، مصريون إلى آخر الزمان" رحم الله الزمن الجميل

المؤامرة الإلكترونية ... نفس اللعبة القديمة
كتب الكثيرون في الموضوع ، وفطن العديد منهم لما في القصة من تهالك يدل على بطلانها، والبعض كتب باحترام ، والآخرون دبجوا السباب أرطالاً، وتطور الموضوع بكل أسف لسب الدينين الذين يكونان معا نسيج هذا الوطن المبتلى بنا، أدعياء المسيحية لم يكتفوا بسب كاتب المقال فالتمسوا له العذر لأنه مسلم ومش غلطته، وكالوا التطاول على الإسلام، وتحمس أدعياء الإسلام وتطاولوا على المسيحية، ولم يخل الأمر من بعض العاقلين ممن ضاعت أصواتهم وصت الغثاء والصراخ، لكن أحدا لم يطرح سيناريو أراه محتملا بدرجة كبيرة، سيناريو فرضه على عقلي السؤال التقليدي جداً في كل جريمة، من هو صاحب المصلحة؟ شاب يبدو أنه محسوب على التيار الذي يدعي الإنتساب للإسلام، يكتب مقال واضح فيه جدا نية الاستفزاز وتحويل الموضوع لفتنة طائفية، فلماذا؟ ولماذا الآن؟

المؤامرة الإنجليزية
العاقل من يقرأ التاريخ ليفطن للحاضر والمستقبل ، هي لعبة قديمة كان أول من لعب بها وابتكرها الانجليز ، فنحن شعب شديد التدين بشقيه المسلم و المسيحي، و قليل الوعي بكل أسف في فئاته التي تشكل ثقلا عدديا، و هذه تركيبة مثالية للفتنة، تدين +جهل = تعصب و فتنة تنتظر من يشعلها، فلما زاد المد الوطني بوجود الوفد المصري في باريس، بث الانجليز بذور فتنة واستجاب الغوغاء، لكن الأزهر والكنيسة قاما بدورهما الوطني، ثم كلف الانجليز "يوسف باشا وهبة" بتشكيل وزارة والتفاوض مع لجنة "ملنر" التي قاطعها "سعد زغلول" والوفد المصري، وكان الهدف المخطط له من تعيين "وهبة" باشا كما كشفت وثائق المخابرات البريطانية بعد ذلك، أن يقتله أحد الشباب الفدائيين وقتها، وغالبا سيكون مسلما، عندها تشتعل الفتنة، لكن شابا مصريا مسيحيا بمفرده فطن إلى اللعبة القذرة، هو طالب الطب "عريان سعد" الذي خشي أن يسبقه فدائي مسلم لقتل رئيس الوزراء المتعاون مع المستعمر، فقام بها هو، فباء سعي الانجليز بالفشل ، لنذكر ... كان الهدف هو التفريق بين أبناء الوطن لفض حالة الزخم الوطني

