30.11.10

مبارك يعظ

لو تركنا جانبا النصيحة التي أسداها مبارك لبوش الابن، و"صيح" بها الأخير في الصحافة العالمية بالأمس القريب، وطالعنا ما نشرته التايمز اليوم مساء على موقعها الاكتروني هنا
http://www.timeslive.co.za/world/article791399.ece/Mubarak-told-US-to-allow-dictator-in-Iraq

 نقلا عن موقع ويكيليكس الذي نشر وثائق أمريكية سرية حول حرب العراق في يوم 22 أكتوبر الماضي، سنجد عدة معلومات ذات دلالة، كان ما يلي أهم ما جاء في تصريحات مبارك التي نقلها للإدارة الأمريكية السيناتور جون كيري بعد زيارته  الرسمية للقاهرة في مايو 2008م
  • على الولايات المتحدة أن تغض النظر عن موضوع الديمقراطية في العراق وتسمح لديكتاتور جديد أن يحل محل صدام، فالعراقيون بطبيعتهم خشنين جدا ويحتاجون ديكتاتورا.. ونعلق على نصيحته الثمينة فنقول لمن يرجون دعم الولايات المتحدة لحراك التغيير: يا سادة دولة تسمح بخطاب سياسي بهذه الميكيافلية لن يكون انحيازها لغير مصالحها، ومصالحها قطعا ليست مع التغيير
  • لا يمكنكم الخروج الآن من العراق، ومن المناطق الشيعية تحديدا فيه، لأن هذا يدعم إيران بصورة كبيرة، لذلك على القوات الأمريكية أن تبقى بأي ثمن .. هكذا طلب رئيس "أكبر دولة عربية" من القوات الأمريكية أن تحافظ على احتلالها للتراب العراقي مهما كان الثمن، وبعد ذلك يتهمون المعارضة بالاستقواء بالخارج؟
  • نحن منزعجون جدا من فكرة إيران نووية، لو نجحت إيران سيتعين على مصر أن تبدأ فورا في برنامجها النووي .. هكذا؟ كأن إسرائيل لا تملك 450 رأس ننوي جاهزة للإطلاق من البر والبحر بمنظومة باليستية يصل مداها لسواحل الأطلسي في المغرب، وكأن إيران عدوة وإسرائيل هي الصديقة التي لا يزعجنا سلاحها، وبعد ذلك نعجب من النغمة المعادية للشيعة على المنابر التابعة لوزارة الأوقاف
  • عليكم أن تفعلوا بإيران كما فعلتم بليبيا تماما، بفرض حصار اقتصادي خانق عليها حتى توقف برنامجها، ويضيف عمر سليمان في لقاء السيناتور كيري معه: على الولايات المتحدة أن تشدد الحصار الاقتصادي حتى ينشغل نجاد بمطالب رجل الشارع عن أي مناورات سياسية، وبعد هذا يتهمون المعارضة باستعداء الخارج؟
هذه يا سادة هي لغة الحوار بين الولايات المتحدة وحكومات ما تسميه بالدول الصديقة

