19.7.08

انهيار برج بابل- 10-11-12

(10)
حديث السقيفة

أصغت لما رواه عن أحلامه وخواطره حولها، ومضت ساعة في المناقشة خلال تناولهما العشاء من سمك الوقار الذي تحبه وشرائح السبيط المقلي التي يفضلها، وبعد أن رفع النادل أطباق الطعام الفارغة، أخرجت من حقيبة يدها علبة سجائرها الرفيعة بالنعناع فأشعلت واحدة، ثم نظرت له نظرة ثاقبة كنظرتها حين تتحدث في أمر تراه مهما، وقالت: الأحلام تباديل وتوافيق من خبرات الماضي؟ ولا علاقة لها بالمستقبل
- لم أقل أنها رؤى ولا أني ملهم من السماء، أعرف تماما أنها عوادم عقلي الباطن، وكل ما رأيت فيها من مشاهد سبق لي تخيله من دراستي للمكان والزمان والشخصيات التاريخية، لكن كل هذه التخيلات قديمة ومستمرة منذ زمن بعيد، فلماذا بدأت الأحلام الآن؟
- ربما لفرط انشغالك بمواضيع بعينها، لاحظ أنك انتهيت لفورك من كتابك "النهروان أولا"، فلعل تفكيرك فيهم ومعايشتك لهم خلال تأليفه أوحى لك بما تراه
- رأيت الخوارج في حلم واحد فجر أمس، أما محتوى بقية الأحلام فلا يقع في نطاق كتابي، معظمها مرتبط بالفتنة الكبرى وجذورها وتوابعها
- السبب واضح يا صديقي، أنت تقريبا تعيش بعقلك الواعي بين حقبتين تاريخيتين، الأولى هي القرنين السادس والسابع الميلادي في جزيرة العرب، حقبة "محمد" ثم الراشدين ثم الفتنة الكبرى والدولة الأموية وكربلاء، أما الثانية فهي القرن العشرين في الشرق الأوسط، الستينات وزخم ثورة يوليو ثم التراجع الثوري في السبعينات
- طبيعي أن أنشغل بهاتين الفترتين، الأولى بحكم تخصصي الأكاديمي، والثانية لأن واقعنا المعاصر غرس فيها، فالخمسون عاما منذ الحرب العالمية الثانية وحتى التسعينات حددت مصير الشرق الأوسط اليوم وفي المستقبل المنظور
ابتسمت لتبريره وردت قائلة: رأيت أساتذة متخصصين في كل عصور التاريخ، وكل منهم مهتم بتخصصه، لكن حالتك مختلفة، أنت تعيش فعليا في هاتين الفترتين وعقلك سجين فيهما
أومأ برأسه موافقا وهو يقول: ربما كنت على حق
سألته عن حلمه بعلي بن أبي طالب وهو يكتب قبل الفجر، وهل له أساس من دراساته وتصوراته، فأجابها بأن مسحة الحزن على وجهه حين قام للصلاة قريبة من تصوره لحاله بعد وفاة الرسول، والمعروف تاريخيا أن الإمام اعتزل في بيته مدة بعد وفاته[1]، فربما كان المشهد خلال اعتزاله، وهذا يفسر عدم خروجه للصلاة في مسجد الرسول كعادته، سألته قائلة: اعتزل بسبب البيعة وميراث فاطمة الذي منعه عنها الخليفة الأول؟
ضحك وهو ينفذ بعينيه داخل عينيها وقال: لا يا مستشرقتي الباحثة عن الشبهات، ما قلته هو الفكرة الشائعة والتي لا أراها صائبة، فمن يعرف التركيبة الشخصية للإمام "علي" يدرك أن الهرب والاختفاء ليسا من شمائله، ولا يتفقان مع مواقفه التاريخية
هكذا علق "علي" قبل أن يستفيض في شرح واقعة السقيفة وموقف "علي" منها، وكيف رأى أنه الأحق بالخلافة من منطلق أن حجة المهاجرين على الأنصار هي حجته على الجميع، فقد كان مما قاله "أبو بكر" للأنصار فيها: "إن قريشا أحق الناس بهذا الأمر من بعد الرسول لا ينازعهم ذلك إلا ظالم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء"[2] كذلك قال "عمر" لمن اقترح تعيين أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار: "هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمورها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟"[3] .. وهكذا جعل الشيخان حجتهما لأولوية المهاجرين أنهم عشيرة الرسول، فكان "علي" يرى أن أقرب قريش للنبي هم بنو "هاشم"، وأقرب الهاشميين له بنو "عبد المطلب"، وأقربهم به صلة وأسبقهم للإسلام وأكثرهم بلاء فيه هو "علي"، ووافقه على هذا "أبو ذر الغفاري" و"سلمان الفارسي" و"المقداد