المؤامرة الساداتية
من الانجليز تعلم السادات اللعبة، وحين كانت مصر تموج بحالة الرفض له ولنظامه ولتوجهاته الاقتصادية والسياسية، وحتى يجد الذريعة لقهر هذا الزخم الوطني بعصا بوليسية غليظة، رتب وزير داخليته آنذاك مع الجماعات المتأسلمة، تلك التي أخرجها من السجون ومولها وسلحها للقضاء على الاتجاهات الوطنية اليسارية، عملية قذرة من عمليات الفتنة الطائفية في يونيو 1981، وكان التواطؤ الحكومي بينا جليا، حيث تأخر تدخل الداخلية لمدة خمسة أيام قتل فيها القمص "مكسيموس جرجس" ذبحاً، وأحرقت بيوت 20 أسرة مسيحية فضلا عن حالات عديدة من الاصابات ونهب محلات وصيدليات، وبعدها، بدأ السادات تحت مسمى الوحدة الوطنية والحفاظ عليها في اعتقال كل الناشطين المصريين فيما عرف بأحداث سبتمبر 1981، والتي سبقت اغتياله على يد عنصر من عناصر الجب الذي فتحه بيده، كان الشكل فتنة أيضا، والهدف تصفية حركة وطنية
المؤامرة الالكترونية
بعد الأمل الذي زرعه "عصفور النار" الجميل، فتاة مصر الأجمل والأكمل "إسراء عبد الفتاح" ، تنبهت الحكومة ووزارة الداخلية لوجود ثغرة في منظومة القهر، هي الثغرة الالكترونية، ووجود فئة اجتماعية هي فئة طلاب الجامعات من الأسر المستورة وموظفو القطاع الخاص من الشباب ورجال منتصف العمر، هي فئة غير مطحونة اقتصاديا بما يكفي لالهائها عن الشأن العام، ولا ثرية بما يكفي للانعزال عن هموم وأحوال الوطن، فئة أغلبها من المثقفين وأنصاف المثقفين، ممن لم تأكل عقولهم برامج هالة سرحان مع النسوان ولا مشايخ كوكتيلات البول واللبن، ولابد أن الدولة تعاملت مع هذا الموقف لسد هذه الثغرات في منظومة القهر واللهو، ولابد أنه كانت هناك تحركات، ومنها لاحظنا التالي
  • بعد السادس من أبريل مباشرة، ولدت مدونات جديدة على الفيسبوك، كلها تفوح منها رائحة نتنة ، رائحة الدفاع الغير شريف ، والغير مبرر، والغير وطني، عن منظومة الفساد، وحققوا نجاحات ولا ريب، فرأيتهم يقنعون البعض ممن أحترم عقولهم، بان العصيان المدني والاضراب السلمي مواقف همجية ، وأننا غير مؤهلين لهذه الأعمال، فمن الأفضل نحط جزمة في بقنا ونسكت
  • وجهت زيادات الأسعار الأخيرة بشكل أكبر لضرب هذه الفئة الاجتماعية وتصعيب حياتها، تحت مسمى التكافل الاجتماعي، و ناخد من الغني علشان نقدر ندعم الفقير، وهو كلام جميل، لكنهم يأخذون من الغني والفقير والبين بين ولا أحد يدعم، أسعار البنزين والسجائر وقانون الضرائب العقارية تستهدف بشكل أساسي الطبقة الوسطى، وان اضرت بكل الطبقات بالطبع بنسب متفاوتة
  • فيضان من الدعوات لمجموعات ومباديء عجيبة على الفيس بوك، بشكل أكبر بكثير مما كان قبل السادس من أبريل
  • والآن هذه القصة الفارغة التي توجه أقلامنا لصدور بعضنا البعض، بدلا من توجيهها لصدر الفساد في الدولة
ألا تشمون معي رائحة المؤامرة؟ في البداية ولأول وهلة ظننت أنه طالب من طلاب الشهرة بأي ثمن، لكن كلامه أسوأ وأكثر سذاجة من أن يكتب لطلب الشهرة ، فهي شهرة لن تجلب له من أي عاقل غير اللعن والسب، فلماذا؟ لماذا يتعمد أحد المحسوبين على التيار المتأسلم الاساءة للدين بهذه الصورة الفجة؟ لماذا؟

28.5.08

تهافت التهافت-02

الوعظ و الفكر الديني

بعد أن أفضنا في بيان تهافت الإطار المعرفي الذي يقدم به الفضائيون الجدد مضمونهم الفكري، نأتي على بيان تهافت هذا المضمون ذاته، ليس تهافتا فكريا و حسب، بل و تهافت شرعي، مخالف للدين القيم و منهجه المستقيم، و لأن موضوع حبس العلم الديني و قصر الاجتهاد على المحترفين ، كان بدايتنا، نقوم هنا بتفنيده و بيان تهافت دعواه، كمثل واضح على تداعيهم الفكري و المعرفي ، و لأنهم يعلمون ألا دليل شرعي من الكتاب أو السنة النبوية، يدعم دعواهم بقصر الفكر الديني على من يسمونهم المتخصصين و أسميهم المرتزقين، تراهم يتحككون بالدليل العقلي، على غير عادتهم، فيقولون هذا عصر التخصص و التخصص الدقيق، جميل جدا، لدينا عليكم و على منطقكم المعوج الحجج الآتية