23.11.10

الآخرون

لا .. ليس ترجمة لاسم فيلم الإثارة الأمريكي الشهير، ولكني أعني بالآخرون هنا كل طائفة أو جماعة بشرية مخالفة لتلك التي ننتمي إليها ولهذا نسميها عادة اسما غير ما يطلقه أبناء هذه الجماعة أو الطائفة عليها، تماما كما فعل البشر دائما في كل زمان ومكان، ولنوضح أكثر، نحن مصريون، فهل من الطبيعي أن يأت أجنبي فيطلق على مصر اسم "السودان الشمالية" ومن ثم يسمينا سودانيين شماليين؟ ليس هذا منطقيا طبعا فيما يخص الوطن، لكن هذا ما تفعله كل طائفة عادة مع الطوائف المغايرة لها
  • البروتستانت: وهو اسم يطلقه الكاثوليك والأرثوذكس على المذاهب والكنائس الغير أصولية (غير كاثوليكية أو أرثوذكسية)، بينما الاسم الذي يطلقه معتنقو تلك المذاهب على أنفسهم هو الإنجيليون، بداية من تأسيس "مارتن لوثر" للكنيسة الإنجيلية الألمانية، لتأسيس كنيسة بريطانيا الإنجيلية ونهاية بالكالفينية، والإنجيليون هو الاسم الأدق لأنه يعبر عن اعتماد المذهب على الأصول الإنجيلية للعقيدة بعيدا عن الفكر الديني لبولس الرسول والقديس "بطرس"، لكن يبدو أن الكاثوليك فضلوا اسم البروتستانت، المشتق من لفظة المعترضين أو المعارضين اللاتينية، ففيه وصف ضمني لتلك المذاهب بأنها انشقاق مستحدث عن الكاثوليكية، فيكون بمثابة التشكيك الضمني في أصالتها
  • النواصب: هو الاسم الذي يطلقه متطرفو الشيعة على الطائفة التي تطلق على نفسها اسم أهل السنة والجماعة، وذلك لادعائهم أن هؤلاء ناصبوا آل البيت العداء، وهذا غير صحيح لأن المسلمين السنة اليوم ليسوا امتدادا لمعسكر معاوية ويزيد بحال من الأحوال، بل منهم من لا يعترف بشرعية حكم الأمويين
  • الروافض: هو الاسم الذي يطلقه متطرفو السنة بدورهم على كافة المذاهب التي تسمي نفسها شيعية، نسبة لشيعة علي، وسبب الاسم هو ادعاء أن الشيعة هم من "رفض" الانضواء تحت لواء الجماعة في عام الجماعة، وهذا بدوره ليس صحيحا، لأن عام الجماعة أو ما سمي تاريخيا بهذا الاسم وهم كبير
  • الخوارج: هو الاسم الذي أطلق على الخارجين عن إمرة الإمام علي بعد موقعة الجمل والتحكيم، بينما تعود المنتمون للمذهب أن يسموا أنفسهم جماعة المؤمنين، وكأنهم وحدهم كذلك، أو الشراة، الذين اشتروا الآخرة بالدنيا، ونسبوا كذلك لكبرائهم فعرفت منهم جماعات هي الأزارقة والصفرية، ومنهم اليوم فرقة الإباضية
  • المعتزلة: جماعة فكرية امتازت بفكر وفلسفة مميزة وإن لم تمثل طائفة دينية مستقلة، سماهم خصومهم من الأشاعرة خاصة باسم المعتزلة لاعتزالهم مجلس العلم في حلقة الحسن البصري، بينما يسمون هم أنفسهم أهل العدل والتوحيد
  • الدروز: وهم طائفة مستقلة يخلط البعض بينهم وبين الطوائف الشيعية، ويسميهم خصومهم الدروز نسبة لنشتكين الدرزي، بينما يسمون هم أنفسهم الموحدين أو أهل الجبل الموحدين
  • الصابئة: أحد الأديان الموجودة في مناطق محدودة من العالم أهمها العراق، وهم غير الصابئة المذكورين في القرآن الكريم، وهذا هو الاسم الذي يسميهم به خصومهم بينما يسمون هم أنفسهم المندائيين
  • الأقباط: جمع قبطي، ومعناها مصري (هيكوبتاح في المصرية القديمة بمعنى أفق بتاح، تطورت إلى هيكوبتاس في العصر الروماني، ثم كوبتاس، والتي صحفت بالعربية إلى قبطي) ويطلقها المسلمون المصريون على المسيحيين المصريين خطأ، فمسمى الأقباط الأرثوذكس معناه الأرثوذكس المصريين مثل السوريان الأرثوذكس والروم الأرثوذكس
  • السلفيون: وهو الاسم الذي تطلقه الجماعات الأصولية على نفسها، بادعاء تقليد السلف الصالح، وهو غير صحيح لأن كل طائفة تظن نفسها مقلدة للسلف، والأدق تسميتهم بالوهابيين نسبة للمؤسس المعاصر، أو التيميين نسبة لابن تيمية، ولو أردنا ردهم لما قبل ابن تيمية يمكن تسميتهم بالحنابلة وان كان هذا غير دقيق لأنه ليس كل الحنابلة تيميون

