3.4.08

الولاء و البراء-01

قول الحق الذي فيه يمترون


لعلي لا أجاوز الحقيقة بكثير ، لو قلت أننا نتناول اليوم ، السبب الحقيقي الذي يضع الإسلام في العالم في موقع المتهم بالإرهاب و الدموية ، على عكس صفته التي يعرفها كل مسلم يؤمن بالله حق الإيمان ، و لعلي لا أذهب بعيداً لو قلنا أن الفهم الخاطيء لموضوع الولاء و البراء ، و ما يوجد حوله من ضلالات أبدعها البشر على عكس ما يفهم من كلام الله و رسوله ، هو المتهم الحقيقي في قضية الرسوم الدنماركية و غيرها من القضايا التي تدور حول اتهام الدين القيم ظلماً بالدموية و الارهاب و رفض الاخر، و مع احترامي لأصوات المطالبين بالمقاطعة ، الا أنني أرى اننا نتخذ نفس الموقف التاريخي الفاشل ، رفض نقد الذات و القاء اللوم على نظرية المؤامرة ، و نحارب طواحين الهواء في دون-كيشوتية نجيدها أكثر مما نجيد أي شيء بحياتنا

الفهم المعوج للولاء و البراء
حتى نوضح ما نعنيه ، دعونا نبدأ بمطالعة الفهم الذي يروج له حماة الفكر الديني الرسمي ، لهذه القاعدة الاجتماعية ، و قد جمعنا المادة التي نكتبها هنا من مقالات و أحاديث للعديد من مشايخنا الأفاضل ، هم على الحصر محمد بن سعيد القحطاني ، و عبد الرزاق عفيفي ، و صالح الفوزان و العثيمين و محمد حسين يعقوب و أخيرا و ليس آخراً ، أفندينا الذي يريد أن يقصر فهم الدين على نفسه قائلا "هو أي حد يبقى عمر عبد الكافي؟" ، و نستطيع أن نجمل ما قاله هؤلاء جميعا (لتشابهه الذي يكاد يكون تطابقا) في عدد مما يحسبونه أدلة على فهمهم المعوج ، يخرجون منها بمجموعة من المباديء التي يرون من واجب المسلم أن يتبعها عمياني ، طبعاً ، لان مش أي حد ينفع يبقى عمر عبد الكافي !!! رضي الله عنك يا عمر بن الخطاب ، كان تراب حذائك خيراً من ملأ الأرض من أمثال هذا الصلف المغرور ، و مع ذلك تواضعت للحق قائلا قولتك الرائعة "أصابت إمرأة و أخطأ عمر" فلله در تواضعك يا أمير المؤمنين ، فأما من كان منهم يحفظ بقية من فهم سليم ، فقد قال بأن على المسلم أن يحب كل من هم على دينه و يواليهم ، و عليه أن يكره و يعادي كل من حارب المسلمين و من اختلف عنهم فكرا و واجههم بفكره ، و له بعد ذلك أن يحسن لمن لم يحارب المسلمين من أهل الكتاب و غيرهم لكن دون صداقة و لا محبة ، و أما من شط فيهم من وجوه علماء آل سعود ، فقد وصل بفهمه أن على المسلم ألا يتخذ منهم أصدقاء ، و أن يحرص على مخالفتهم في المظهر الخارجي، و ألا يعيش في بلادهم الا لضرورة ، و يعمل معهم أو يوظفهم لديه بعمل ، و لا يتخذ منهم مساعدين له ، و لا يؤرخ بتاريخهم و لا يعتد بأعيادهم، و لا يتسمى بأسمائهم، و لا يمدح أي خلق من أخلاقهم ، و لا يستغفر لهم و لا يترحم عليهم !!!!!!!!!! و لنرى ما بنوا عليه هذه التصورات مما ظنوه دليلا لهم ، و في مقال لاحق سنبين إن شاء الله أنه دليل عليهم، ثم نرد على ما ادعوه منهجا للمسلم ، فنبين تهافتهم و تخبطهم، و ما وصلوا له من ضلال ، يتفق تماما مع تعريفهم للولاء بأنه "حب الله ورسوله و الصحابة و المؤمنين الموحدين و نصرتهم ، فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر و النواهي الشرعية , تجب محبته و موالاته و نصرته" و تعريفهم للبراء بأنه "بغض من خالف الله و رسوله و الصحابة و المؤمنين الموحدين , من الكافرين و المشركين و المنافقين و المبتدعين و الفساق، . و كل من كان كذلك وجب التقرب إلى الله تعالى ببغضه و معاداته و جهاده بالقلب و اللسان بحسب القدرة و الإمكان" فهذا الفهم للمبدأ هو الأب الشرعي للتطبيقات المنحرفة و اللا-معقولة التي فصلناها سلفا ، فلا عجب إذن

أخطار الفهم الظلامي للولاء و البراء
لا ريب أن لفهمهم المظلم عواقباً وخيمة لا حصر لها، و من هذه العواقب على المستوى الإجتماعي مثلاً ، انهيار أواصل الصلة بين أبناء الوطن الواحد ، في مصر أو لبنان أو سوريا أو العراق و غيرها ، فالعلاقة في رأيهم يجب أن تكون علاقة إحسان إستعلائية ، و هو ما نفهم عكسه من آيات القرآن كما نبين لاحقا ، و هو شكل لن يقبله المسيحي مثلا من مواطنه المسلم و سيواجهه بالمثل ، فيكون انهيار السلام الاجتماعي على أقل تقدير ، و تكون الحروب الأهلية على أقصى تقدير، كذلك ينهار مبدأ تكافؤ الفرص ، فيوظف المسلم مسلما و المسيحي مسيحياً ، و هو ما يحدث الآن لدينا بمصر ، الا عددا محدودا من الدين الآخر بكل مؤسسة بهدف ذر الرمال في العيون، و كذلك نحاول ترويض أبناءنا على البراء بدخول مدارس إسلامية و أخرى مسيحية ، و هكذا ، فنصل لما هو قائم الآن ، مدارس و مستشفيات و نواد إسلامية و أخرى مسيحية ، مجتمع كانتونات و جيتوهات و مستعمرات ، و كلما تباعدنا ، كلما ازددنا جهلا بالآخر و بالتالي عداء له

أما على المستوى القومي ، فيكون من واجبنا التضامن مع الكلاب الضالة في جبال أفغانستان بدعوى أنهم مسلمون مثلنا ، فنصبح إرهابيين حقا و صدقاً ، بينما نجد قي كتاب الله و سنة رسوله و منهج الراشدين ما يوجب علينا مكافحة الإرهاب و حربه، و الحد من التعاون الثقافي و الاجتماعي و العلمي و البحثي مع الغرب الكافر الفاجر من باب البراء ، لنقع في تخلف أكبر مما نحن فيه ، كذلك يجب علينا ألا نحترم معاهداتنا و التزاماتنا الدولية وفقا لفهمهم المضلل لسورة التوبة ، بينما نجد نحن في ذات السورة ما يلزم علينا الوفاء بالعهود و التمسك بها ، و بهذا ، ينتهي بنا فهمهم المظلم إلى قاع العالم ، و هو ما سيحدث حتما و قطعا لو وصل فصيل كالاخوان للحكم ، فينتهي بنا الحال مثل حال فلسطين تحت حكم حماس

أدلة عليهم و ليست لهم
يسوقون كثيرا من الأدلة ، مما يحسبه العامة بينة لهم ، لكن من له أدنى علم بالكتاب و السنة و التاريخ الاسلامي ، سيجد بهم ألف دليل يسفه حلومهم و يبين تهافت فكرهم المظلم ، فمما يستدلون به على الولاء للمسلمين كل المسلمين، قول الله تعالى من سورة الحشر "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" و هذه آية مرتبطة بسياق أتت فيه ، فهي قد جاءت في سياق الحديث عن يهود بني النضير الذين نقضوا عهدهم مع النبي ، فكان ذلك كفرا بالمعروف الذي قدمه النبي لهم أولا ، فحاربهم الرسول و هزمهم و خرجوا من ديارهم بما حملت الابل من أموالهم و أمتعتهم، بعد أن أمنهم الرسول على هذا ، و تبين الآيات أن خروجهم كان لأنهم خالفوا عهدهم مع الله و رسوله ، ثم تتحدث عن تقسيم الفيء، و خصت المهاجرين ممن كانوا ذوي حاجة ماسة للدعم الاقتصادي ببعض الفيء، و أتت هذه الآية الكريمة ، تتحدث عن الأنصار ، و الذين سبقوهم بالايمان هم المهاجرين ، و تبين أن هذا التقسيم حدث بتسامح من أغلب الأنصار دون أن تحمل قلوبهم غل أو كره لاخوانهم بسببه ، فنحن نفهم من هذه الآيات معان سامية هي الإيثار ، و مراعاة الطبقات ذات الحاجات الخاصة في توزيع ثروة المجتمع ، و نفهم التسامح مع ذوي الحاجات الخاصة اقتصاديا ، و ان يطيب الله رجلا لبعض من حقه لأخيه لأنه يحتاجه أكثر منه ، لكننا لا نفهم منها ولاء لطالبان و لا القاعدة

و يتلون قول الله تعالى من سورة المجادلة "لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم" و هذه نزلت في المنافقين ، و الحلف غير المعلن بينهم و بين اليهود ، و هو حلف مبني على العداء المشترك للأمة الناشئة و تسبقها أيات كريمة تبين هذا ، ثم تأتي الآية لتقول لنا أنه ما من مسلم ، يمكنه أن يتحالف مع من يحارب أمته الناشئة من أعدائها ، فطبيعي أن من يود أعداء قومه و وطنه خائن جبان ، و ليس في الخيانة وجهات نظر ، فهذه نطبقها اليوم على المنبطحين من العرب لإسرائيل ، لأنه هؤلاء هم أعداؤنا التي تقوم الحرب بيننا و بينهم ، و من يودهم هم الخونة منا حقا و صدقا كما كان المنافقين هم خونة المجتمع المدني ، لكننا لا نقيس عليها و لا يقيس عاقل علاقتنا بإخوتنا من المسيحيين مثلا

أما الآيات من سورة المائدة و التي يوردونها منزوعة من سياقها ، فلو وضعناها في سياقها القرآني نراها كالتالي " لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ* تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ" فتلك أيضاً آيات تحدثنا عمن كفر بعهده و بالمعروف من بني إسرائيل، و بأن هذا كان نمطا لكثيرين منهم استحقوا عليه اللعن من أنبياء سابقين، لغيهم و تشجيعهم بعضهم بعضا على الغي ، و من هذا الظلم تحالفهم مع المشركين ضد دولة الإسلام الناشئة ، و كان المنطقي أن يكونوا أقرب للموحدين ، لكن أغراضهم الدنيوية في أنفسهم حقت عليهم غضب الله لخيانتهم هعودهم و عقيدتهم ، فالموالاة هنا أيضا كانت عملية تحالفات و ميول بين القوى المختلفة في حالة الحرب!! ، و لا مجال لقياس هذا على المجتمع الواحد أو مجتمعات لا حرب بينها ، كذلك تراهم يوردون قوله تعالى "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ" و الموالاة بين العرب كانت تحالفات بين الأفراد و العشائر لتبادل الحماية بالقوة المسلحة ، و كان لعبادة بن الصامت أحلاف من اليهود كثيري العدد ، فلما ظهر منهم بعد أحد بوادر عداء للمسلمين و شماتة في مصابهم ، خلع عبادة بن الصامت تحالفه معهم و رده عليهم غيرة على دينه و أهله و أمته، فتلك أيضا حالة حرب و موضوع تحالفات عسكرية ، ففي الحروب الصليبية مثلاً ، تنطبق هذه الآية على النصارى في جيش العدو ، و لا تنطبق على المتطوعين من الجيش المصري من المسيحيين لقتال هذا العدو