ليس فيهم متخصص يتحدث في تخصصه
لا يوجد علم اسمه علم الدين، حتى يتخصص فيه الواحد منهم، و لكن للدين علوما عدة، منها علوم القرآن العديدة، و علوم الحديث العديدة، و الفقه، و علم الكلام، و غيرها، و تحت كل علم من هذه العلوم تقع علوم فرعية، فهل منهم من يقتصر حديثه و فكره و اجتهاده على علم واحد من علوم الدين؟ اللهم لا، تجد الواحد منهم حاصلا على ماجستير أو دكتوراة أو على الأقل بكالوريوس في علم من العلوم الدينية، ثم تجده يبغبغ في كل هذه العلوم، و هذا ليس خطأ، و لكن نحن و هم فيه سواء، ليسوا من المتخصصين و لا نحن، و مهمة المتخصصين لا تقتصر على التفكر و التدبر، و الحوار و المناقشة، فهذا مضمارنا نحن و هم، اما الأكاديميون من أهل العلم الديني فمضمارهم البحث العلمي الجاد و المتكامل الأركان


تيسير الفكر الديني

الفكر الديني، بمعنى التفكر و التدبر بعد المطالعة و البحث، هو علم يسره الحق تبارك و تعالى ، و ذلك كما في قوله تعالى "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ" و هي آية تكررت في سورة القمر أربع مرات، و هذا التكرار للتأكيد، و ليس الذكر بالطبع أن نقرأ القرآن لا يغادر حلوقنا، و ليس الذكر تعديد أسماء الله على قرع الدفوف و هز الرؤوس، بل الذكر أن يقرأ القرآن بتفكر و تدبر، و تقرأ السنة قياسا بتفكر و تدبر، على أن للقرآن خصائصا ليست فيه غير، جعلها الله آليته التي حفظ بها الذكر، و هذه الخصائص هي ما يلي

- وحده القرآن كتب و روجع في حياة صاحب الرسالة
- وحده القرآن مازال مقروءا ليومنا هذا في لغته الأم التي نزل بها، بينما الآرامية و التي نزل بها العهد القديم و كتبت بها الأناجيل لا نجد نسخة منها الآن ، و أقدم نسخ التوراة الموجودة هي ترجمتها للعبرية، و أقدم نسخ الانجيل هي ترجمته لليونانية، و اللغة الأم دوما هي المرجعية، و لو قرأ أحدكم ترجمة معاني القرآن و قارنها بما يفهمه من لغة القرآن لوجد فيها اختلافا كثيرا يؤثر على المعنى تأثيرا جذريا
- نزل القرآن منجما ليكون مواكبا لحياة الناس و متفاعلا معها، و جعل الله فيه النسخ ، ليس لبداء تعالى الله عن هذا، و لكن ليضرب لنا المثل الأعلى في التفاعل مع المتغيرات و مراعاة مقتضى الحال

الفقه هو الإجازة و ليس التحريم
قال "مالك بن أنس" إمام أهل المدينة "الفقيه هو القادر على استنباط الإباحة بدليل شرعي، فالكل قادر على التحريم، و إنما الفقه في استنباط الإباحة" و هكذا كان مالكاً يحاول التيسير على الناس، و الإمام مالك بالمناسبة هو الذي جعل في مذهبه جواز العقد المشروط في الزواج، فتشترط الزوجة على زوجها عند العقد ما تراه ، كألا يتزوج عليها مثلا و لا يتخذ عليها سرية، أو ألا تغادر مدينتها، و ما إلى ذلك مما لا يحل حراماً، و قد هفلط بعض الفضائيين ممن ذكرنا قبلا عندما شرعت الحكومة المصرية العقد المشروط، فلم يعجبهم ذلك، لأنه مضاد لفلسفتهم الذكورية البدوية، و كذلك كان الإمام "محمد عبده" يقول "آتوني بما ينفع الناس ، آتيكم بدليله من الكتاب أو السنة" فجعل الصالح العام هو نبراسه الذي به يستدل على الحلال و الحرام، فالشارع الأعظم لن يشرع للناس شر و لن ينهاهم عن خير