14.11.10

ليلة العيد


كان صوت كوكب الشرق يعني لكل منا في ذلك الزمن العيد ذاته وهي تقول: يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا يا ليلة العيد، اليوم أسمع الكل يتساءل كل عام دونما ملل أو كلل: أين ذهبت بهجة العيد؟ لماذا صار بلا طعم؟ والإجابة واضحة في وجدان كل منا، لكننا في الغالب لا نريد أن نراها حقا، تعالوا نتذكر سويا ملامح ومسببات البهجة في العيد أيام زمان
  • كانت للعيد بهجة لأن الملابس الجديدة لم تكن أمرا متكررا على مدار العام، ولأن العيدين ودخول المدارس كانت مواسما حصرية للبس الجديد من الثياب، اليوم صار الجديد متاحا دائما، والقضية الهامة هي: هل سيسمح كريم لماما أن تشاركه اختيار ملابسه أن سينفرد بالقرار؟ هل سيصر على الوسط المنخفض للجينز ولا هيحترم نفسه؟
  • كانت للعيد بهجة لأن وفرة العيدية النقدية كانت حدثا لو قارناها بالمصروف اليومي الهزيل، وبالتالي كانت أنواع أغلى من الحلوى واللعب الصغيرة تدخل في نطاق القدرة الشرائية للصغار، فيصبح لوح الشيكولاتا الكورونا ذو البقرة الحلوب على غلافه الأزرق ممكنا، مقابل ذلك اللوح الصغير ذو الغلاف الأحمر في الأيام العادية، وكانت زجاجات االسيكو والسينالكو (ثم الكوكاكولا لاحقا) متاحة في الثلاجة مقابل عصير الليمون في الأيام العادية، كذلك كان شريط اللبان الكور متعدد الألوان بصوره الجذابة متاحا، والأهم من هذا كله المسدس ذو شريط الطلقات "الحبش" إياه لو كنتم تذكروه، اليوم صارت أغلى ألواح الشوكولاتة السويسرية في مقصف المدرسة، والبلاي ستيشن يخلي مكانه لثورة الوي
  • كانت للعيد بهجة لأن كل بيت كان يتخذ زينته - خاصة غرفة الصالون - انتظارا لاستقبال الضيوف الذين لا ينقطعون خلال أيام العيد، والذين يبدأون في التوافد فور العودة من زيارة بيت الجد مساء اليوم الأول، اليوم ومع نظام الريسيبشن المفتوح الغير مناسب لعاداتنا لم تعد الاستضافة في البيت ولكن على المقهى، فضاعت بهجة الضيوف وقهقهة الرجال ونجوى النساء
  • كانت للعيد بهجة لأن التليفزيون على غير العادة كان يذيع أكثر من فيلم عربي كل يوم من أيام العيد الأربعة، صباحا ومساء، ومسرحية في السهرة، في انفتاح درامي غير معهود، اليوم صارت قنوات الدراما خارج المنافسة والمزايدة في كل أيام العام
  • كان السهر ليلة العيد حدثا خارقا للعادة تسمح به الأسرة يومها فقط، اليوم صار السهر أسلوب حياة في الريف والحضر
  • كان إعداد السيارة فيات 124 الحمراء للإبحار .. أعني للسفر والتأكد من المياه والزيوت والإطارات، وتربيط العفشة، وترصيص العجل، وتزييت المشاحم، وتنظيف الرادياتير يستغرق ربع يوم الوقفة استعدادا لمشوار الإسكندرية مرة والقرية مرات عديدة، اليوم السيارات لا تحتاج كثيرا من الإعداد، لكننا في الغالب لا نسافر
لقد فقدنا مباهج العيد البسيطة لأننا حاولنا تحويل كل أيام العام لعيد من خلال وفرة الاستهلاك (للقادرين عليه طبعا) فكانت النتيجة أننا فقدنا بهجة العيد ولم تصبح الأيام العادية أكثر بهجة، ربما كان أفضل دليل على هذا أن البسطاء رغم معاناتهم مازالوا يشعرون ببهجة العيد اليوم

