
لعالم القراءة المسحور كان الأدب الشعبي المصري، من خلال شخصية بسيطة كانت مؤثرة جدا في شخصيتي، كان رحمه الله يحمل كل صفات الفلاح المصري الضاربة في القدم، عفة النفس، التحايل على العيش، الرضا بالقليل، الابتسام في وجه الحياة برغم مصاعبها، الأمانة و الوفاء و الاخلاص، حب الجمال في كل شيء، إنه عم "محروس مبروك السوداني" حارس العقار في طفولتي، فلاح مصري من قرية بلانكومة بمركز قلين في محافظة كفر الشيخ، كان سائقا في القوات المسلحة المصرية قبل تقاعده إثر حادث سبب له ألما مزمنا في ظهره، كان رحمه الله عاشقا للتراث الشعبي المصري، و قد جمع في عقله الفطري الكثير منه أثناء تجواله في ربوع مصر مع الجيش، حكى لي السيرة الهلالية، و أسطورة علي الزيبق المصري و أطراف من سيرة سيف بن ذي يزن و التي ينطقها الفلاحون في مصر "سيف اليزل" و غيرها الكثير، مازلت أتذكر ليالي الشتاء، حين كان يطيب لي بعد الانتهاء من واجباتي المدرسية أن أنزل لغرفته البسيطة و أجلس بجواره على الحصير المصري، أستدفأ بالحرارة المنبعثة من وابور الجاز خليفة الكانون المصري الضارب في القدم، و مازلت أسمع صوته و هو يقول في وصف أبي زيد الهلالي
المصرية تختلف عن سيرة بني هلال في باقي الوطن العربي من مشرقه لمغربه، سواء في الحدث أو في لغتها الشعرية بالعامية المصرية، برغم وحدة شخوص الأبطال من أبو زيد الهلالي سلامة للزناتي خليفة ملك تونس و أبي سعدى، لخضرة الشريفة نسبا و فعلا، لدياب بن غانم، للجازية بنت السلطان حسن، لرزق الشجيع بن نايل أسد الهلايل، و ستجد دور المرأة فيها أكبر بكثير من دورها في السيرة التي تروى في الجزيرة العربية، فالمصري الذي كانت زوجته قرينته في العمل و البيت يختلف حضاريا عن البدوي الذي لم يكن يعتد الا بمن يحمل السيف و يحمي البيضة كما قال العرب قديما، فالسيرة الهلالية رمز لتواصل مصر مع محيطها الحضاري العربي و رمز لتفردها في هذا المحيط في آن واحدلماذا نكني في مصر من كان اسمه "حسن"
بكنية اجبارية هي "أبو علي"؟ و من كان اسمه يوسف بأبي حجاج؟ و من كان اسمه ابراهيم بأبي خليل؟ الأخيرتان أمرهما سهل، فابراهيم يدعى بأبي خليل نسبة لابراهيم خليل الله، و يوسف يدعى بأبي حجاج نسبة للحجاج بن يوسف الثقفي الذي علم بجبروته علامة واضحة في ذهن المصريين برغم عدم وجود علاقة مباشرة، أو نسبة للحجاج بن يوسف الثاني ملك غرناطة، لكن الأول هو الأرجح، لعدم وجود علاقة بالثاني، فقد خلد الحجاج في الذاكرة المصرية تحت بند الطغاة مع "قرة قوش" الذي كان وزيرا لصلاح الدين الأيوبي، أما أبو علي فحديثه يطول لأن شهرته أقل، فنحن نقول حسن أبو علي نسبة لنفس الشخص الذي سرق المعزة في الغنوة الشعبية، و هو المقدم حسن راس الغول
و الحكاية الشعبية تحدثنا عن المقدم "حسن راس الغول" الذي كان مصريا محبا لشعبه و أهله و منحازا لهم ضد عصابة الطغيان الممثلة في
الوالي، رمز السلطة في الخيال الشعبي، و المحتسب و هو رمز الفساد المالي فيه، فقد تمرد "حسن راس الغول" مقدم درك مصر، لأن أصله كان من طائفة العياق الشعبية، فتوات الشعب اللاعبين بالحراب و العيارين رماة الحجارة بالمقلاع، في عصر لم يكن المصري يحمل فيه السلاح إلا للهو أو رقص، و قد أزعج هذا التمرد الوالي و المحتسب فتعاونا مع "صلاح الكلبي" الطامح لمقدمية الدرك و دسوا السم لراس الغول في طعامه، ليتولى "الكلبي" مقدما لدرك مصر، أو وزيرا للداخلية بلغة اليوم، لتكتمل حلقة فساد السلطة و رأس المال بالسلطة التنفيذية المتواطئة معهما، تهرب "فاطمة الزهراء" زوجة راس الغول بابنها الرضيع "علي"، لتكون في حماية أبيها القاضي، و يشب "علي" و يصبح من الشطار، أصحاب الحيل و الألاعيب، ثم يعرف قصة والده و حقيقته فيبدأ في الانتقام، و من أهم موروثات الأدب الشعبي أن يتحلى البطل بالحيلة، و هو مبدأ ترسخ لطول الطغيان القاهر في مصر فلم يتخيل الناس التغلب عليه بغير الحيلة، و تدخل في إطار أعداؤه "دليلة المحتالة" و هي عايقة عراقية، تمتلك من الحيل ما لا يعرفه "علي" و متعاونة مع "الكلبي"، فيسافر الزيبق للعراق للقاء المقدم "أحمد الدنف" العايق العراقي الأكبر و المقدم "عمر العياري" العيار الشهير، و منهما يتعلم كيف يقاوم مكايد دليلة، و أغنية النهاية في مسلسل الزيبق لم تقل جمالا عن أغنية البداية، و كلماتها تقول
حكموكي ما حكموكي
برضه المصري مصري
و المملوك مملوكي
إوعي تباتي حزينة
يا حرة يا زينة
لو ربطوا إيدينا
بكرة نحرروكي
من السلطان و الوالي
و العهد المملوكي
الفن الشعبي المصري و الظلام الوهابي
دخل الإسلام مصر من أربعة عشر قرن تقريبا، فهل توقف عزف الناي يوما؟ هل اختفت الرسوم و الجداريات من حياة المصري يوما؟
الإجابة بالقطع هي لا كبيرة، فالناي حمل الشجن المصري قديما و حديثا، و الفن الشعبي المصري هو سليل نسب متصل من الفن الفرعوني و الفن القبطي، فمصر على خلاف غيرها لم تكتف في العصر الإسلامي بالنبات و الأشكال الهندسية، ظل المصري يدق بالوشم السبع على كف يده دون أن يعبأ لو كان أصل هذا الوشم رمز لمارمينا العجايبي، فمارمينا قديس مصري يقدره المصري بمصريته حتى لو أسلم، كذلك ظل المصري يدق على جانبي جبهته العصافير و لم يأبه لأصلها الوثني الأوزيري لأنه لم يعد يدقها إلا للزينة و احياء التراث المصري، و ظل يرسم صور الطير و الحيوان على بيته بالفريسكو بجوار صورة الكعبة و الجمل رمزا للحج، و لقد بقيت هذه العادة الشائعة في جداريات الريف المصري حتى ذهب أولاد الفلاحين لبلاد النفط مع السبعينات الظلامية، و عادوا ليقولوا لأهلهم المسلمون منذ قرون أنهم اكتشفوا أن هذه الجداريات معصية كبيرة، فكادت اليوم تنقرض، مع انقراض روقان الناي الذي أصبح اليوم غير مناسب لايقاع عصر السعار الاستهلاكي



