عصر العلم و التخصص يقضي عليهم و ليس لهم
من هو القادر في يومنا هذا على استنباط ما ينفع الناس و ما يضرهم؟ هم علماء العلوم المعاصرة من الطب و الهندسة و الفلك و غيرها، و من القادر على تحديد توجهات المجتمع لماينفعه و لا يضره ؟ هم علماء الاقتصاد و الاجتماع و التاريخ و علوم الإدارة و غيرها، فالعلماء اليوم هم أجدر الناس بالفقه، يتممون به علومهم، حتى يعرفوا طريق الفلاح، ثم ينظروا في الشرع الإلهي ليبرهنوا للناس أن الشرع ان لم يشجع على هذا الخير، فهو لا ينهى عنه ، فهؤلاء العلماء هم من يحتاج الناس لعلومهم اليوم، اما المهطرشين بغير علم من أمثالهم، في أمور طبية كختان الإناث المزعوم، و الذي قاومه الإسلام في إطار عدم الاصطدام بالأعراف القبلية السائدة في حينه، فقال الرسول للخاتنة البدوية "اخفضي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج" فقد كانت تختن و أمرها الرسول بالتخفيف، و ليس العكس، فكان توجه الإسلام ضد و ليس مع الختان لو كانوا يفقهون، و اليوم قضي الأمر ، و قال الطب الحديث كلمته ، و هو ما لا يقدرون على وعيه و لا فهمه و لا حتى المطالعة فيه ، بأن ختان الإناث جريمة، فوجب عليهم الصمت عندما يتكلم العلماء الحقيقيون الذين يبحثون فيما ينفع الناس ، و ليس في بطون الكتب الصفراء عما يبلبل العوام لتحقيق الشهرة الرخيصة

العلم الإلهي ميسر، فضلا عن كونه فرض عين على كل مسلم، أما العلم الحديث فهو متشعب و غير ميسر بنفس الدرجة، لذلك كان الأولى بمحترفي العلم الحديث تتميم علومهم بالعلم الديني، يصلوا إلى ما ينفع الناس و لا يضرهم، بينما محترفي الكلام في الفضائيات عجزة قاصرون عن تحصيل علوم الدنيا، و المواءمة بينها و بين علوم الدين بالتبعية، لهذا لا نظن دورهم لو أراد الله بهذه الأمة خيرا، إلا منته عن قريب ، و إلا فستنته هذه الشعوب نفسها و تستقر بغياهب النسيان عما قريب

هل كان السلف يوجبون التخصص؟
اللهم لا، فكما كان الإمام أبو حنيف النعمان تاجرا، ينفع الناس بعلمه على غير احتراف، كان هؤلاء الكبار الرائعون كذلك ، غير متخصصين في الكلام مثل فضائيي اليوم، كانوا موظفين لهم أعمالهم في القضاء و الأوقاف و دار الإفتاء و التدريس و علوم اللغة و غيرها ، و كان دورهم بالنصح للمسلمين دورا تطوعيا لا يطلبون عليه الأجر من غير ربهم ، فبدعة "الصياعة" و تلقيط الرزق بالفضائيات مستحدثة في الزمن العليل هذا، و على الطريقة الأمريكية جدا

و الدليل الأكبر في عدم قول السلف بتخصص و لا برتب كهنوتية في الفتيا على طريقة "عمر عبد الكافي" هذا، أن "عمر بن الخطاب" و هو الخليفة الحاكم يومها، حين وقف على المنبر يحدد للناس منهجا في قيمة الصداق للمرأة عند زواجها، فعارضته إمرأة بشجاعة و جرأة بقولها "ليس ذلك لك يا عمر ؛ إن الله يقول " وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب " فهل قال لها "و يحك يا امرأة، هو كل واحد هيبقى عمر بن الخطاب و يتكلم في الدين و لا ايه؟" اللهم لا، بل تواضع فاروق الحق للحق، و قال "اللهمَّ غفراً، أصابت امرأة و أخطأ عمر" فمن أنت يا عبد الكافي لتتأبى على ما لم يأباه الفاروق عمر؟