مربعات ابن عروس

video

9.11.10

الشِدَّة المباركية


جاء في تاريخ الجبرتي ذكر للشدة المباركية، تلك التي حدثت على عهد الخليفة "المبارك بإذن الله"، حين عم الغلاء في البلاد، وشح الزاد وضج العباد، وكان مما جاء في أمرها

حتى كان عام التلبيس السابق على عام التوريث، فعز في بر مصر الطيب وراج فيها الخبيث ، إذ أقصى الخليفة عن ديوانه الحكماء، واستوزر الطواشية والإماء، فكان أن عم البلاد الغلاء، واختفت السلع من سيتي سنتر وسبينيز وكافة الهيبرات، حتى وقف الناس صفوفا وصلت بين كارفور المعادي وكارفور العبور وعدها العارفون بالمئات، واختفت الجالاكسي والليندت من الأسواق حتى أكل العيال الكورونا والبيمبو والدوم وبلح الأمهات، وشحت الأرزاق فعجز الناس عن دفع اشتراك الأوربيت والإيه آر تي وكافة القنوات وتكالبوا على المقاهي لمتابعة الماتشات والمسلسلات، وعم الغلاء حتى صار رغيف الفينواز من مترو بثلاثة جنيهات، وشح عصير الأناناس والفواكه الاستوائية والبينا كولادا حتى عاد الناس لشرب عصير القصب والجوافة، أما الدخان فقد ندر حتى لم يجد المدخنون غير الدانهيل والكنت حين شحت المارلبورو الأبيض والميكس. وخلت ماكينات النقود حتى عاد الناس يقفون على شباك الصرف في البنوك كأنهم في بنك مصر أو البنك الأهلي في سالف الزمان. أما الموبايلات فقد ضعفت الشبكات واضطربت التغطية اضطرابا شديدا، حتى صار دعاء الناس: يا مقلب الأحوال ثبت لنا البث والإرسال، وتعاقبت الأزمات فكثرت الميسدات وقلت المكالمات، وزاد البلاء بالمرض والوباء، فوهن عصب الرجال ولم تجد معهم زرقاء ولا صفراء، وخطف الأرذال الأطفال والأحداث وقتلوهم وباعوا أعضاءهم للأثرياء والوجهاء، والتهبت الأكباد وفشلت الكليات، فضجت بمرضاها المشافي والبيمارستانات، وخرج الناس من الدور للشوارع والأندية وكافة الآوت-دور، داعين الحنان المنان أن ينجيهم من تلك الشرور، ويهدي الخليفة لما فيه صلاح الأمور، فمهما زادت الشرور وكثرت على الأمة عظائم الأمور، تبقى طاعة ولي الأمر واجبة على العبد المأمور

6.11.10

الانتخابات وفن الممكن


منذ سنوات بعيدة سمعت من الأستاذ خالد محيي الدين عبارة حكيمة قال فيها "مشكلة المثقفين في مصر إنهم مثاليين زيادة ومش مرنين بما يكفي، علشان كدة مش عارفين يحققوا الديمقراطية" تذكرت عبارته تلك الآن وأنا أستعد لتناول موضوع انتخابات مجلس الشعب واختلاط نداء المشاركة بنداء المقاطعة، مع احترامي لمصادر الندائين وثقتي في سلامة النوايا على الجانبين، حيث رأيت في الاستمرار في المناداة بالمقاطعة نوعا من المثالية الزائدة التي تتحدث عنها محيي الدين، ومخالفة لقواعد السياسة كفن للممكن تحقيقه وليس لما ينبغي تحقيقه