أما الآيات التي يوردونها منزوعة من سياقها أيضا من سورة التوبة من قول الحق تبارك و تعالى "يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ" فلو طالعنا ما سبقها من آيات ، نجدها تحدثنا عمن حاول الاعتذار عن الهجرة للمجتمع الجديد و هم العباس بن عبد المطلب و طلحة، لأنهم من قوم يقومون بسقاية الحجيج و عمارة البيت ، بينما واقع الأمر أنهم كانوا على موقع صدارة في عشائرهم و كرهوا مفارقة هذه الصدارة في سبيل مبدأهم الذي آمنوا به ، و في هذا نزلت الآية و ما قبلها تأديباً ، غير أنها لا تعني عدم مودة الأهل ، فلو عنت ذلك لكانت مناقضة لقول الله تعالى "وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ" من سورة العنكبوت ، و كذلك قوله من سورة لقمان "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً" فلو كانت عدم الموالاة تعني الجفوة و البغضاء كما ادعوا ، لاستحال المعروف معها ، و لكن عدم الموالاة ، معناها عدم الانحياز للمعسكر المجافي لدين المرء و مبدأه و منهجه و لو كان فيه أحب الناس إليه ، فهذا شأن كل صاحب دين و كل صاحب مبدأ بكل زمان و مكان ، و هكذا أراد الله لنا

ثم تأتي الآية من سورة الممتحنة "ياأيّها الّذين ءامنوا لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ يخرجون الرّسول وإيّاكم أن تؤمنوا بالله ربّكم" و هي بدورها تتناول من يوالي المعادين لدينه و امته الذين اضطهدوهم و طردوهم من ديارهم ، و هي بذلك لا تعني المخالف في الدين ، و لكن عدو الدين و عدو الأمة ، و الآيات كلها واضحة بينة لا اشتباه فيها و لا التباس

فإذا أحيانا الله للمقال القادم من هذه السلسلة ، نبين خطأ و خطل ما يقولون في باقي الأدلة من الكتاب و السنة ، و نحن في ما نقوله في تفسير الآيات عاليه و أسباب نزولها ، لا نأتي ببدع من عندنا ، و لكنها الأسباب الموجودة بأغلب التفاسير التراثية ، لكن فساد استدلالهم هو الذي أدى بهم للخروج بتفسير للولاء و البراء يجافي الفهم و الاستدلال السليم لمن كان له عقل و لمن أدرك النقل صحيح الإدراك ، و الله من وراء القصد و به نستعين

30.3.08

أزمة مع وطن

هل نقول وداعاً يا مصر؟

أستمع الآن لاسطوانة أشجان مصر .. ليست اسطوانة تباع و تشترى ، لكنها كوكتيل شخصي أحفظه في سيارتي و مكتبي دوما، اسمعها كثيرا و أنا مسافر على الطريق الزراعي بين القاهرة حيث أعيش و طنطا حيث مسقط رأسي، بينما مشاهد الريف المصري تتوالي على يميني و شمالي، أو ما تبقى من الريف المصري لو شئنا الدقة، و أول ما فيها أنشودة كتبها الأبنودي و غناها علي الحجار، الرجل الذي يغني بأوتار قلبه و فيها يقول

راحل .. من تاني راحــــــل
تردني السواحــــــــــــــــــل
فايت قلبي في حـــــــاراتك
فــــــايت صوتي في سكاتك
و خضــــــــــــرتي في نباتك
يا مصـــــــر .. و تني راحل
***
و مهما أنزل بلــــــــــــــــــد
بانزلها بالجســــــــــــــــــــد
لكن القلب راحــــــــــــــــــل
له في السواحــــــــل ساحل
في غيرك .. ما انوجــــــــــد
و تليها أغنية أخرى لنفس الشاعر و من نفس المسلسل و بصوت الحجار لا تقل وجدا و لا شجنا

يالولا دقة اديكى .. ما انطــــــــــرق بــابى
طول عمرى عارى البدن.. وانتى جــلبابى
ياللى سهرتى الليالى يونسك صـــــــــوتى
متونسة بحس مين .. يا مصر فى غيابى؟

ثم تختم الأغنية بالبيت الدامي المدمي عندما تسمعه بصوت علي الحجار

أسكت الجرح يسكت .. ينطق التانى

أتذكر بصوت صلاح جاهين رباعيته الجميلة ، فيملكني الشجن ، الشجن ، تلك النعمة أو النقمة التي لا يشعر بها الا من كانت له نفس شاعرة

قالوا ابن آدم روح و بدنه كفــــــن

قالــــــــوا لأ .. بــــــــــــــــــــــــــدن
قالــــــــوا: لأ .. ده روح في بـــــدن
رفرف فؤادي مع الرايات في الهوا
أنا قلت لأ .. روح في بدن في وطن

هل حقاً نحن روح في بدن في وطن؟ لقد جربت الأسفار ، جميلة شائقة حين تكون جولة بعد جولة، نعود بعدها الى أحضان الوطن، و جربت الاغتراب الطويل عن مصر ، اي الاقامة خارجها و زيارتها في اجازات ، فوجدتها مريرة مؤلمة ، و أشهد أنني خلال عام و نصف قضيته خارجها ، و برغم أني زرتها خلال هذه المدة القصيرة أربعة مرات، قد كنت بالفعل أشبه برجل بلا روح، لكن ، ماذا نفعل؟ مصر حالة شديدة الخصوصية بالنسبة للمصريين ، وطننا الذي نتعذب فيه ، فاذا ابتعدنا قليلا .. نتعذب به ، و نشعره في فؤادنا وخزا مستمرا و في رؤوسنا صداعا مزمنا، ثم ألوم نفسي قائلا: و ماذا ينقصك لترحل؟ هناك من يرحل لطلب الرزق ، و هذا رحيل لابد منه ، و هناك من يرحل لطلب العلم ، و هذا مبرر معقول ، و هناك من يهاجر لأنه بلا مستقبل هنا ، لكن انت لماذا ترحل؟ كان هذا الحديث لنصفي المنطقي المنظم التفكير بالورقة و القلم ، فيقهقه نصفي الشاعر ، و يترنم اولاً بقصيدة صلاح جاهين ، اجمل من عبر عن حالنا نحن المصريين مع هذا الوطن

على اسم مصر التاريـــخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصـــــــــر عندي أحـــــب وأجمل الأشياء
باحبها وهي مالكــــــه الأرض شرق وغــرب
وباحبهــــــا وهي مرميه جريحــــــــــــة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى اســــــــــتحيــــــاء
واكرهها وألعن أبوها بعشق زي الــــــــــداء
واسيبها واطفش في درب وتبقى هي ف درب
وتلتفت تلاقيني جنبهــــــــــــــــــــــا في الكرب
والنبض ينفض عروقي بألف نغمـــــة وضرب


آآآه يا عم صلاح ، يتنهد نصفي الشاعر و يرد على نصفي المفكر قائلاً: عاوز أسيبها علشان هم سابوها يا أبو العريف
المفكر: هما .. هما مين؟
الشاعر: المصريين ، البلد ماعدش فيها مصريين يا مولانا
المفكر: لا يا شيخ، امال فيها مين ؟ أمريكان؟
الشاعر: ياريت ، و الله يا ريت أي أمة ، بس يكون لها طعم و شكل و لون ، كنت هابقى مفتقد المصريين صحيح، المصريين بخفة دمهم ، و شقاوة عيونهم ، و ذكاء فطري في تصرفاتهم ، و تحايلهم على اكل العيش بكل شكل و لون ، لكن برده كنت هالاقي شعب تاني أعيش معاه على الأقل، لكن الموجود دلوقت ده ، لا شرق و لا غرب و لا وسط ، ده كبيره طبق سلاطة، القاسم المشترك الوحيد فيه هو التطرف، تطرف ديني أو تطرف لا ديني ، نقاب أو عري ، تطرف يساري و تطرف يميني ، فقر بدون دعم من الدولة ، أو غنى بدون دفع ضرائب ، كنا بلد اشتراكي ، النهاردة امريكا اكثر منا اشتراكية ، على الاقل من ناحية الضمان الاجتماعي
المفكر: كل ده كويس ، بس دي بلدنا ، لازم نحاول نتأقلم معاها، و لا ايه؟
الشاعر: في عرضك بلاش البقين دول ، انا عايز أعيش حياة طبيعية، انت مش واخد بالك انا و انت بقينا عاملين ازاي يا استاذنا؟ ده احنا داخلين في اكتئاب؟ نخلص الشغل ، ننفرد ببعضينا في غرفة المكتب مع كتاب او مع الكمبيوتر، ملينا انا و انت من بعض ، احنا عشنا عمرنا كله في حوار ، انت نفسك كنت بتقول "على درب سقراط أسير ، حياتي هي الناس ، و موهبتي هي الحوار" ، مش برده سقراط كان بيخرج بافكاره من حواره مع الناس في شوارع أثينا، لا عاد فيه ناس و لا عاد فيه حوار و لا أفكار
المفكر: يعني ، لسة على الاقل فيه حوار الكتروني
الشاعر: أيوة ، حوار الكتروني ، من حق اي حد فيه ان يظهر في حياتك حتى تحسبه صديقا، ثم فجأة و بدون أي مبرر أو سبب تلاقيه اختفى من حياتك فجأة زي ما ظهر فيها فجأة، حوار الكترونات، لا ترى فيه وجه محدثك ، لا تلاحظ لفتاته و لغة عينيه، حوار غير انساني يا عزيزي، انت مقتنع بيه؟
المفكر: يعني عاوزني أحاور مين؟ ماهو على ايدك ، منين أجيب ناس؟ فيه ناس علشان تقيم معاهم حوار لازم يرجعوا بطن امهم و يتولدوا من اول و جديد و يتربوا من تاني ، و بعدين نشتغل على نضافة ، انت ممكن تتحاور مع حد مختلف عنك في الفكر و الاتجاه ، بس يكون عنده في دماغه بنية تحتية ، يكون مد كابلات كهربا و مواسير مياه ، و احنا محاطين ببشر مجاري دماغها ضاربة ، يبقى نحمد ربنا على الشوية اللي باقيين أونلاين من غير مجاري ضاربة و عندهم كهربا و مية
الشاعر: طبعا لازم الناس مجاري راسها تضرب ، ما هم مرضى بالثلاثي
المفكر: ثلاثي ايه؟

الشاعر: أبو تريكة و خالد الجندي و هالة سرحان ، الكورة و مشايخ الفضاء و برامج النص التحتاني ، مهرجان لاي ماتش خايب كسبته دولة محتلة مرة في قارتها و كأننا فتحنا عكا ، و افندية عاوزين يشربونا بول الابل و يرضعونا و احنا بغال ، و شلة نسوان ضايعة من اللي لابسة جوانتي اسود و عمالة تاكل في نفسها و تتكلم على المرأة و هي مالهاش أي علاقة بالمرأة من أصله، للي تابت فعاوزة تخلي كل أشكال البوظان حلال علشان تبقى منحرفة بس شرعي ، للمعلمة الكبيرة اللي دايما باقول انها خدت الكاريير الغلط، و لو كانت اتولدت في الزمن الصح كانت هاتبقى زعيمة في وش البركة