الفتوى فرض عين
كل واحد منهم يرغي و يزبد في شؤون الناس و الحياة، ثم تراه يقول، انا لا أفتي!!! ألا كل من حدث الناس في شؤون الدين بما يؤثر على سلوكهم فقد أفتى، و عموما موضوع الفتوى بمعناها الموجود في المسيحية "الحصول على حل من الأب" ليس موجودا في الإسلام، فلكل مسلم أن يسأل و يستشير، لكنه في النهاية مكلف بالوصول لقراره بنفسه، لأنه وحده سيحاسب عليه، و الأدلة على ذلك لا حصر لها، فمنها قوله تعالى من سورة المدثر "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" و كذلك قوله تعالى في سورة الأنعام "وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" و كذلك قوله في سورة الإسراء "مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" فضلا عن تكرر نفس المعنى بسورة فاطر و سورة النجم، فلن ينفع أحدنا أن يقول قال فلان أو علان، و هذا ما أكده الحديث الواضح للرسول (ص) حين يقول "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتَوك" و برواية أخرى "يا وابصة استفت قلبك ؛ واستفت نفسك" فكيف يستفتي الرجل قلبه لو لم يكن متفقها في دينه قدر استطاعته؟ لقد أبطل الإسلام كل أشكال الوساطة الإلهية و وظيفة ظل الله في الأرض التي احترفها النصابون في كل زمان و في كل الأديان

27.5.08

تهافت التهافت-01

الوعظ و الفكر الديني
في تعليقها على بوست "لا" وجهت لي الصديقة "ميرو ديبو" عتاب أصدقاء حول تعليقي على الحظر الذي يحاوله وعاظ الفضاء على التفكير الديني و الاجتهاد ليكون قاصرا عليهم، و ضربت لهم مثلاً بالسيد "عمر عبد الكافي" الذي كان يقول في هذا "يعني كل واحد عاوز يبقى عمر عبد الكافي" ، و كان رأي الصديقة كما يلي "مهمة الحفاظ على الأصول الصحيحة للدين الآن صعبة وربما لأنه إختلط الحابل بالنابل أحيانا كثيرة، قد يدفع ذلك بعض الدعاة ممن ذكرتهم إلى إلتزام الجانب المتشدد نوعا ما والتضييق أحيانا على الإضافات الجديدة أو الفهم المختلف، تلك هى ماهية العلم ..إخنلاف الأراء والتناقش للوصول للحقيقة ، ولكن قد يخشى البعض من تلك الألية عندما يتعلق الأمر بالدين فيفضلون أن يقتصر الإسهام فيه على فئة محدودة ، لذا فلنلتمس لهم العذر لأن النية هى الحفاظ على أصول ثابتة للعقيدة" السؤال هو، هل يحافظون على أصول ثابتة للعقيدة أم أصول جارية في أيديهم؟ و قد رأيت أن الرد على التعليق يضيق مقامه باستيفاء حق الموضوع من البيان و التوضيح، لبيان موقفي الثابت من أفنديات الفضائيات هؤلاء، و دوافع هذا الموقف و قواعده ، حتى أوضح للصديقة العزيزة طبيعة ما صنعه الحداد بيني و بينهم
من هم؟
حتى لا أقع في خطأ التعميم، و بما أني أمر فقط من امام التليفزيون مر الكرام، فقد يكون هناك من دعاة الفضائيات و لو رجل رشيد واحد يظهر على الشاشة،و لا أعرفه أنا، فأسيء إليه بالتعميم هنا، لهذا سأحدد هنا من أشير إليهم بوعاظ الفضائيات، ممن يسمون أنفسهم بالدعاة ، و بداية، أؤكد أن قولي هنا لا يندرج أبدا على الكبار من النجوم الزهر من علمائنا الأجلاء، أمثال محمد عبده، محمد رشيد رضا، محمد الغزالي، خالد محمد خالد، محمود شلتوت، مصطفى عبد الرازق، و المراغي و غيرهم من النجوم الزهر، رحمة الله عليهم أجمعين و رحمة الله لنا لأنهم لم يخلفوا بعدهم جيلا يشبههم ، أما من أعني هنا، فهم من أعرف من وعاظ الفضائيات من البكائين أمثال عمرو خالد (مع احترامي لنشاطه الاجتماعي و تحفظي على ربط هذا النشاط بصبغة دينية) ، عمر عبد الكافي، حسين يعقوب، خالد الجندي، محمد حسان، وجدي غنيم ، و عبد المجيد الزنداني، و من كان على منهج أحدهم