بن عمرو" و"عمار بن ياسر"[4]، لهذا سماهم الشيعة بالأركان الأربعة، ومن وجهة نظر مغايرة، رأى "أبو بكر" و"عمر" أنهما كفوان له في الفضل والسابقة، وهما بعد ذلك أسن منه، لذلك فهما الأولى بالخلافة، وهكذا كان لكل فريق رأي ولكل رأي وجاهته .. سألته "ماري" عن تأخر بيعة "علي" للصديق[5]، فأجابها بأنه تأخر احتراما لمشاعر زوجته "فاطمة"، والتي غضبت من الخليفة بسبب أرض فدك، ودليل ذلك أنه بايع بعد وفاتها حرصا على وحدة الأمة واحتراما لرأي الأغلبية التي بايعت، ثم تكرر الموقف مع استخلاف "أبي بكر" لعمر، فاعترض الإمام على مبدأ الاستخلاف من سابق للاحق لأن رسول الله لم يستخلف، بل ترك الأمر شورى بين الناس، لكنه لم يعترض على شخص الفاروق بالطبع، ولم يصل الخلاف لحد التنافر والتخاصم، بل كان الإمام للفاروق خير ناصح أمين، ولم يغمطه الفاروق فضله، فولاه القضاء وردد ما يفيد بفضله أكثر من مرة على رؤوس الأشهاد .. هزت "ماري" رأسها موافقة ثم سألته عن النظرية المتواترة في بعض كتب التاريخ، والتي تدعي أن عليا اعتزل الناس غضبا من بيعة "أبي بكر"، فأجابها: هناك واقعة رواها المؤرخون[6]، وفحواها أن "أبا بكر" ندب "عمر بن الخطاب" لتفقد الغائبين عن بيعته وأولهم "علي"، فتوجه "عمر" لبيت الإمام والزهراء في جمع من الصحابة، وخير "عليا" بين الدخول فيما دخل فيه الناس أو حرق بيته بمن فيه! لكني أراها مقولة لم تختبر، فالزهراء كانت في هذا البيت الذي تدعي الرواية أنه هدد بحرقه، وحرق بيت فيه "فاطمة" عشية موت أبيها كفيل بإثارة فتنة تنهدم لها أركان الدولة، فلا أحسب الفاروق يفكر في أمر كهذا فضلا عن التهديد به، كما أرى العلاقة الوطيدة بين "عمر" و"علي" بعد ذلك لا تتفق مع هذا الخبر، وحسبنا رثاء "علي" لعمر بعبارة جامعة مانعة، تدل على فرط التقدير والمودة، قال فيها: "لله بلاء عمر، فقد قوَّم الأود وداوى العمد، وأقام السنة وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه، ثم رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقنُ المهتدي[7]"
- وعلى هذا فأنت ترى رواية التحريق مكذوبة؟
- مبالغ فيها، ربما زار "عمر" "عليا" في بيته واشتد عليه في اللوم لتأخر بيعته لأبي بكر حرصا على وحدة الأمة، أما الباقي فمبالغات تهدف لتشويه صورة الفاروق، لكنها في الواقع تشوه "عمرا" و"عليا" معا، ففارس عدنان لن يهدد بحرق بيته فيكون مستسلما على الصورة التي روتها الأخبار!
- وماذا عن أرض فدك؟ إرث الزهراء؟
- أوقف الرسول ريع الأرض على "فاطمة" في حياته، فاعتبرتها هبة لا ينطبق عليها حديث ميراث الأنبياء[8]، لكن الصديق رأى أن الانتفاع لا يعني هبة أو انتقال ملكية، فاعتقد بوجوب ردها لبيت المال، وردها بالفعل، فبقيت تابعة لبيت المال حتى أعادها "عمر بن عبد العزيز" لأحفاد الزهراء، لأنه رآها هبة لا إرثا، فرأي "أبي بكر" كانت له وجاهته بتكييف الأرض كحق انتفاع، ورأي "فاطمة" وخامس الراشدين كذلك له وجاهة بتكييفها كهبة، وفي كل الأحوال لن يؤثر الحرمان من مال قل أو كثر في "علي" لدرجة اعتزال الناس، فهو نفسه حين صار الخليفة لم يسترد تلك الأرض، بل أوقف أرضا وآبارا له في خيبر على الصدقات، من يفعل هذا لا يعتزل لخلاف على مال أو صراع على سلطة
- فلماذا اعتزل؟