المفكر: خلاص ، كفاية ، كأبتني، بس تعرف، ممكن يكون عندك حق ، ممكن يكون الحل هو الفراق ، الهجرة من مجتمع لسة بيخبط و بيناقش الاساسيات لمجتمع استقر على طريق و بيناقش التحسين للافضل ، تقدر تقول هجرة ثقافية يعني، على الاقل الجيل الناشيء يخرج في وسط أفضل و مايمرش بنفس المعاناة
الشاعر: يعني مقتنع؟
المفكر: انت عارفني ، لازم افكر و اتناقش قبل ماخد قرار ، بس في النهاية عندي شجاعة الاعتراف بالحق ، و انت كلامك مقنع، و حالة المجتمع واضحة للعبيط ، حاولنا الاول نعمل هجرة داخلية، مجتمع صغير من المستنيرين، فكرة حالمة عبيطة من بقايا حماس الشباب اللي في النزع الاخير، و فشلنا، يبقى مافيش غير الهجرة الخارجية
الشاعر: بس تفتكر ممكن نسيبها بالسهولة دي .. دي برده مصر
المفكر: انت هاتشتغلني؟ نفتح الباب تقول نقفله ، نقفله تقول نفتحه
الشاعر: مانت برده عارفني ، قلب متقلب و بمية حالة ، عصب مكشوف على الهوا مباشرة ، الهوا ، فاكر الهوا هوايا؟
المفكر يبتسم بشجن ، و يقول : أيوة فاكر ، و اشغل لك عقد غالي ، يضوي بأحلى الصبايا ، آآآه زمن عجيب
الشاعر: هانلاقي فين حليم جاي صوته من بلكونة بنت سهرانة مع النجوم؟ هانلاقي فين هناك صوت الشيخ رفعت من الراديو في رمضان؟ و لا صوت ثومة صاحبة العصمة لما نسهر معاها في ليالي الصيف ؟ صوت ترام اسكندرية في ليلة شتاء؟ ريحة البطاطا المشوية على البحر عند السلسلة ، سبيط و جمبري أبو أشرف و القطط تحتك تاكل حتة و تديلها حتة، علشان تتألف قلبها حرصا من انقضاضة جوع على الطبق باللي فيه؟ الجرائد من محطة قطار طنطا بعد الفجر ، صلاة الفجر في مسجد السيد البدوي ، الشاي و شيشة التمباك على القهوة الأحمدية امامه؟ الساعة ثلاثة ميعاد خروج مدرسة قاسم أمين للبنات و قوافل الصبايا في شارع الفالوجا بطنطا ، و يا بنت يا ام المريلة كحلي

المفكر: يا اخي احترم نفسك ، بنت ايه و مريلة ايه؟ احنا بقينا في منتصف العقد الرابع من العمر ، ثم اطمئن ، كل ده خلاص يا اما باظ يا اما تحت التخريب ، الموسيقى و حرموها ، حنى الشيخ رفعت حل محله مشايخ السعودية مع المؤثرات الصوتية و الايكو، السيد البدوي حرام علشان القبور في المساجد بدعة، الشيشة طبعا دي فسق مش عايزة كلام ، و البنات دلوقت ممكن تغنيلها يا بنت يا ام النقاب الكحلي ، يا ضلمة كابسة و حالة من الكولة ، لو قلت عنك في الغزل قولة ، هايقيموا علينا يا حلوة الحد احنا الاتنين

الشاعر: يعني فكرك كده يا ابو الافكار؟ نسافر؟
المفكر: ايوة يا ابو الاشعار ، فاكر البيت اللي بيقول

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الـــــــرأي أن تـتـرددا

ده الفرق بينا يا جميل ، انت ممكن تعزم مية مرة و تتراجع ، انا لأ ، صعب ، علشان باحسبها كويس ، حتى لو هناك كمان في بعض المعاناة ، على رأي الأبنودي، قتيل في غربة بيفرق عن قتيل الدار

الشاعر تنظر عيناه بعمق اللا-شيء، بينما دمعة تترقرق من عينيه، ثم يقول
مفارق يا مصـــــــــــــــر
و قبل الهجـــــــر أشتاق
مفارق يا مصـــــــــــــــر
و ما كل الفــــراق بغض
و لا كل العشق التصاق
قد آن للرضيــــــع فطام
و آن للحليل ..طــــــلاق

28.3.08

حدث في مجدستان

عندما يمتلك القائد قدرته على رد الفعل سياسيا


إما الوطني و إما الإخوان، إما حالة التفريط اللا-متناهية في الكرامة الوطنية و إما حالة التشنج الكفيلة في ردود أفعالها بأن تخرج مصر من العالم لتصبح على هامشه أكثر و أكثر كما حدث مع الضفة و القطاع تحت حكم حماس ، إما الفساد و خراب الذمم و الديمقراطية الهيكلية ، و إما فساد و خراب ذمم و ديكتاتورية و لكن على الطريقة الاخوانية ، هذا ما يريدون لنا أن نصدقه ، حتى يخاف المثقفون و الصفوة الفكرية من حكم الاخوان فيقبلون أيديهم وجها لظهر على الوطني، استراتيجية عفريت العلبة التي تحدثنا عنها سابقا، و التي تلعبها الحكومة مع الاخوان و بالاخوان

لكن لا، عندما تتوافر للأمم القيادات الرشيدة، و التي تملك طاقة الفعل و رد الفعل السياسي و الاقتصادي و الوطني ، لا تنحصر خياراتها في اثنين و لا حتى عشرة، و هاكم الأمثلة العديدة من واقعنا اليوم ، مقارنة مع وقائع من تاريخ دولة مجدستان الشقيق

المدمرة الأمريكية و جريمة في المياه الإقليمية المصرية

الصور الخاصة بالضحية محمد فؤاد عفيفي و أسرته مصممة من نسخة منشورة على مدونة زينوبيا

مات محمد عفيفي برصاص الاحتلال الأمريكي ، نعم ... أنت لم تخطيء و لا أنا ، فهو إحتلال ابتلينا به منذ آمن الرئيس السابق أن تسعة و تسعون بالمائة من أوراق اللعبة بيد أمريكا، فركع لها ركوعا جر وراءه البقية الباقية من الشيوخ التي ملأتها الشروخ، و لو كان السادات حياً اليوم لقال بلهجته الكوميدية المعروفة "يعني عاوزني أعملكوا ايه؟ أحارب أمريكا؟"

لكن من قال ان القدرة على رد الفعل و حفظ الكرامة الوطنية تعني الحرب؟ هناك مسافات بعيدة بين رد الفعل الوطني و بين إعلان الحرب ، فتعالوا نرى، ماذا حدث يوم تعرضت مجدستان الشقيقة لحادثة مشابهة إبان حكم الرئيس ناصر المجدي

مجدستان تتحفظ على المدمرة الأمريكية لحين انتهاء التحقيق

في تطور مثير لأزمة المدمرة الأمريكية التي أطلقت النار على لنش خدمي مجدي ، لتردي أحد ركاب اللنش قتيلاً ، أمر الرئيس "ناصر المجدي" بخروج لنشات الطوربيد من السلاح البحري المجدي، و من أقرب نقطة تمركز، لإجبار المدمرة الأمريكية على الرسو في البوغاز المجدي، في الوقت ذاته أمن الرئيس في لقائه مع وكالات الأنباء العالمية حياة طاقم المركب، قائلا حين سأله عن ذلك أحد المراسلين: نحن لسنا أمة بربرية حتى نشنق الطاقم في فروع الأشجار بعد طلائهم بالقار و الريش، لكننا أمام جريمة ارتكبت ليس في عرض البحر و لكن بمياهنا الاقليمية، و لو كنا نسمح للمدمرات الأمريكية بالعبور بالمضيق فهذا من باب الالتزام باتفاقات دولية سابقة، لكن هذا لن يعني أبدا قبول تجاوزات و جرائم

و ردا على سؤال حول خطأ قائد اللنش المجدي بالاقتراب من المدمرة و حول التحذير باللغة العربية قبل اطلاق النار، اجاب الرئيس المجدي قائلاً: هناك معايير و قوانين دولية تحكم مثل هذه الأمور، و لدينا شهادة لشهود عيان تعارض ادعاء طاقم المركب حول التحذير

و عما تنوي الحكومة المجدية فعله علق سيادته قائلاً: كأي دولة متحضرة ذات سيادة، ستقوم مجدستان بالتحقيق في جريمة القتل الواقعة بأراضيها، و سيسمح للولايات المتحدة بالاشتراك بمن ينوب عنها في التحقيقات وفقا للأعراف الدولية، لكون الجناة حاملين للجنسية الأمريكية، أما المدمرة ذاتها فستسلم للسلطات الأمريكية فور انتهاء التحقيقات، أما مصير الطاقم فهذا شأن يحدده القضاء وفقا للقانون المجدي و في اطار القوانين الدولية، و الى هذا الحين، سيتم التحفظ على الطاقم مع عدم المساس بسلامتهم و كرامتهم

و قد تفاوتت ردود الأفعال العالمية ازاء هذا التطور المثير، ففي حين علق المتحدث باسم الخارجية الفرنسية قائلا أن مجدستان مارست حقا مكفولا لها و في نطاق سيادتها على أراضيها، علق مندوب الحكومة البريطانية على القرار بأنه متهور و مبالغ فيه و قد يؤدي الى ما لا يحمد عقباه

قمة الإحجام و التبعية العربية
حال القمة العربية التي انقلبت قعراً هو ما تعرفونه جميعا، و موقف مصر منها هو ما تعرفونه جميعا، لكن ما لم تنشره وكالات الأنباء هو تفاعل مجدستان الشقيقة مع أزمة القمة العربية ، فلنستمع الآن لهذا الحوار الذي أجرته شبكة بي بي تي مع الرئيس المجدي صباح اليوم ، فاليكم نص الحوار كاملا
ناصر المجدي يحضر القمة دفاعا عن إستقلال القرار العربي
سيادة الرئيس ، لقد أثار حضورك للقمة تساؤلات حول الهدف منه في ظل غياب أغلب القيادات السياسية للدول العربية المحورية عن قمة دمشق ، فما هي خلفيات هذا القرار؟ سيدي العزيز ، هذا قرار أراه منطقيا تماما و لا يحتاج لخلفيات، لكن دعني أجيب سؤالك بسببين محوريين ، الأول هو ظروف الوطن العربي و حمامات الدم المنسابة بلا نهاية في غزة و في العراق، و الأزمة الرئاسية اللبنانية، و الحصار السياسي و الاقتصادي المتصاعد الذي تواجهه سوريا، و التوتر الامريكي الايراني الذي يهدد المنطقة بأسرها، فلو لم يجتمع الملوك و الرؤساء العرب في مثل هذا التوقيت ، فمتى يجتمعون؟ و أي مبرر لوجودهم من الأساس لو أنهم لم يتخذوا مواقف واضحة و فعالة تجاه كل هذا؟ اما السبب الثاني فهو استقلال القرار العربي ، فانا اتلقى تعليماتي من شعبي، من توجهاته و آلامه و آماله و طموحاته و ليس من الخارجية الأمريكية التي أعلنت عن عدم ترحيبها بقمة دمشق بشكل فج و غير مقبول ، فقمة دمشق شأن عربي ليس من حق الولايات المتحدة أن ترحب به أو ترفضه