ما هي إضافاتهم للفكر الديني؟
عنوان البوست لمن لا يعلم هو عنوان الكتاب الذي رد به قاضي قرطبة، أبو الوليد "محمد بن رشد"، صاحب اليد البيضاء على حضارة البشرية جمعاء، على كتاب المتفيهق الأشعري "أبو حامد الغزالي" الذي سماه "تهافت الفلاسفة" و اسم الكتاب وحده كما نرى يبين التهافت الفكري لصاحبه، فما من عاقل يؤلف كتابا و يسميه "تهافت الحكماء" و لكن من أين لهذا الأشعري علم بان الفلسفة في اليونانية هي الحكمة في العربية؟ و التي قال عنها تعالى " يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" البقرة:269، فالله تعالى يقصر ذكر الله الحقيقي على الحكماء من عباده، المالكين لزمام عقولهم، و أبو حامد الغزالي يقول بتهافتهم، فصدق الله و كذب المتفيهقون

و أول ما يهون من شأن هذه الطغمة التي عددنا أسماءها عندي، هي تهافتهم الفكري اللا-متناهي ، و ليذكرني من أراد لو كنت ناسياً، ماذا أضافت هذه الطغمة من وعاظ الفضائيات للفكر الديني؟ ما هي أطروحاتهم الجديدة في فهم الدين؟ ما هو تراثهم الفكري الذي سيتركونه حين يهبطون للقبور ، من علم ينتفع به الناس؟ و أقصد هنا بالعلم ما هو علم أصيل و فكر مبتكر، و ليس نقل و قص و لصق الكتيبات و شرائط الكاسيت من كتب التراث ، تلك التي تجاوزها الزمن هي ذاتها، و تحتاج أشد الإحتياج إلى الفرز و التنقيح، لقد أنتجوا أكواما من الشرائط و الاسطوانات و الكتيبات و أوراق الصحف و المجلات، و لعمر الحق لم يقل أحدهم شيئا، أي شيء، و أشهد الله على نفسي ما سمعت من أحدهم قط كلمة واحدة أضافت لما أعرف مثقال ذرة في الدين أو الدنيا