بين المقاطعة والمشاركة
أشهد شخصيا أن الناشطة الحقوقية والسياسية الأستاذة جميلة إسماعيل قامت باستطلاع رأي مصغر بين بعض المهتمين بالعمل العام من معارفها، (وكنت ضمن هذا البعض) حول اختيارات مقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها بترشحها لمقعد الفئات عن دائرة قصر النيل، حدث هذا بعد أن أعلن الوفد وقبله الإخوان وبعدهما التجمع المشاركة في الانتخابات البرلمانية الجارية، وأشهد أن رأيي كان المشاركة بدون تردد، فجدوى المقاطعة تكمن في كشف النظام وفساد العملية الديمقراطية أمام العالم، حين تحجم "كافة" القوى الوطنية الفاعلة عن المشاركة، فلا يخوض الانتخابات غير مرشحي الوطني والمستقلين، فتفسد الطبخة الديمقراطية وتزكم رائحتها أنوف الدنيا كلها، أما حين تقرر تلك القوى الوطنية - لأسباب لا نتفق معهم فيها - أن تشارك، فيصبح إحجام المستقلين من المعارضين والشرفاء بلا جدوى، بل تصبح المقاطعة مهدرة لفرصة وجود أصوات شريفة، تضمن على الأقل ألا يمر توريث السلطة مكللا بصمت الحملان

شارك .. أو قاطع مقاطعة إيجابية
في النهاية أحترم اختيار من يرى مقاطعة انتخابات غابت عنها ضمانات النزاهة، لكن المقاطعة السلبية هي ما فعلناه دائما في الماضي فلم نجن منها قليلا ولا كثيرا، اللهم إلا استفحال التزوير وظواهر أصوات الموتى وتوسيد البطاقات، فلماذا لا نكون أكثر إيجابية سواء شاركنا أو قاطعنا، فتكون خياراتك واحدة من ثلاث
  1. المشاركة بانتخاب أحد الأصوات الشريفة أيا كانت التوجهات والمرجعيات
  2. أبطل صوتك .. فأحد وسائل الاحتجاج المعروفة على أي عملية انتخابية أن تبطل صوتك حتى لا تمكن مسودي البطاقات من استغلاله أولا، وحتى تسجل احتجاجك ومقاطعتك، ويبطل الصوت لو سجلت أي بيانات شخصية على بطاقة الترشيح أو اخترت أكثر من مرشح، بإبطال الصوت تحرم المزورين من استخدامه لصالحهم
  3. أعلن مقاطعتك بإعلان رقم قيدك في الجدول الانتخابي والحرف الأول من اسمك، وموقفك المقاطع للانتخابات، وتأكد من وصول تلك البيانات لأحد المعارضين المرشحين في الانتخابات، وحين يعرف المزيفون بموقفك المعلن لمقاطعتك ستسبب لهم ارتباكا شديدا في تزييف إرادتك، وتفتح بابا للمعارضين للطعن في نتيجة الانتخابات
كن فاعلا .. شارك ولو بالمقاطعة .. وابرأ إلى الله من صمت الخراف

الهلال والصليب .. عناق أم شقاق؟


نعترف أمام الله الواحد يا مصر أننا تهاونا في أمر النسيج الوطني تهاونا خطيرا، نعترف أمامه تعالى مسلمون ومسيحيون أننا استعضنا عن الحلم الوطني الضائع بانتماءات طائفية زادت الحلم ضياعا، ونعترف أن الهلال والصليب يتعانقان في الشعارات والصور وبينهما شقاق صار داميا في واقعنا اليومي، نعترف أننا شاركنا في صناعة الشقاق بالكلام حينا وبالصمت أحيانا، وكفى بالمرء إثما أن يلق احتراق الوطن بصمت الموتى