سيدي ما هو تعليقك إذن حول ضعف التمثيل العربي من الدول المحورية؟ هذه قرارات دول مستقلة لا أتدخل فيها ، لكن لو أردت رأيي كمواطن عربي ، فانا ارى هذا الاحجام مخذلا و مخزيا ، فقادة دول مثل مصر و السعودية و الاردن و اليمن من واجبهم دوما ان يمثلوا شعوبهم ، فلو كان عدم حضور القمة معبرا عن رغبة الشعوب فلهم كل الحق في عدم الحضور ، و لو كان منفصلا عن نبض الشارع الوطني ، فعلى شعوبهم أن توضح لهم هذا بالطرق السلمية المعروفة ، اما لبنان و العراق فلكل منهما وضعها الخاص حاليا

فما تعليقكم حول مطالبة حماس الدول العربية باسقاط خطة السلام من جدول الاعمال و مناقشة الدعم العسكري لفلسطين؟ أي دعم؟ دعم توجهه حماس و فتح لشراء سلاح يواجهون به بعضهم بعضا في صراع على السلطة في بلد لم يوجد بعد؟ أننا نناقش المشكلة من أجل شعب فلسطين الحبيب و الذي أثبت كل من فتح و حماس عدم جدارتهم بقيادته ، ثم أن الحل العسكري لمشكلة فلسطين لا يمكن ان يكون جذريا ، نعم ، يجب استمرار المقاومة كما قاوم حزب الله حتى فرض الحل بتحرير الجنوب اللبناني في مطلع الألفية ، لكنها مقاومة ستختم على مائدة تفاوض بعد أن نثبت اننا قادرين على الحرب ، فالحرب مهمتها ان تثبت لعدوك أن بدائل السلام ستكون وخيمة عليه ، لكنها لا تنهي الصراع

20.3.08

المرأة في الإسلام من تاني-02


نواصل ما بدأناه في الإصدار السابق من هذه السلسلة ، للإدلاء بإجاباتنا حول القضايا التي أثارتها المدونة "قطرة المحيط" على مدونتها حول المرأة في الإسلام ، فبرغم أن صاحبة الأسئلة لم تشترك في الحوار ، إلا أن من اشتركوا و علقوا فيهم كل الخير و البركة، و أبدأ فأؤكد للمرة الألف ، ان ما أكتبه هنا، هو الاسلام كما أراه، و لا أدعي لنفسي ولاية و لا فضيلة ، و لست أدعي أنني داعية ، كأفنديات الفضائيات ، لكنني رجل مسلم ، عقلاني جدا، يقرأ في دينه كما في كل المعارف الانسانية قدر جهده و طاقته، فرأيي صواب يحتمل الخطأ ، و رأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، و أدعي أنه على هذا المبدأ سار رواد الاسلام الأوائل ، قبل أن نبتلى بـ "ملاك الحقيقة المطلقة" و هو التعبير الذي أعشقه للكبير الجليل الدكتور مراد وهبة ، و كالمقال الأول ، نكتب السؤال التي طرحته الأستاذة "فطرة المحيط" أولا ، ثم نجتهد في التفكير حول موضوعه معا
ليه العلاقة الزوجية فى الاسلام كأنها من طرف واحد ؟؟؟ ليه الزوج ميستأذنش زوجته لما يصوم؟؟ اشمعنى لو المرأة دعت زوجها للفراش ورفض يبقى عادى الملائكة مش هتلعنه ولا هيحصله اى حاجة؟

المشكلة الجنسية الشرق-عربية
أتفق معك أن هذا هو الانطباع السائد في الشرق العربي كله ، و ليس فقط بين المسلمين فيه ، فلو تأملت مفردات اللغة العربية المعبرة عن العلاقة الجنسية ، تجدين صيغة اسم الفاعل تعطى للرجل في فعل الجنس ، و صيغة اسم المفعول للمرأة ، و هكذا كانت من قبل ظهور الإسلام ، و حسب علمي فهي بالمثل في اللغة العبرية ، في اللغات السامية بشكل عام، ذلك أن المجتمعات السامية كانت في مجملها مجتمعات رعوية ذكورية ، ينظر فيها للمرأة على انها فرد مستهلك و غير منتج في المجتمع ، فمجتمع الرعي مهامة الاقتصادية لا تناسب المرأة بهذا الوقت، كالحروب على العشب و الماء ، و رعي الضأن و الجمال فرادى في الصحراء، فتكونت النظرة للمرأة كمتاع يملكه الأب ثم يسلمه للزوج ، و لو نظرت لنفس الفعل الجنسي في اللغات اللاتينية و الأنجلو-جيرمانية لوجدت صيغة الفاعل للرجل و المرأة معا ، و هي بهذا أدق تعبيرا عن فعل الجنس الطبيعي (لو استبعدنا الشذوذ السادي و المازوشيستي) لأنه فعل حواري يتم بين فاعلين و ليس به فاعل و مفعول به ، فاذن هي عادة و مفهوم عربي، و يكون السؤال هل أقر الاسلام ذلك؟ و الجواب عندي هو لا ، و ان كان عند بعض المشايخ ممن لا أرى رأيهم يجاب بنعم، فقد سأل الشيخ "يوسف القرضاوي" هذا السؤال، فتطوع بالاجابة بالايجاب، مبررا اجابته بما ادعى انه حقيقة علمية قائلا "فالمعروف علميا ان هذا الموضوع يطلبه الرجل و يرغبه أكثر من المرأة" و لست بحاجة أن أقول أن علم النفس الجنسي بريء من هذه الفتوى العلمية تماما ، فالعلم قد استقر على ان الرغبة متوازنة لدى كل من الرجل و المرأة، و الفروق فيها فروق فردية بين الرجال و النساء، و مع احترامي للقرضاوي فكلامه لا يثبت حتى مع حقائق الدين ، فضلا عن تهافته علميا، و لو فكر الشيخ و تدبر ، لوجد ان رسول الله قال لعثمان بن مظعون حين بلغه أنه يصوم النهار و يقوم الليل " أترغب عن سنتي؟" فقال عثمان: لا والله ولكن سنتك أريد ، فقال الرسول "فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وافطر وصل ونم" فهكذا أمر الرسول صحابته بمراعاة حق الزوجة في زوجها جنسيا ، ثم لننظر للفاروق عمر بن الخطاب يسأل ابنته حفصة "كم تطيق المرأة فراق زوجها" فتجيبه مجتهدة بأنها مدة أربعة أشهر ، فيصدر عمر أمرا بألا يغيب جندي عن المدينة أكثر من أربعة أشهر إلا لضرورة عسكرية قصوى، و كذلك نرى من المصطفى صلى الله عليه و سلم قوله " إذا أراد أحدكم أن يأتي زوجته، فلا يعجّلها، فان للنساء حوائج" و فيه نصح للرجال بتجنب سرعة انهاء اللقاء الحميم ، و التي هي من أكبر المشكلات الزوجية حتى اليوم و يمكن اجتنابها بالتدريب الذاتي ، فليس رسول الله ممن يجهل فطرة النساء و ان كان بعض شيوخنا اليوم يجهلون، كذلك سأل الإمام علي ابن أبي طالب ، إمام المتقين، لماذا يختضب؟ فأجاب "ان التهية ممّا يزيد في عفّة النساء، ولقد تترك النساء العفّة بترك أزواجهن التهية (التهيؤ للقاء زوجته بالتجمل) ، أيسرك أن تراها على ما تراك عليه إذا كنت على غير تهية؟" و قد استند الإمام علي في قوله هذا على القاعدة القرآنية الخالدة "ولُهن مثلُ الذي عليهنّ بالمعروف" و هي قاعدة تجعل أي حق ذكر للرجل في زوجته قرآنيا من حق الزوجة على زوجها بالتبعية ، فلو كان من حقه أن يأتيها أنى شاء، فمن حقها هي أيضا ذلك و لا ريب ، و لو كان كم حق الرجل عرفاً أن تتزين زوجته و تتهيأ للقائه، فمن حق المرأة وجوبا أن يتزين لها و يحرص على أن يكون مرغوبا منها ، و هذا أمر من الفطرة كما هو من الدين

أما حديث الاستئذان قبل الصوم ، فكان السائل فيه رجلا، قال أن زوجته تصوم النوافل و هو لا يصبر عنها ، فأوصى الرسول المرأة بعدم الصوم بغير اذن زوجها في النوافل ، و لو كانت الحال معكوسة لكانت الاجابة نفسها، لأن الرسول أوصى أصحابه بحق الزوجة هذا حتى دون سؤال ، فمن واجب الرجل المسلم ايضا ألا يصوم بغير إذن زوجته قياسا ، و وفقا للقاعدة القرآنية آنفة الذكر و كذلك حديث النبي لابن مظعون، اما حديث لعن الملائكة للمرأة ، فلا يقصد به طبعا أن تكون المرأة مريضة أو غير مهيأة ثم يغصبها الزوج على اللقاء الحميم ، فهذا مجاف للفطرة ، لكنه حديث يعالج آفة اجتماعية محددة ، فكم من سيدة تستخدم سلاح الجنس للضغط على زوجها ، بالامتناع عنه حتى يلبي لها بعض المطالب؟ فهذا سلوك رخيص و لا يليق بزوجة ، فالزوجة هنا تتصرف تصرفا يليق فقط بالعاهرات، و لا يشمل هذا المرأة التي يغضبها زوجها أو يهينها أول النهار ثم يريد ممارسة الحب معها في آخره ، لأن هناك نهي صريح من النبي و توبيخ على مثل هذا السلوك في حديث سنورده لاحقاً
الرجل الناشــــــــز
سألت عزيزتنا عما يحدث للرجل الناشز الذي لا يعاشر زوجته معاشرة الأزواج في الإسلام؟ و تساءلت لو كان الرجل محاسبا كذلك على هذا الهجر كالعقاب المعنوي للمرأة بلعن الملائكة الذي حدث عنه الرسول؟ و جوابنا هو نعم ، الرجل الناشز المعرض عن زوجته لمدة تزيد عن أربعة أشهر ، يحق للزوجة أن تطلب التطليق منه فورا ، و يتم هذا التطليق مع الاحتفاظ بجميع حقوق المرأة ، فهذا مختلف عن الخلع الذي يتم في حالة رغبة المرأة في الطلاق دونما سبب ملموس عند زوجها ، فهذا رجل إما غير قادر على أداء واجباته أو عازف عن هذه الزوجة، و في هذه الحالة لها أن تبقى زوجة شكلية لو أرادت و لها أن تطلب فتطلق بعد تمام الأربعة أشهر من الهجر ، و نحن في مجتمعنا نستخدم تعبير المرأة الناشز و لا نستخدم تعبير الرجل الناشز ، و هذا من ضروب الظلم الجنسي في الشرق العربي ، و لا علاقة له بالدين ، لان وصف الرجل الناشز موجود و مستخدم فقهيا