و كيف سيأتي مرتزقة الفضائيات بالجديد؟ و هم لا يملكون مقوماته، فليس لديهم أولاً القدرة النقدية الكافية لمواجهة الإشكاليات الفكرية و الخروج منها باستنباط منطقي، و ليس لديهم الحافز ثانيا، لأن جمهورهم من العوام و أنصاف المثقفين و المتعلمين ، ممن لا يهمهم الفكر الجديد قدر ما يهمهم "حصة التسالي الدينية" تماما كالمسلسل العربي أو كبرنامج "هالة شو" ، كلمتين من السيرة النبوية، و حتتين من الوجد الصوفي، و بيتين شعر ، و اسقاطين على أوضاعنا الحالية، يتخللهم شوية هزار و ضحك، و خلصت الحلقة، و نشوفكم المرة الجاية على خير، و أخيراُ، السادة ليس لديهم الوقت الكافي للبحث و إعمال العقل، فهم حائرون طائرون ما بين مصر و الأردن و الخليج و المغرب ، حسب " الأبيج" ، و حسب معدلات المشاهدة للقنوات
ماذا أضافوا لنا؟
ما هي انجازاتهم؟ ما الذي تغير للأفضل بوجودهم في المجتمع؟ هم مشايخ الزمن العليل، و هم ككل إفرازاته ، في أحسن أحوالهم بلا معنى، بلا هدف، و بلا مبدأ و لا ثوابت، و في أسوأ أحوالهم سم زعاف، و مقدمات لضلال القلوب و العقول و اضمحلال القيم، لصالح قيم النفط التي هجمت ككلب علينا من وراء البحر الأحمر، فلننظر لأحوالنا، فتيات يذهبن لدرس رقصة الصالصا يوم الأحد و درس "عمرو" و لا "خالد" و لا "تامر" يوم الثلاثاء؟ هل هذه صحوة دينية؟ موظف يرتشي و بعد أن يتفق على مبلغ العمولة يقوم ليصلي هو و الراشي و الرائش جماعة؟ هل هذه صحوة دينية؟ مشاهدة السينما زنا بالعين، و الخادمة الفلبينية ملك يمين، يجوز مواقعتها طوعا أو كرها؟ فهل هذه صحوة دينية؟ المرأة كلها على بعضها بصوتها بعيشتها "باللي خلفوها" عورة؟ و المسلم لا يجوز لك خصامه و لو كان به العبر، و المسيحي لا تجوز لك صداقته و لو كان عالما؟ هل هذه صحوة دينية؟ الرسول أجاز للرجل أن يجامل زوجته بمدح حسنها و لو لم يرها جميلة، حرصا على مشاعرها، لذلك يجوز الزواج على الزوجة في السر، و يجوز دفع الضرر الأكبر و هو الوقوع في المعصية بالضرر الأصغر و هو الكذب و الخديعة ، شوف فساد القياس و خراب الذمم، فهل هذه صحوة دينية؟ ارتفاع كبير في مبيعات الحجاب و الخمار و الإسدال و المعصم و النقاب، و ارتفاع أكبر في معدلات الإجهاض و الترقيع و حبوب منع الحمل، فهل هذه صحوة دينية؟ الكل يعرف الثعبان الأقرع و عذاب القبر و يأجوج و مأجوج، و تحاشيش الإعجاز العلمي، و لا أحد يعرف علوم القرآن و علم المتون، و الاستدلال و الاستنباط و القياس، فهل هذه صحوة دينية؟ أقرنا اسم نبينا صلوات الله عليه بالإرهاب و سفك الدماء حينا، و بشرب كوكتيل البول مع اللبن المخفوق حينا، و برضاعة الكبار حينا، ثم تعجبنا حين نظر لنا العالم باحتقار، و قلنا مؤامرة ضدنا، نعم هناك مؤامرة، و لكننا أول الضالعين فيها، و أيادينا فيها سبقت كل الأيادي، فتبت أيادينا ، هل هذه هي الصحوة الدينية التي عنها يتحدثون؟

اللهم لو كانت هذه هي الصحوة الدينية، فاجعلني للنائمين إماما، اللهم لو كانت هذه هي الصحوة الدينية فباعد بيني و بينها بعد المشرق و المغرب ، فما هي إلا الردة ، الردة هي أن يرتد الإنسان من الذي هو خير إلى الذي هو أدنى، و هذا هو ما اقترفه مجتمعنا بداية من حكم "ابن ست البرين" و عهد الشيطان الذي عقده مع الأمريكان و "فيصل بن آل نحوس" في الكونغو، بحضور مرشد عام الإخوان "عمر التلمساني" ، فاكرين لما كان بيقول للسادات "أشكوك لله يا سيادة الرئيس" فياخد سي "أنور" البوز المتين و تغرب عينيه في خشوع و هو يقول "ارفع عني شكواك يا عمر، فانا رجل يخاف الله يا عمر" انها سليمة ... سليمة ...، ما علينا، بهذا الاجتماع الذي دام قرابة الأسبوع، وضعت خطة الردة التي يسمونها صحوة دينية ، و كان الإعلام كما خططوا من ضمن الخطة، و كان عقد الصلات بين مؤسسات التهافت السعودية و العناصر الواعدة من الوعاظ الجدد ، في مصر ذات الزخم البشري مخططا، و هؤلاء هم النتيجة ، علموا بذلك أم لم يعلموا، انهم مطية الأمريكان و أذنابهم لزيادة تسارع التدهور بالمنطقة، لتقع كثمرة نضجت بحجر أمريكا، و هذه هي النتيجة، فكما يقول مظفر النواب
قتلتنا الردة يا مولاي ، قتلتنا الردة
إن الواحد منا ليحمل في الداخل ضده

الظاهرة الصوتية البصرية و فساد الشكل
كل فكر أو ثقافة، دينية كانت أو غير دينية، عندما تقدم للجمهور، تعتمد على شقين، المضمون، و هو المحتوى الفكري لهذه الثقافة، و الشكل الذي من خلاله يقدم هذا المضمون و يصاغ، و حتى نأخذ فاصلا من الكوميديا السوداء، اخترت أن نبدأ بالشكل، لأنه الشكل الذي يقدمون به أفكارهم لعمر الحق يموج بالنوادر و المفارقات التي تطلق الضحكات