في كتابنا وجع الدماغ تناولنا طرحا قدمه القيادي في الحزب الوطني وضابط الشرطة السابق الدكتور "نبيل لوقا بباوي" لمعالجة المشكلة الطائفية، وبينا ما فيه من عور يكرس الطائفية ولا يقاومها، ثم طرحنا خطة من عشر نقاط إجرائية يعقبها طرح وطني لمواجهة جذرية لمشكلة الطائفية التي غرست في العقود الأربعة الأخيرة التي مثلت عصر الانحطاط المصري المعاصر في كل الأصعدة، وها نحن نعيد نشرها إثر تعليق مهموم بالوطن للناشطة المناضلة ومرشحة مجلس الشعب المستقلة الأستاذة "جميلة إسماعيل" دعت فيه لسرعة طرح الأمر بمنتهى الجدية التي يقتضيها

الوصايا العشر من أجل نسيج وطني جديد
  1. تأسيس هيئة الأبنية الدينية، وتؤسس كهيئة مدنية تابعة لوزارة الأوقاف والتكافل التالي ذكرها، وتتألف من خبراء مؤهلين في الإحصاء والعلوم الاجتماعية، ومهمتها متابعة ورعاية وصيانة دور العبادة القائمة من مساجد وكنائس، ومراقبة كفايتها لتعداد السكان من الدينين في كل منطقة، وتبسط هذه الهيئة سلطتها على جميع مساجد وكنائس مصر إداريا ودون تدخل في الشؤون الروحية، ولها الحق الحصري في اتخاذ قرارات بناء المساجد والكنائس وتنفيذها وفقاً للاحتياج، وعلى من يرغب المساهمة في بناء مسجد أو كنيسة التبرع لهذه الهيئة، أما الإشراف الديني على المساجد فيكون للجان من علماء الأزهر كما يكون الإشراف الروحي على الكنائس للكهنوت الخاص بكل طائفة، وعلى رأسها الكرازة المرقسية. وغني عن القول أن تأسيس تلك الهيئة سيكون تاليا لإبطال العمل بالقانون التركي (هاتي هومايون) الخاص بمعاملة الأقليات والشهير بالخط الهمايوني، والذي مازال ساريا لليوم منذ زمن "سليم الفاتح" العثماني
  2. تقنين الهامش الإعلامي الديني، ويقتصر في القنوات العامة المصرية على إذاعة مواقيت الصلوات الخمس والأذان ومواقيت الصلوات المسيحية، على أن تخصص قناتان للبرامج الدينية الإسلامية والمسيحية كل على حدة، مع مراعاة تخصيص وقت مناسب للمذاهب المختلفة لكل دين في برامج القناة الخاصة به
  3. إنشاء وزارة التكافل الاجتماعي والأوقاف، والتي تتكون بضم وزارات الأوقاف والتضامن الاجتماعي، على أن تكون وزارة مدنية يتكون هيكلها من كوادر مالية وإدارية، وتبسط سلطاتها على جميع الأوقاف المصرية إسلامية ومسيحية وعلى صناديق النذور والعشور في المساجد والكنائس والأديرة، وتلتزم برواتب العاملين بالإشراف الديني من الوعاظ ورجال الكهنوت، وتمويل الأديرة، كما تتحول لملكية الدولة وتضم تحت هذه الوزارة جميع المدارس والمستشفيات والمنشآت الخيرية ذات الصبغة الدينية، وتخصص هذه الأصول كلها لأعمال التكافل الصحي والتعليمي للطبقات غير القادرة من المصريين عامة، وكذلك لبناء المساجد والكنائس عند الحاجة من خلال الهيئة سالفة الذكر
  4. إقرار تعداد السكان ونسبة الأقباط الحقيقية، وسبب حساسية الدولة من إعلان العدد الحقيقي للأقباط كان دائما الخوف من المطالبة بنسب تمثيل في البرلمان والمؤسسات المختلفة وفقا لنسبتهم من التعداد السكاني العام. وهو خوف مفهوم في ظل مجتمع الانتماء الديني والتعصب، لكن مع إرساء مبدأ مدنية الدولة لن يصبح لهذا الخوف معنى، حيث لن تمثل المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية أتباعهما إلا روحيا، وبغير تسييس لدور الأزهر أو الكنيسة على السواء