ما هو فعلي و ما هو تصويري في القرآن و السنة
هل موضوع لعن الملائكة للمرأة الناشز في الحديث الشريف محمول على لفظه؟ فيعني ذلك تفرغ الملائكة للعن هذه المرأة؟ أم أنه صورة تعبيرية لغوية لبيان كبر الخطأ و الترغيب عنه؟ و تكريه المرأة أن تقع فيه؟ نحن لا ننفي قدرة الله جل و علا ، على جعل الملائكة تلعن من يشاء وجوبا لو أراد، فهو على كل شيء قدير ، لكننا من مطالعة اللغة القرآنية ، نجد العديد من الصور البلاغية ، التي يرسم فيها الوحي الالهي صورة كلية للتأثير في وجدان المتلقي ، كتلك الصورة الرائعة "ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ" فهي صورة بلاغية عرفنا أنها غير حقيقية لأنها أتت على شكل التشبيه الذي يصرح فيه بالمشبه و هو نور الله ، و المشبه به و هو باقي الآية و حرف التشبيه و هو الكاف ، لكن في العربية من الاستعارات التصريحية و المكنية ما لا تظهر فيه الصورة البلاغية بهذا الوضوح ، فعلينا دوما أن نكون واعين لمنطق التشبيه و التقريب في الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية ، فليس كل ما يقال مأخوذ على حرفه فمن بؤس الفكر الوهابي أنهم قالوا بأن القرآن كله يفهم على حرفه، و ليس فيه مجاز ، و كان "عبد العزيز بن باز" و هو شيخ كفيف يتحدث حول هذا الموضوع يوماً، فاعترض عليه أستاذ من أساتذة جامعة الأزهر، حين كان الأزهر زاهرا بوجوه أساتذته الكبار ، و قال لابن الباز تعليقا أفحمه ، قائلا :على هذا فستبعث أنت يا شيخ عبد العزيز أعمى يوم القيامة ، لقول الله عز و جل "وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً" فارتج على بن باز و لم يملك له جوابا، فعلينا أن نذكر دوما امكانية المجاز لتعميق المعنى في القرآن ، لان المجاز من خصائص العربية التي نزل بها ، و كانت بلاغة البلغاء تقاس بعمق المجاز في انتاجهم الادبي نثرا أو شعرا و مدى قدرة هذا المجاز على ترسيخ المعنى المقصود

و مثال من أمثلة التباين بين التصوير و المعنى الحرفي، قول الله تبارك و تعالى "ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" فقد حدثنا القرآن في مطلع سورة فاطر عن أجنحة للملائكة، و نحن نفهم من الآية أن الله زود ملائكته بآلية للانتقال المادي تقوم مقام الجناح الذي نعرفه نحن في الطيور من حيث المساعدة على الطيران ، و لكننا لو فهمناها على كونها أجنحة كأجنحة الطير لكنا في ضلال بعيد من وجهين ، أولهما أن أجنحة الطير يستقيم بها فعل الطير مثنى و رباع ، لكنه لا يستقيم بثلاث ، ثانيا و هو الأهم و الأوضح ، أن الأجنحة و هي آلية للطيران تعتمد على مقاومة الهواء و الاندفاع عكس اتجاه رفرفة الجناح ، تصلح داخل الغلاف الجوي فقط لا غير ، و لا تصلح خارجه في الفضاء الكوني ، لذلك يجب علينا فهم التصوير القرآني حتى يستقيم لنا فهم آيات الله

ليه فى الاسلام لما الزوج يعوز يسيب زوجته بس بيقولها "انتى طالق طالق طالق" بسبب او من غير سبب، ولما الزوجة تعوز تسيب زوجها تبهدل فى المحاكم؟
العصمة بالتراضي
عصمة الزواج ، بمعنى الحق في حل الزواج تلقائيا و من طرف واحد، و بدون الاحتكام لأحد ، هي للرجل ، و كان الأساس في هذا أساسا من العدل الاقتصادي ، فقد كانت سنة المجتمع المسلم الأولى في الزواج ، و عليها سارت عادات العرب ، و مازالت في كثير من البلاد العربية ، أن الرجل يدبر منزلا، و يؤسسه ، و يدفع للمرأة صداق من مال أو جواهر تحتفظ به و لا تنفق منه شيئاً، و ليس من حقه أن يمسه بعد هذا ، و يشتري للمرأة ما تحتاج من ملابس و أدوات و غيرها، فلم تكن المرأة أو أهلها ، و مازالوا بأكثر الدول العربية ، تتكلف أي مشقة اقتصادية ، و عليه ، فقد اعتمد الشارع الأعظم على وضع العصمة بيد الرجل ، ما لم يتفق على غير هذا، حتى نتجنب ظهور محترفات زواج ، بشكل من أشكال النصب للاستيلاء على الصداق

لكن الأغلب من الفقهاء ، أجاز أن يوكل للمرأة شأن العصمة عند العقد ، او بعده بالاتفاق و التراضي، فاذا طلقت نفسها منه بكلمة أيضا صارت عليه حراما ، و ، و قال الشافعي عن سيدنا علي ابن أبي طالب أنه في هذه الحالة تكون الطلقة بائنة لا رجعة فيها ، و قال غيره من الفقهاء بل هي طلقة رجعية، يمكنهما المراجعة بعدها برضى كليهما، فالموضوع اذن من الممكن أن تشترطه المرأة لنفسها ، لو قبل الرجل ، و قد قال الامام مالك بجواز هذا الشرط من ضمن ما أجاز من شروط للزوجة أن تشترطها عند العقد ما لم تحل حراما
الخلع و الطلاق للضرر
أما الطلاق للضرر فهو طلاق للمرأة فيه أن تأخذ كل حقوقها الشرعية ، لأن زوجها لم يحترم قواعد المعاشرة بالمعروف ، فيحكم القاضي بطلاقها منه للضرر ، و لقد اعتبر بعض الفقهاء خصام الزوج لزوجته و عدم الحديث معها ضررا، فليس الضرر هو الضرب أو الايذاء البدني كما هو مشهور ، بل يشمل الهجر و الاهمال و الخصام و السب و الاهانة و غيرها ، ففي هذه الحالات ، يهدر الرجل حقه الزوجي على المرأة لما فعله بحقها ، أما المخالعة أو الخلع ، فهو مختلف في الشرع عنه في قانوننا ، فهو في القانون مثل الحل السريع لبعض السيدات اللاتي يحق لهن شرعا أن يطلقن للضرر، لكنهن يفضلن التنازل عن الحقوق المادية مقابل سرعة الخلاص من الوضع الزوجي المهين، أما شرعاً ، فالخلع مرجعيته الأساسية في واقعة زوجة "ثابت بن قيس" ، و التي اتت رسول الله فقالت "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ ‏أتردين عليه حديقته‏ ‏‏؟‏ قالت‏:‏ نعم" فلأن السبب كان مرتبطا بتغير مشاعر المرأة ، فقد احترم الاسلام هذه المشاعر ، و حكم في هذه الحالة برد ما كان الرجل قد قدمه للمرأة صداقا، حتى لا يقع على الرجل ظلم ، و حتى لا يستغل هذا المدخل من بعض المحترفات كوسيلة نصب شرعية، و خلاصة القول ، ان الرجل لو أساء العشرة ، فللمرأة ان تطلق و لها حقوقها ، فان كرهت ان تعيش معه دون اساءة منه، فلها ان تطلق ايضا و لكن ترد له صداقه، و هو موضوع لا يتطلب غير جلسة استماع واحدة يتأكد فيها القاضي ان الزوجة كارهة له و غير راغبة ، و ينصحهما معا ، ثم يمهلهما أياما ، فلو لو يتراجعا بمستند يطلق الزوجة و يحكم عليها برد ما أخذت ، فهو امر لا يستغرق أسبوعين لو طبق بهذه السلاسة ، و موضوع البهدلة في المحاكم مشكلة نظام في مصر و عجز في الادارة و ليست مشكلة تشريعات
ليه فى عقاب إلهى واضح وحازم للزوجة لو اخلت بمبدأ طاعة الزوج ، ومفيش اى عقاب للراجل لو اخل بالمبدأ وبهدلها؟ ليه القران قال للزوج يعمل ايه لو زوجته مبتسمعش كلامه او ناشز "عظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن" !! وماقلش للزوجة تعمل ايه لو زوجها مفترى؟
يرجع انتشار هذا المفهوم ، لفهم كلمة "ناشز" على أنها من لا تطيع زوجها ، لكن النشوز لغة هو الارتفاع و التمايز بالعلو، و من هذا قوله تعالى في سورة المجادلة "وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" فقد اتت هنا بمعنى القيام من المجلس ، و ليس العصيان بالطبع ، لان النشز هو التل المرتفع من الأرض ، و منه أتت هذه التشبيهات البلاغية، فالآية تحدثنا عن أسلوب معاملة زوجة تتكبر على زوجها و تتأبى عليه ، و لا يفوتنا أن مجتمع الوحي كانت لا تزال به بذور قبلية و عرقية ، كما هو الحال لليوم في الجزيرة العربية ، فتتكبر المرأة بقوة و منعة اهلها على زوجها و قد تعيره بان قبيلته أقل من قبيلتها و هكذا ، و قد يقترن بهذا الاستعلاء ، أن ترى الزوجة نفسها كثيرة على زوجها ، و هو ما يخشى منه ان يؤدي إلى خيانة زوجية ، لذلك جاءت الاشارة الى حفظ الغيب قبلها في نص الآية الكريمة "فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً" و لفظة " أطعنكم" في الآية تشير للطاعة في تغيير الأسلوب المتكبر، على أن استخدام الضرب قد انتفى اليوم كطريقة لمواجهة النشوز و ذلك لأنه يخالف المفهوم القرآني العام و هو مفهوم "المعروف" المتجدد و العظيم، و الذي علينا أن نتوقف عنده وقفة تليق بأهميته في ديننا
المعروف و المنكر ، من كنوز الدين الخاتم
المعروف لغة هو ما تعارف الناس على حسنه ، و فقها هو ما تعارف الناس على حسنه ما لم يحل حراما ، و في بعض المعاملات ، لم يامرنا الله بالتزام الحلال و اجتناب الحرام فقط ، لكنه تعالى أمرنا باتباع المعروف ، و ذلك لأنه متجدد عبر الزمان و المكان ، و من هذه الحالات ، التي يجب فيها اتباع الأساليب و الأعراف المقبولة و المحمودة في المجتمع و الوقت الذي نعيشه ، ما لم تحل حراما، معاملة الزوجات و حقوقهن سواء في حالة الاستمرار في علاقة الزوجية او انهائها بالطلاق، و معاملة الوالدين و صحبتهما في الدنيا بالمعروف وفقا لدرجة تمدن كل مجتمع ، فطريقة الكلام التي يقبلها والد من ابنه في نجد مثلا ، قد تعتبر جافية و غير مهذبة بما يكفي في سوريا، و هكذا ، نجد أن الآية التي نصت على وسائل ترويض الزوجة المتعالية ، لو تعارض أحد ما جاء فيها من وسائل مع المفهوم الاسلامي العام باتباع المعروف ، يغلب المفهوم العام المتطور الذي وضعه الله كآلية تطوير تلقائي في دينه الخاتم