مشايخ النيو-لوك
فلننظر لأبسط الأمور، و هو سمت هؤلاء و أزيائهم، ليس لدي أدنى اعتراض على أن يكون الفقيه في الدين مرتديا أي زي يحب، لكن جرت العادة في دعاة الحقيقة، أنهم و لو حرصوا على جمال المظهر و نظافته، لا يحرصون كثيرا على التغيير من حين إلى حين، فهذه صنعة الراقصات ، يغيرن البدلة بين رقصة و رقصة، و صنعة التوافه من الفنانين و الفنانات، و ليس الكبار منهم ، و حرص هؤلاء، و أكثرهم في هذا هو "خالد الجندي" على تنويع الشكل و تغيير الجلد دليل على طبيعتهم كظاهرة إعلامية لا أكثر و لا أقل ، أما العلماء الحقيقيون و الغير-إعلاميين، مثل الغزالي و الشعراوي و محمد عبده، فلو استعدت صورتهم ستجد لكل منهم سمت محدد و شكل اختاره لنفسه ليعبر عن ذاته بأفضل تعبير، اما هؤلاء الجدد ، فلا ذات ثابتة لهم حتى يثبت السمت تبعا لها، و لكنهم يقدمون ما يطلبه المستمعون ، هل يذكر أحدكم صورة لأحد المشايخ الكبار و هو يؤدي فريضة الحج مثلا؟ لقد حجوا جميعا، و لهم جميعا صور، و لكنهم لم يحرصوا على نشرها لأنهم لم يكونوا ظاهرة إعلامية
البكاءون
هل روي عن سيد الخلق أنه بكى جهراً في غير الموقف الجليل الذي فاضت به عيناه و هو يدفن وحيده الذي رزق به في الكبر "إبراهيم"؟ اللهم لا أعلم ببكاء له صلوات الله عليه غير هذا، و لو نظرنا لحديثه لرأيناه يجعل العتق من النار لرجل "ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" فهذا هو الخشوع الحق و التقوى الحقة، و عندما غلبته العبرة و هو يسمع ابن مسعود يقرأ سورة النساء و فيها آية "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" اغرورقت عيناه، فطلب من ابن مسعود أن يكف عن القراءة و كفكف دمعه، أما حديثهم في التباكي بالقرآن ففيه ضعف من الإسناد و عور من المتن، لأن التباكي تصنع للتقوى الا أن يكون الرجل خالياً في قيام أو غيره

فما بال أصحاب الكهانة اليوم يبكون في كل برنامج و على يدي كل مذيع؟ ترى هذا المذيع "الملزق" مع السيد "عمر عبد الكافي" يقول له "ايه ده... انت بتبكي يا مولانا ... إهيء إهيء" ما تسترجل يا بني؟ و ترى الرقيق الرشيق الأمور "عمرو خالد" يتباكى لمدة ثلاثين يوما في رمضان أمام الكاميرا و العمال و الضيوف، و ليس خالياً، و ترى "حسين يعقوب" يقف على نموذج للكعبة و يبكي و يطلب من المشاهدين أن يتباكوا!! و كأنه لا يعلم أن بداية الوثنية بعد نبي الله إسماعيل كانت نماذجا للكعبة ثم تطورت الي أوثان، فموضوع الكعبة التيك أواي ده رقية وثنية بحد ذاته

المؤثرات المسرحية
هل تذكرون رصانة الشيخ "محمد الغزالي" رحمه الله في حديثه؟ هل تذكرون توازن "خالد محمد خالد" و هدوءه الواثق؟ أين هذه الطغمة المسرحية التي بدأت في سبعينيات النحس بالشيخ "عبد الحميد كشك" من هؤلاء؟ أين الكريشندو و الدي كريشندو، و تحريك الأذرع و السباحة في الهواء، و مط الشفاه و البحلقة بالعيون من هؤلاء الرائعين؟ إنهم مسرحيون يا سادة و ليسوا دعاة حقيقة، و ليس فيهم رجل يتحدث بسلاسة و على طبيعته و سجيته الطلقة