  5. مبدأ تكافؤ فرص التعيين والترقي، وهنا نرى أن الكفاءة المهنية هي المعيار الوحيد للتعيين في مختلف الوظائف، ويفصل قانون العمل واللوائح الداخلية لكل مؤسسة معايير التوظيف في القطاعين العام والخاص، على أن يخصص بند في القانون الجنائي لتطبيق عقوبة على من يثبت بحقه التمييز ضد مواطن مصري على أساس ديني في التوظيف أو الترقي، فحتى القطاع الخاص لا يجب تركه ليتحول لمنشآت طائفية كما هو الحال اليوم
  6. الأساس المدني للتمثيل البرلماني، فالديمقراطية والانتخاب هما المعيار السليم للتمثيل النيابي، ويتعين إلغاء مقاعد التعيين التي تغازل بها الدولة الأقباط، فلو أراد الناخبون مرشحا فلهم من أرادوه، وتقع على عاتق المرشح وحده مسؤولية إقناع ناخبيه بصلاحيته وأهليته لتمثيلهم بغض النظر عن دينه، والحالات المتكررة التي انتخب فيها قبطي في دوائر غالبيتها مسلمة والعكس هي دليلنا على إمكانية هذا التطبيق المدني للديمقراطية بعيدا عن الطوائف
  7. تعديل المادة الثانية من الدستور، بحيث تشير للدينين الرئيسيين بأنهما المرجعية الروحية لغالبية المصريين، بدون النص على دين للدولة نفسها، فالدستور يوضع ليحدد علاقات دول مدنية ببعضها البعض وبالأفراد في كل منها، ولا يجوز وصف الدولة بالتدين بدين معين، ولطالما كانت هذه المادة منفذا لملاك الحقيقة المطلقة من المتطرفين لمحاولة الهيمنة على الأفكار والإبداع
  8. تدريس التاريخ القبطي، فمن حقنا جميعاً وليس حق الأقباط فقط أن تضاف حقبة تبلغ 600 عام من تاريخ بلادنا إلى مناهجنا التعليمية، فليس من حق أحد أن يطمس أو يبرز في ذاكرة الشعوب، وقد يظهر جدل على ما يدرج في المناهج حول الفتح العربي، أو حول مرحلة التحول من الديانة المصرية القديمة للمسيحية، وأعتقد أن الاعتماد على مراجع معتدلة من التراثين الإسلامي والمسيحي كتاريخ "ابن الأثير" ومخطوطات "يوحنا النقيوسي" سيكون مفيدا في عرض صورة حيادية لا تبالغ في رصد فظائع ولا تبالغ كذلك في تصورات طوباوية غير حقيقية. وفي النهاية، التاريخ هو علم طلب الحقيقة كما وقعت لا كما نريدها أن تكون، هذا ما يجب أن نعيه ونعلمه لأولادنا
  9. التسامي بالخطاب الديني الإسلامي والمسيحي، ونرى وجوب قصره على المساجد والكنائس والقنوات المتخصصة حرصا على تجنب سماع مواطن ما يجرح مشاعره الدينية، كما تنشأ بكل مدرسة قاعتان لتدريس الدينين الإسلامي والمسيحي، على أن تقتصر المناهج الدينية على مواضيع لا تحمل قضايا خلافية بين مذاهب الدين الواحد
  10. الحزم الأمني للعنف الطائفي، وهو قاعدة عامة لكل أمة تريد تحقيق السلام في ربوعها، فعليها أن تتعامل بمنتهى الحزم والردع مع من يتخذ من العنف وسيلة للتمكين لأهداف سياسية أو طائفية
المشروع القومي الجامع
أعتقد أن تلك التدابير العشرة التي يتكون منها طرحنا كفيلة مع الوقت للقضاء على الشحن الطائفي، ثم يتحقق التجانس الوطني من خلال مشروع قومي جامع لكل المصريين، مثل مشروع التحرر الوطني منذ العشرينات وحتى الخمسينات، ومشروع السد العالي في الستينات، ثم الصراع العربي الصهيوني في الستينات والسبعينات. فتلك المشاريع الوطنية هي ما يربي شعور الانتماء للوطن، وغيابها يضعف هذا الانتماء لصالح انتماءات طائفية تفرق ولا تجمع، وأولى المشاريع الوطنية اليوم هو مشروع الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية الزراعية والصناعية والسياحية