و كمفهوم المعروف يأتنا مفهوم المنكر، فهو ما تعارف الناس على انكاره و سوئه في مجتمع ما و زمن ما و ان منع حلالا ، فمثلا، لا نستطيع القول أن كسر إشارات المرور حرام، و سيحتاج المشايخ الفضائيون لساعات يتحدثون فيها عن تعريض النفس للتلف و ما الى ذلك ليحصلوا على "رفية" تحريم ، بينما الواضح البين ، ان كل كسر لقانون المرور الذي تعارفنا عليه هو فعل منكر ، و كل اتباع لهذا القانون هو معروف ، فيطلب من المسلم أن يلتزم المعروف و يحرص عليه و يجتنب المنكر ، و عليه ، فلو كان ضرب المرأة جائزا ، كحد أقصى ، في زمن الوحي ، و هي عقوبة لم تكن قاصرة على النساء ، بدليل درة عمر بن الخطاب الشهيرة التي كان يضرب بها من يرتكب المخالفات المدنية، فليس من الممكن أن نقول بأنه بقي مباحا للزوج حتى الآن ، و الا أفقدنا الدين آليات تطويره ، و من يقول بأنه ليس من حقنا أن نمنع ما لم يحرم من الله و رسوله، فليرجع لما روي عن عمر بن الخطاب في مسند الإمام أحمد ، فقد روى عن جابر أنه قال "متعتان كانتا على عهد النبي (ص)، فنهانا عنهما عمر رضي الله تعالى عنه فانتهينا" فمن حق السلطة الزمنية في المجتمع المسلم أن تحدد المنكر من خلال القانون ، و هذا ما لدينا اليوم ، فالقانون يحرم ضرب الزوجة ، فهو حرام
هل شجع الإسلام على ضرب الزوجة حقا؟
فارق كبير شاسع بين التشجيع و الإباحة المسببة، فقد أباح الاسلام الرق ، لكنه جعل العتق أعظم ما يتقرب به المرء الى الله ، و أباح الخمر حينا ثم حرمها تدرجا، فالتغييرات الاجتماعية المفاجئة هي فكرة فاشلة بصورة عامة ، و لكنه أبدا لم يشجع على ضرب الزوجة ، و انظر لهذه الأحاديث عن الرسول لتعلم كم بغض الرسول في الضرب و كره فيه ، فمن يقرأ في طبقات "بن سعد" يجد أن الرسول كان ينهى العربان الأجلاف عن ضرب النساء ، فجادلوه بأن ذلك يفسد النساء و أطالوا الجدل، فقال لهم مغاضباً " أضربوهن و لا يضرب إلا شراركم" و هذه القراءة للنص تنم عن رفض الرسول لفعل الضرب، و قوله أخيراً اضربوهن و لا يضرب الا شراركم ليس معناه سماح بالضرب، و لكن معناه أن يتخير المرء لنفسه موقع الأشرار لو اختار أن يقهر زوجته بالضرب، كذلك لدينا أدلة كثيرة على تجريم الرسول لفعل الضرب، و منها قوله على منبره الشريف "لقد طاف الليلة بآل محمد نساء كثير، كلهن تشكو زوجها من الضرب، وايم الله لا تجدون أولئك خياركم‏" فها هو نبينا يقولها صريحة بأن من يضرب زوجته ليس بالكريم من الرجال، و لا بالخير الذي ينتظر منه الخير و البر، و قال صلى الله عليه و سلم في هذا أيضاً حديثين شافيين وردا في صحيح البخاري و مسلم على الترتيب، و هما "يعمد أحدكم فيجلد امرآته جلد العبد، ولعله يضاجعها من آخر يومه‏ لا يستحي" و الحديث الثاني "إني لأكره أن أرى الرجل ثائرا فرائص رقبته قائما على مريئته يضربها‏" فلدينا هذه الصحاح الشافيات، المواكبة لسنة الرسول المشرفة، حيث روي عنه أنه صلى الله عليه و سلم لم يضرب زوجة من زوجاته قط، و متماشية مع روح القرآن، و ما زال قينا من يقول أن المرأة تضرب كضرب الجارية للتأديب، أليس هذا بمدعاة للعجب؟
لقد نص القرآن على الحد الأقصى للعقاب ، و قال بعض العلماء أنه خاص بالمرأة التي يظن بها الخيانة في الخفاء، و ذلك لتعرض الآيات قبلها للنقيض و هو القانتات حافظات الغيب ، ثم كره الرسول في الفعل ، ثم تغير العصر ، و لم يعد لا الرجال و لا النساء ، فيما يفترض، في عصرنا بحاجة للايذاء البدني كوسيلة للترويض و التهذيب ، ففيم النقاش؟ و فيم ملء الدنيا و شغل الناس بالضرب بالسواك و ما اليه من أعاليل؟ يطرحون السنة النبوية لو حرمتهم من ضرب النساء، و يتمسكون بالقرآن ، و في مواقع أخرى يتعللون باتباع السنة و لو خالفت صريح النص القرآني الغير قابل للتأويل، و كأنهم على حياتنا و حياتهم يتآمرون و لا يشعرون

ليه كل ايات القران يبقى المذكر الاول "ذكر او انثى/المؤمنين والمؤمنات" إلا فى ايه واحدة "الزانية والزانى" ؟

تقديم المذكر على المؤنث عندما يذكران معا هما من تقاليد البلاغة العربية التي نزل بها القرآن، فليست من قواعد اللغة النحوية التي لا يمكن كسرها ، لكنها بلاغة يحسن اتباعها، لذلك اتبعت أغلب الآيات القرآنية هذا النهج ، و اختلفت الآية الثانية من سورة النور "ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ" ثم جاءت بعدها الآية التالية مباشرة بالترتيب التقليدي ، المذكر ثم المؤنث في قوله تعالى "ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ" ، و نحن نرى ، و الله أعلم بما أراد ، انه بدأ مرة بالانثى و مرة بالذكر ، لنفهم من ذلك اشارة الى ان فعل الغواية و التمهيد للزنى قد يأتي من الرجل حينا و من المرأة حينا ، على عكس ما تقول الأدبيات التراثية من أن المرأة هي التي تقوم بالغواية ، فلو بدأت الآيتان المتتاليتان بالذكر لكان ذلك اشارة لتغليب دور الرجال ، و العكس صحيح ، و الله أعلم

19.3.08

المرأة في الإسلام -01

نناقش اليوم الأسئلة الذكية التي سبق أن تكلمنا عنها ، و التي طرحتها المدونة "قطرة المحيط" في مدونتها المميزة ، و هو موضوع محبب إلى قلبي، فلقد بحثته بعد وفاة والدتي رحمها الله رحمة واسعة ، و كتبت فيه ، لأنني تعودت من هذه الراحلة الكريمة أن أحترم المرأة و أقدر دورها المحوري في حياتنا ، في حياة البشر جميعاً ، و الحق أقول ، انه لو كان لأحد أن يفخر بجنسه لحق للمرأة التي تدور الحياة حولها أن تفخر بهذا الجنس ، لكن بنهاية القول ، لا فضل لأحد منا في تحديد جنسه ، فلا مجال للفخر، و اليوم أناقش الأسئلة التي طرحتها العزيزة قطرة المحيط بعد أن سمحت لنا بمناقشة أطروحاتها الفكرية مشكورة ، و المقال الذي طرحتها به هنا لمن أراد أن يطلع عليه قبل قراءة المناقشة ، و عنوان المقال المتميز هو "عشر تساؤلات و حقيقة وحيدة" و أنا هنا أرى مختلفا معها ، أن هناك دوما أكثر من وجه للحقيقة ، مع كامل احترامي لفكرها و طروحها، لكن الفكر الديني في أي دين ، هو فكر يحتمل العديد من الأوجه ، و كل منا يستقي منه وفق المورد الذي يرد منه الماء

محدش ينكر ان الاسلام رفع مكانة المرأة ، ولكن هل رفعها كفاية لتكون على نفس مستوى مكانة الرجل؟
و هذا سؤال شيق ، و ذكي ، لأنك ستجد الكثير ممن يدعون العلم بدين الله و يملأون الفضائيات صياحا و ضجيجا يجيب عن هذا السؤال إجابة تؤكد معناه ، و محتواها أن المرأة و الرجل لا يستويان مكانة ، و ان هذه هي إرادة الله عز و جل ، و هو ما نراه خطأ و ضلالا أوقعنا فيه مشايخ الفضائيات من ضمن ما أوقعونا فيه من إشكاليات و شبهات و حيرة ، و الإجابة السديدة برأينا هي نعم ، لقد ساوى الإسلام في المكانة بين الرجل و المرأة ، و لو نظرنا لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم "النساء شقائق الرجال ، لا يكرمهن إلا كريم و لا يهينهن إلا لئيم" لرأيناه صلى الله عليه و سلم يعطي إقرارا مباشرا بالمساواة في قوله "شقائق" مما يعني لغة الندية مع الحميمية ، فهي ندية لكنها ليست ندية التناحر و الشجار ، لكنها ندية التقارب و التكامل، كذلك لو نظرنا لنص الآية الكريمة من سورة البقرة "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" لوجدنا نموذجاً آخر لعلاقة التبادلية الندية و الحميمية من القرآن الكريم، و حتى نتمم الإجابة عن مكانة المرأة في الإسلام ، لابد لنا من بحث النصوص التي قد يفهم منها غير ذلك ، ثم نرى فهمها الصحيح على عكس ما هو سائد في أدبيات شيوخ الفضائيات التي يستقون منها علومهم ، أو نتأكد من صحة نسبتها للنبي لو كانت تنسب للحديث الشريف

هل أخرجت حواء آدم من الجنة؟
قضية الخلق الأول كانت لعدة قرون مثار اهدار لمكانة المرأة ، بسبب الخلط الشائع الذي نتج من النظرة الكاثوليكية للمرأة على أنها كانت مدخل ابليس إلى آدم ، وفقا لنص العهد القديم ، و الذي نص أيضا على أن علاقة المرأة هي علاقة تبعية لزوجها و على أن معاناة الحيض ليست ضريبة طبيعية للأمومة و لكن عقاب إلهي لهذا الذنب ، يأتي في العهد القديم بعد عقاب إبليس مباشرة! لكن القرآن أتي بنظرة مغايرة تماما لهذه النظرة، فالخطأ فيما نفهمه من القرآن كان خطأ مشترك وقع فيه الزوجان معا على قدم المساواة، و من ذلك قوله تعالى "فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ" و قوله تعالى "وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" و كذلك قوله "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ" فالقرآن لم يحمل حواء هذه المسئولية وحدها ، و انما مشتركة مع آدم ، فاذا انفرد في الخطاب بأحدهم انفرد بآدم




شهادة المرأة قضائياً
يثار اللغط اليوم حول آية شهادة المرأة في المعاملات التجارية من سورة البقرة "واستَشْهدوا شهيدين من رِجالِكم ، فإن لم يكونا رَجُلَيْن فرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرضَوْن من الشُّهداء ، أنْ تَضِلَّ إحداهما فَتُذَكِّرَ إحداهما الأخرى" و نحن نرى أن هذه الآية الكريمة مرتبطة بالحالة الذهنية للمرأة في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي، تلك المرأة الأمية، قليلة الاحتكاك بالمجتمع، قليلة الخبرة بالناس، و نظراً للحرص على دقة الشهادة تكون الإثنتان من هذه النوعية بمقام الواحد من الرجال في هذا العصر، و قبل أن يتشنج متشنج بقوله (يا عدو الله، كتاب الله صالح لكل زمان و مكان) نقول نعم، و لكن الله عز و جل بين لنا بقوله تعالى "هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" أن بعض آيات الكتاب و التي تعبر عن روح الدين و عن سنة الله في كونه هي آيات ثابتة و صالحة لكل زمان و مكان، فهي آيات لا تحتمل التأويل، و لا يتغير فهمها من عصر إلى عصر، لأنها الآيات الخاصة بنقاء العقيدة و ما يعين الإنسان على سلوك مسلك الباحث عن الحقيقة في حياته، و مسلك خليفة الله في أرضه، المتعاون مع بني جنسه لمهمته الأزلية في إعمار الأرض، و أما المتشابه منها، فهي الآيات المتعلقة بحياة الناس اليومية و التي تعرضت للتغيير و التطوير في حياة النبي (ص) و ذلك بالنسخ، عندما نسخ الله بعض أحكام القرآن بأخرى مع تغير و تطور مجتمع المدينة المنورة و تغير التوازنات الإجتماعية و السياسية فيه، كما كانت هذه الآيات الحياتية المتشابهة موضع إجتهاد من الرسول (ص) و من خلفائه الراشدين، فحد السرقة مثلاً في القرآن لا يرد فيه إستثناء، و لكن الرسول أوقف العمل به في الحرب و أوقف "عمر بن الخطاب" العمل به أثناء المجاعة، كما أن الآية المحددة لأنصبة توزيع الزكاة آية صريحة واضحة، و لم يمنع هذا "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه من حذف سهم المؤلفة قلوبهم حين اشتد عود الاسلام و استغنى عن شراء ولاء الاعراب المحيطين بالمدينة المنورة لتجنب خيانتهم ، فدور الآيات المتشابهات و سبب بقائها بكتاب الله أنه يتعين علينا أن نفهم منها روح الدين و توجهه العام في كل زمان و مكان، ثم نجد لعصرنا ما يتوافق معه، فنفهم منها روح القانون، و هذا ما فعله الفاروق "عمر بن الخطاب"، حين هدد السيد الذي يجوع عبده حتى يسرق بقطع يد هذا السيد الجائر، فالحدود هدفها منع الطغيان، و منع تهديد الفرد للجماعة، هكذا فهمها الفاروق، و هكذا يجب أن نفهم دور تلك الآيات المتعلقة بالأمور الدنيوية، و التي حدثنا رسولنا العظيم يوماً فقال "أنتم أدرى بشؤون دنياكم"، فالله قد بين لنا طريق الصواب بقرآنه الحكيم، و ترك للإنسان المكلف بالتفكير مهمة القيادة على هذا الطريق على حصان في عصر النبوة أو طائرة في عصرنا

و التفسير الذي أتى به المفسرون من السلف لآية المرأتين لم يعد صالحا في زماننا ، و هو موضوع أن المرأة من طبيعتها النسيان، و بذلك يكون التعليل هو تذكير الواحدة للأخرى، لأن علم النفس أثبت العكس، فالمرأة لها عقلية تنفيذية شديدة الولع بالتفاصيل مقارنة بالنظرة الكلية المجملة للرجل، و هذا يجعلها شاهدة لا تبارى لو توفرت لها التجربة و الإحتكاك الحياتي الكافيين، و إنما احتاجت لمن تعين و تذكر و تتمم الصورة في عصر نزول الوحي، لما ألم بها في هذا العصر من التهميش الذي أجاده المجتمع البدوي الذكوري، و حاربه الإسلام الذي حرص على أن يخرج المرأة في رأينا من ظلمات الجاهلية إلى نسيم الحرية تحت لوائه ، و عليه نقول، أنه من واقع فهمنا هذا، فالآية الكريمة في شأن شهادة المرأة جوهرها تحري العدل، و النظر للحالة العقلية للشاهد و تقدير قيمة شهادته من واقع حالته الذهنية ، فلا تستوي شهادة الطفل القابل للايحاء بشهادة البالغ، و لا تستوي شهادة ريفية أمية مع شهادة زوجها الحاصل على مؤهل ، و هكذا، فالامر لا علاقة له بجنس المرأة و لكن بحالتها الذهنية العامة ، ثم ان المرأة أصبحت قاضية و تقوم بعملها جيدا ، ففيم النقاش؟

درجة الرجال على النساء
كم منا يسيء فهم الآية الكريمة "و لهن مثل الذي عليهم بالمـــــــعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم" ؟ كثيرون فيما أعتقد ، فهذه ليست درجة تميز و لا شرف ، لكنها درجة تسامح و رحمة ، و قد فسرها "ابن عباس" رضي الله عنه بالتفسير الوحيد الذي نراه مقبولا حين قال: الدرجة التي ذكر الله تعالى في هذا الموضع، هي الصفح من الرجل لإمراته عن بعض الواجب عليها وإغضائه لها عنه مع أداء كل الواجب لها عليه، رحم الله "ابن عباس" بهذا القول الحكيم، فقد شاءت رحمة الله خالق الذكر و الأنثى، أن يبين لنا واجبات كل من الزوج و الزوجة نحو شريك حياته، ثم يوصي الرجال بالصفح عن بعض الحقوق، و ذلك لعلمه جل جلاله أن المرأة تمر في بعض الأوقات و الأحوال الجسمية المتعلقة برسالتها كأم، بأطوار قد تكون فيها مرهقة الجسد، أو مرهقة الذهن، أو سريعة الإنفعال لدرجة قد تمنعها لبعض الوقت من اكتمال واجباتها كزوجة، فأما الرجل، فعليه في مثل هذا أن يتجاوز و لا يتشدد في طلب حقوقه، كما لا يحق له أن يواجه التقصير من جانبها بتقصير من جانبه، حيث لها من الأعذار الفيسيولوجية ما ليس له، ثم أنها تتحمل من المعاناة في عملية استمرار النوع ما لا يتحمل ، فيا مشايخ الفضائيات و أئمة الزوايا، هذا الشرح موجود مع الشروح التقليدية التي توردون في كتب التراث ذاتها، فلماذا لا تستمعون القول فتتبعون أحسنه؟

نظام المواريث و ما يرتبط به
قال تعالى في سورة النساء "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "، و هذا حق جعله الله للأبناء من الذكور، و ربطه إلزاماً بواجبات عديدة، فقد فصل الإسلام الذمة المالية للزوجة عن زوجها، و جعل عليه ما يلي: أن يتكفل بكل ما تحتاجه هي و أبناؤها كفالة تامة وفقاً لمستوى دخله و المستوى الإجتماعي للأسرة، بما في ذلك أن يستأجر لها مرضعة لو أرادت ، و كذلك من يساعدها في تدبير المنزل، و جميع ما تحتاجه الزوجة مكلف به الرجل حتى لو كانت ذات مال، فلو عجز الزوج مؤقتاً و إضطر للإقتراض من مال زوجته، فيشترط الشرع رضاها أولاً، فاذا رضيت و طابت نفسها و دون ادنى استخدام لسيف الحياء، يصبح هذا القرض دينا يؤديه لها حين ييسر الله له مهما طالت المدة و كبر الدين، و لو مات و لم يؤده، يقتطع من تركته قبل توزيع المواريث كأي دين آخر لمصرف أو لشخص، أما لو عجز الزوج عجزاً دائماً عن الكسب و الإنفاق، و أرادت الزوجة أن تنفق على نفسها و أبنائها، مع عدم إحتمال الرد لعجز الزوج، كان لها عند الله بما تنفقه حتى على نفسها صدقة

لقد فصل الإسلام إذاً فصلاً كاملاً بين الذمة المالية للزوجة و الزوج، فلماذا لم يقر ديننا بمبدأ التعاون بين الزوجين في الإنفاق ؟ نحن نرى أن هذا كان قمة العدل في الإسلام، فمع الظروف الإجتماعية التي إحتاجت لإباحة تعدد الزوجات، و مع الوجود المؤقت لإمكانية شراء الجواري، و التي نرى أن الإسلام أباحها ثم قضى عليها تدريجياً حتى لا يتسبب التحرير الفوري في أزمة بطالة و تشرد حادة، كان من الظلم أن تنصهر الذمتان الماليتان، ثم تجد المرأة زوجها يتزوج باخرى أو يتسرى بجارية، ربما من مالها، فأي إحساس أقسى من هذا؟ كما أن الإسلام أباح الطلاق للرجل، و الخلع للمرأة، و حدد الحقوق المالية للطرفين في هذه الحالات، و لأن الإنفصال برغبة أي من الطرفين منفرداً أمر وارد، كان لزاماً أن يحتفظ كل منهما بذمة مالية مستقلة. فحق الرجال قانونيا في وراثة الضعف، يجب أن يقوم امامه الزام قانوني للرجل بكفالة الزوجة و غيرها من النساء من أهله ممن لا عائل لهن غيره، و أمامنا في عصرنا الحالي أمر من إثنين لا ثالث لهما، إما أن نعود لإلتزام الرجل بواجباته المنوطة به مقابل حق وراثة الضعف، او أن نوحد بين الرجل و المرأة في الإرث، و نحن نرى ان الأولى بنا أن نتبع وصية الله بأن يتحمل الرجل واجبه مقابل حقوقه، أما ما يحدث الآن من توريث غير متكافيء، و قابلية طلاق من طرف واحد، و قابلية تعدد زوجات من مال الزوجة أحياناً فهذا ما لا يرضاه عدل الله جل و علا

أحاديث خلافية و مجرح في صحتها
أورد مسلم في صحيحه عن رواية أبي هريرة "ثم يقطع الصـــــــلاة المرأة والحمار والكلب" و للحديث صيغة أخرى تضيف لهؤلاء الثلاثة عناصر أخرى و هي اليهودي و المجوسي و الخنزير !!! فيا رسول الله سامحنا فيما افتراه بعضنا عليك، و هذا الحديث حسبنا فيه ما ردت به أم المؤمنين عائشة حين سمعت ما قاله أبو هريرة قائلة: "عدلتمونا بالكلاب والحمر؟ إلى أن قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته" ، فلو كان أبو هريرة قد لازم النبي ثلاث سنوات و روى عنه آلاف الأحاديث ، مما شكك الصحابة وقتها في صحة ما يرويه، و دفع فاروق الحق "عمر بن الخطاب" في خلافته لأن يمنعه من الرواية عن رسول الله ، فهذه زوجة النبي التي فاضت روحه الكريمة في حجرتها تدحض ما يقوله ، كذلك يتعارض الحديث مع العديد من أحاديثه صلى الله عليه التي كرمت المرأة ، و يتعارض مع النص القرآني " ولقد كرمنا بني ادم" فليس من التكريم أن يتساوى البشر مع الكلاب و الحمير ، و أخيرا عدم قبول منطق نقض الصلاة بمرور كائن حي امام المصلي، فمن يضمن للمصلي في أرض زراعية عدم مرور حمار أمامه، و ما هو الحد الادنى من الامتار اللازم لاعتبار ان هذا الحيوان مر أمامه و لم يمر بعيدا؟ ثم في روايته الاخرى، هل يتحرى المرء لو صلى بمكان عام عن كل من مر أمامه مخافة أن يكون يهوديا أو مجوسياً؟

و يروي البخاري عن رسول الله أنه قال " ما أفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة " و الحادثة التي يرد بها الحديث تثير الشكوك حول صدق نسبته للنبي الكريم، و قد روي هذا الحديث في سياق رد النبي (ص) على أخبار أتت من بعض القادمين من فارس، عندما سألهم الرسول عمن يلي أمر الفرس، فقالوا "إمرأة" ، فرد النبي بهذا الحديث، و الذي عده الرواة نبؤة صادقة بهزيمة الفرس بعد هذا بسنوات، و هذه واقعة يثبت تاريخ الدولة الساسانية أنها مكذوبة على رسول الله، فقد حدثت هذه الهزيمة على يد إمبراطور رجل هو "خسرو الثاني" أو "كسرى الثاني" كما صحفها العرب، و كان ذلك في موقعة "نينفي" أو "نينوى" كما صحفها العرب أيضاً، و كان ذلك في عام 627 م، قبل أن تجلس أية ملكة فارسية على العرش ، ببساطة لأن الملكتان الوحيدتان في هذه الدولة كانتا " بوران-دوخت" و هي ابنة "خسرو الثاني" الذي خسر المعركة، و لم تتول الا بعد هزيمته و وفاته، فحين تولت امرأة أمر الفرس كانوا مهزومين بالفعل ، و بعدها "آزامي دوخت" اختها و لم تستمر الا لبضعة أشهر