والله من وراء القصد وبالله التوفيق

1.11.10

الترانسفير-01


المكان: أحد معسكرات التركيز العربية في مقاطعة نوردلاند شمال النرويج الزمان: العام الثاني والستون بعد الترانسفير الكبير

الجليد يغطي أفق المعسكر مترامي الأطراف، والبالغة مساحته أكثر من مائتي كيلو متر مربع، تقف في أرجائه الواسعة مبان كالحة حائلة اللون، مهزومة المظهر كساكنها المهزومين، ومن بعيد خلف أسلاك المعسكر يظهر معسكر التركيز الأفريقي الأكبر في مملكة النرويج (القديمة) كلها، والذي يتسع لمليوني أفريقي من إجمالي مليار أفريقي ونصف مليار عربي موزعين على سبعمائة معسكر تركيز في شمال الاتحاد الأوروبي وكندا

في أحد المباني الكالحة ذات الستة طوابق، وفي غرفة من الطابق الأرضي فيها، جلس العجوز "راشد الغامدي" على أرض الحجرة الأسمنتية الباردة التي افترش فوقها بطانية من صوف رخيص وتدثر بثانية، وقد تحلق حوله مجموعة من الصبية تتراوح أعمارهم بين العاشرة والسادسة عشرة، يرتعدون رغم الكنزات الصوفية الخشنة والبطاطين التي تدثروا بها تماما كالعجوز، فدرجة الحرارة أقل من عشرين درجة مئوية تحت الصفر، والحلقة دراسية بطبيعتها، فهذا العجوز الهرم واحد من الشيوخ القلائل الذين شهدوا الترانسفير الكبير في شبابهم، ولما كانت أدنى إمكانات التعليم غائبة من المعسكر، حتى الأوراق والأقلام، فقد قرر العجوز أن ينقل ما لديه من ذكريات للجيل القادم من "عرب الترانسفير" قبل أن تخبو الذاكرة أكثر وينسى كثيرا من تفاصيل الحدث الرهيب، وبدا العجوز يختم حديثه حين يقول
- عندما جئنا هنا أول الأمر كان نظام الأسرة مازال سائدا، لكن الأوامر التي عرفناها لاحقا كانت واضحة في ضرورة تشتيت الأسر والعشائر والقبائل بين معسكرات التركيز المختلفة في أوروبا وأمريكا الشمالية، فلم تمض عشر سنوات حتى كان السفاد الحر ضرورة من أجل بقاء الجنس العربي، وفرضت الضرورة نفسها، وانتهى مفهوم الأسرة التقليدي ليحل محله مفهوم العشائر الأمومية القديم

غامت عيني العجوز وهو يشخص ببصره من النافذة العالية نحو السماء ويقول
- كنت من آخر جيل عربي يعرف اسما لأبويه وأجداده، ويحمل ذكريات غائمة في مؤخرة رأسه لأرض الوطن البعيدة
---
والبقية تأتي