كذلك يروي البخاري عن الرسول أنه قال "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، و الشؤم في ثلاث: الفرس والمرأة والبيت" فهذا حديث يناقض أوله آخره!! كما أن البخاري نفسه يروي بعده مباشرة رواية أخرى للحديث تقول "كان في الجاهلية الطيرة من الدار والمرأة والفرس" و نحن نظن أن هذا هو الحديث الصحيح ، ففيه يحكي الرسول عن عادة خاطئة من الجاهلية و لا يقرر حقيقة ، و بهذا ينسجم الحديث مع غيره من أحاديث رسول الله التي نهت عن التشاؤم و التطير ، فما لنا لا نعمل العقول في تراثنا يا أمة المسلمين؟

أما الأحاديث التي تروي ، و هي أربعة ، عن موضوع أهل النار و أن أكثرهم من النساء ، فهذه مردود عليها من كتاب الله و من سنة النبي بعدة أدلة ، فمن ذلك قوله تعالى "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" و قوله تعالى "من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" و كذلك قوله "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" و أخيرا قوله تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" فهذه أربعة آيات نرد بها الأحاديث الأربعة ، و غيرها بكتاب الله كثير، فلو نظرنا لحديث رسول الله ، لوجدنا منه قوله صلوات الله عليه "ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينه على آخرته" فهل يستعان بأهل النار على الإحسان في الدنيا لتعيننا في الآخرة؟ و كذلك قول الرسول "إذا صلّت المرأة خَمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئتِ" فهل من يقول بهذه الأحاديث يقول بأن أكثر أهل النار من النساء؟ أفلا نتق الله يا مشايخ في رسولنا الذي نسبنا اليه الكثير ظلما و عدوانا؟

و هناك خلاف هذا أحاديث كثيرة ، منها ما أثبت الامام الألباني ضعفه و تهافته ، بعد أن ظل يروى في كتب الحديث و ما زال لقرون عديدة ، و منها ما يروى كحديث و هي لم تنسب يوما للرسول لا بالعدل و لا بالافتراء، و كما نقول دائما، الحديث ظني الثبوت، فاذا وافق القرآن و سنة النبي إجمالا و سلامة الفطرة تفصيلا ، يقوى عندنا الظن بنسبته للرسول الكريم ، و لو كان خلاف ذلك ، فاغلب الظن فيه أنه مكذوب، لهذا كان الرسول يمنع من يريد أن يكتب عنه حديثه ، و كذلك فعل أبي بكر و الفاروق عمر ، بل أن الفاروق نهى بالتحديث عن رسول الله لان القرآن لم يكن مكتوبا بعد، و لعلمه أن الله لم يتعهد بحفظ الحديث بعيدا عن الاختلاق و الافتراء

ليه المرأة فى الاسلام دايما مفعول به ومتنفعش تبقى فاعل؟
و في الرد على هذا السؤال ، نسوق أمثلة من كتاب الله تدل على كون المرأة فاعلة أصيلة في القرآن ، و من أمثلة هذا في "مريم بنت عمران" قوله تعالى "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" و قوله "وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ" فهذه إمرأة وصلت من درجة الشفافية الروحانية ما لا يصل إليه الرجال، و ما يتعجب منه نبي الله زكريا نفسه ، فهذا في قدرة الفعل من حيث العبادة و التقوى و القوة الروحية ، فكذب الله بذلك ظن والدتها التي كانت قد نذرت ما في بطنها لعبادة الله ، إذ قالت بحكم البيئة الرعوية التي عاشت بها "وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ" لكن الله أثبت بواقع حال مريم إمكانية تفوق المرأة على الرجال في التقوى و القوة الروحية

كذلك يحدثنا القرآن عن إمرأة فرعون التي ضربت مثلا في عدم التأثر بالوسط المحيط بها و التمايز عنه في قوله تعالى "وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ " و كذلك قوله تعالى "وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ " فتبرأت من محيط الشر المحيط بها و من عملهم ، كذلك كانت قدرة المرأة على الشذوذ بالشر في محيط من الخير دليلاً آخر على قدرتها على الفعل المستقل " ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ" و أيضاً يحدثنا القرآن عن بلقيس ملكة سبأ في قوله تعالى "إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ" ففي تعبيره أوتيت من كل شيء بيان لقدراتها كملكة مكينة في قومها ، كما أن القرآن نوه في نفس السورة عن طبيعة الحكم الديمقراطي القائم على الشورى الذي كانت بلقيس تتبعه ، و من هذه الأمثلة تتبين لنا قدرة المرأة على الفعل في شأن الدنيا و القوة على العمل المادي و الحكم

ليه المرأة مكتوب عليها تبقى ديل لـولي راجل؟ متسافرش من غير راجل ، متتجوزش من غير اذن ولي ...الخ؟
و هذا سؤال لا نلوم فيه صديقتنا قطرة المحيط و لكننا نلوم التفسيرات التراثية لمفهوم القوامة الذي أتي به القرآن ، و ملأ به دعاة الفضائيات الدنيا و شغلوا الناس، و ليتهم ملأوا الدنيا بفهمه السليم ، اذا لنفعوا الناس ، لكنهم نشروا الفهم الوهابي المغلف بالبداوة للنص القرآني الكريم ، و فيه يقول الله تعالى "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" و هذا لمن يفهم معنى القوامة لغة، هو بمثابة تكليف للرجال و ليس تشريفا و لا رفعا في القدر و المكانة فوق المرأة ، و ليس حقا يكتسبه الرجل على المرأة بحق إنفاقه عليها كما يدعون، و تأتي مشكلتهم من فهمهم لمعنى القوامة، و فهمهم لمعنى "بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" و علاقة ذلك بالإنفاق

أما معنى القوامة فهو برأينا و فهمنا اللغوي، أن يكون الرجل قائماً على شؤون زوجته، و هو هنا يكون معادلاً موضوعياً للأب من إبنته، مهتماً بأمرها، مشاركاً لها و ناصحاً، مشغولاً بما فيه خيرها و خير أسرته، غافراً لهفواتها، مقدراً لمواهبها، مشجعاً لها على ما فيه الخير لها، و قد نمتد بفهمنا لللآية لتشتمل على مسؤولية الرجل عن كل النساء من أهل بيته، أماً و أختاً و زوجةً و إبنة، فالقوامة في فهمنا هي إحتواء أبوي و ليست تسلطا ذكريا، فأما "بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" و علاقتها بما قبلها، فنرى فيه غير ما رأى المفسرون الأوائل و الأواخر من المتأثرين بالثقافة العربية في مجتمعنا الذكوري، ففضل الله الذي أعطاه لبعض الرجال و الذي نراه معنياً هنا، هو الإنخفاض النسبي لإنفعالات الرجال و إنفجاراتهم العاطفية – و نعني هنا الناضجين منهم – و قدرتهم على التحكم العقلي في المشاعر مقارنة بالمرأة، فليس الأمر أن الرجل أرجح عقلاً، فقد أثبت العلم و تجربة القرنين العشرين و الواحد و العشرين بطلان هذا الزعم، و لكن أحد الخصائص النفسية التي خص الله بها الرجل للقيام بمهامه الكونية بما فيها القوامة هي خاصية الإنتظام العاطفي النسبي، و نؤكد أنه نسبي، مقارنة بالمرأة، فمن المطلوب من الرجل أن يرعى زوجته في الملمات و المواقف الحرجة داعما لها أو مواسياً، و ذلك بما وهب كثير من الرجال من ثبات عاطفي، و مما ميز الله الرجل به عن المرأة تفوق الرجل العضلي في أغلب الرجال على أغلب النساء، و هنا يطلب من الرجل أن يقوم على ما يحتاج لهذه القوة البدنية من شأن زوجته، مساعدا و معيناً لها بغير تأفف، فالأمر ليس مميزات تفتضي منح الرجل رتبة أعلى، و لكن مزايا يأمر الله الرجل أن يوظفها لرعاية زوجته، و نص الآية الكريمة يذكر الرجل أنه ليس وحده ما يوظف قدراته لدعم زوجته ، بل هي الأخرى توظف مميزاتها من العطاء و الحنان و الحب لسعادة الأسرة كلها، و إلا لقال تعالى (بما فضل الله به الرجال على النساء) لكن اللفظ القرآني " بعضهم على بعض" يفيد معنيين اثنيين ، الأول أن التميز متبادل بين الرجال و النساء ، و الثاني أنه تميز نسبي ، فمن الرجال من لا يملك ثباتا و لا رباطة جأش ، و قد تفوقه زوجته في هذا، فيكون من واجبها أن تعينه فيه ، فهي علاقة تبادلية متغيرة

فأما علاقة الثبات و القوة العضلية و الإنفاق بعدها في الآية الكريمة بالقوامة قبلهما، فنختلف فيه –مع احترامنا- مع كل إجتهادات السلف في فهم النص، فنراه علاقة تفصيل و ليس علاقة تعليل و تبرير، أي أن معنى الآية كما نراه يكون: الرجال يقومون على رعاية النساء، و يستخدمون في هذه الرعاية ما خصهم به الله من ثبات عاطفي في الشدائد و من قوة بدنية تتحمل ما لا تتحمله المرأة من بعض المشقات، و ما يرزقهم به الله من خير يوسعون به على أهلهم من النساء كواجب أصيل من واجبات الرجل نحو أهله من النساء، بينما ترى التفاسير السلفية معنى الآية بشكل مغاير لتكون: الرجال متسودون على المرأة بحق التفوق العضوي و العقلي و النفسي الذي خصهم الله به، و بحق أموالهم التي ينفقونها على النساء، لذلك وجب على المرأة أن تخضع لوصايتهم الكاملة، فيكون المعنى خضوع أنثوي مقابل القدرات و التمويل الذكري، و هو فهم للآية الكريمة أثرت فيه بيئة و ثقافة المفسرين من السلف مع تقديرنا لجهدهم، و قد كانت علاقة الرجل و المرأة في ثقافتهم علاقة يسيطر عليها القهر كما سيطر على كافة العلاقات الإنسانية في زمنهم

فأما السفر ، فلها أن تسافر بغير ولي في رأي أغلب العلماء عدا الوهابيين و السلفيين ، فموضوع السفر مع الزوج أو أحد المحارم هو موضوع كان يقصد منه تأمين المرأة ، و لذلك دارت الأحاديث التي تروى فيه لو صحت عن السفر مسيرة يوم فأكثر ، و هذا لطبيعة السفر في هاتيك الأيام و مخاطره الني كانت كبيرة على الرجال و أكثر على النساء، فاعتاد الناس ألا يسافروا الا في تجمع من القوافل ، و هذا امر انقضى اليوم و الى الابد ، و حتى السعودية الوهابية اضطرت لمخالفته و القبول بوجود طبيبات و مدرسات و غيرها بغير محارم ، لأنه موضوع غير عملي في عصرنا، كذلك زواج الأبكار ، كان يتم دائما في عمر أقل من عمر الرشد بتقاليد تلك الأيام ، فكان الولي شرطا لضمان عدم خداع القاصر و التغرير بها تحت اسم الزواج، و قد أجاز الكثير من العلماء زواج البكر الراشدة بغير ولي ، و ساقوا في هذا العديد من الأدلة

فهذه ثلاثة ناقشناها ، و قلنا فيها برأينا الذي نراه حقا ، و لا ندعي أنه الحق ، و بفهمنا الذي نفهمه من الإسلام ، و لكننا لا ندعي أنه الإسلام، و الله أعلم، و في المقال اللاحق ، نجيب بقية الأسئلة التي طرحتها الصديقة قطرة المحيط ان شاء الله و كان في العمر بقية