تروى "علي" في الإجابة مجمعا أفكاره، ثم تحدث ففند أولا بعض الروايات التي ترد في تبرير عزلة الإمام، فأما الرأي القائل بأنه جمع القرآن فاستبعده، لأنه لا يبرر تعجل "علي" في العزلة بعد وفاة النبي، فالقرآن محفوظ في الصدور ولا يخشى عليه الضياع، أما الروايات التي رددتها بعض المراجع ومنها أن "جبريل" كان يواسي السيدة "فاطمة" أربعين ليلة بعد وفاة النبي، ويقص عليها ما سيحدث في مستقبل الأيام ليوم القيامة، وأن "عليا" كان يسجل كلامه فيما عرف بمصحف "فاطمة"[9] فمرفوضة شكلا وموضوعا، فلا وحي من خلال الروح الأمين لغير الأنبياء، والله لم يفتح باب الغيب لأنبيائه فضلا عن خلصائه! ومثل هذا يقال لمن روى عن تأليفه كتابين هما الجفر الأكبر والأصغر، وضع فيهما علم الحروف الذي يعرف منه الغيب[10]، فكل هذا غير مقبول، لأن أمير المؤمنين لا كان منجما ولا كاهنا، والله لم يعط مفاتيح غيبه لبشر، حتى الرسول أمره القرآن بإعلان حجب الغيب عنه في الآية الكريمة: "قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
نظرت إليه نظرة لمعت بها عيناها وهي تقول: فماذا يرى إمام القرن الحادي والعشرين؟
ضحك لوصفها له بإمام القرن، ثم أجاب وهو يشعل سيجارة مع كوب الشاي الساخن الذي يحب أن يعقب به طعامه، فأوضح أن لديه تصورات لكنها تبقى بغير دليل ولا قرينة تؤيدها، فربما وضع الإمام كتابا في المحكم والمتشابه وناسخ القرآن ومنسوخه، فهذا هو العلم الذي وصفه "ابن عباس" بالحكمة وقال بأن ذخائره عند آل البيت[11]، وربما وضع مصنفا جمع فيه أهم الأحاديث الحاكمة للتشريع كما سمعها من الرسول، لأنه خاف أن ينساها أو تفقد بموته، لكن أي من هذين الاحتمالين يحتاج انجازه بقلم بوص ومحبرة وقتا أطول بكثير من فترة العزلة على أقصى تقدير لها، فلا يبقى غير احتمال ثالث، فلعله كتب صحيفة حول استنباط الأحكام والفقه الديني كما فهمه من الرسول، منهج وأسلوب لا تفاصيل، فهذه الصحيفة لو وجدت لفصلت في الخلاف الأبدي بين أهل الرأي ممن يحتكمون للعقل بعد الكتاب والمتواتر من السنة، وبين أهل الحديث ممن يرجحون كفة النقل ولو على حساب العقل، فأنا أتصور أن تحليل الإمام "علي" لحدث كسقيفة بني ساعدة[12] التي اعتزل بعدها، دفعه لإنجاز مؤلف كهذا بناء على ما خرج به من استنتاجات
توقف عن الحديث لحظيا بعد جملته الأخيرة ورشف رشفات متتالية من كوب الشاي ليزيد من حماس المستمعة الوحيدة التي لا تمل نظرياته، فطنت "ماري" لتوقفه فضمت الجاكت الخفيف على صدرها مع هبة هواء باردة أتت من ناحية البحر وقالت مغازلة لغرور محاضرها: أي استنتاجات يا واكلاً عقلي؟
احتواها بنظرة شاكرة لغزلها الرقيق الذي يشعره أنه مازال حيا، ثم أجاب: التغير اللحظي بعد وفاة الرسول، تغير دفع المهاجرين والأنصار للاجتماع في السقيفة لمناقشة انتقال السلطة بينما الرسول في الغسل ومعه "علي" و"العباس"، كذلك لفت نظره تنازع الأنصار والمهاجرين على السلطة، وكل فريق يسوق من القرآن والسنة دليلا على ما يراه حقا له[13]، ففطن لأن الثورة الروحية قد انتهت بوفاة الرسول، وأن الطبيعة البشرية في نفوس الناس ستكون أقوى كثيرا بغياب الكابح النبوي، فجنود الحق والحقيقة في حياة "محمد" لن يبقوا جميعا على حالهم بعده، فمنهم من سيعتصم بحبل الله، ومنهم من سيغلبه ضعفه الإنساني وهوى نفسه، ومن سيضله رأيه، وهو ما حدث بالفعل بمرور الزمن، فطن الإمام من كل هذا لأن النقل وحده لا يكفي، ولابد من حكم عدل دائم حتى يوضع النقل في موضعه، هذا الحكم الدائم لا يكون إلا منهجا للتعامل مع النصوص، منهج استنباط إذا جاز التعبير، لأن نصوص الكتاب والسنة التي هدت الناس للحق، ربما توضع في غير موضعها فتضلهم، وتكون قول حق يراد به باطل كما كان الإمام يردد
أطرقت "ماري" لحظة قبل أن تقول: في البداية كنت أحب شخصية الإمام كانعكاس ل... لتقديري لك، لكن مع كثرة مطالعتي لسيرته أشعر بالوضع ينقلب، فأقدرك إجلالا لمثلك الأعلى الرائع المتمثل فيه، فالإمام شخصية أسطورية، وتقديره لم يقتصر على المسلمين، فقد افتتن "جورج جرداق" شاعر لبنان الرقيق به، وكتابه عنه[14] من أروع ما كتب في ترجمة "علي" على الإطلاق، وحتى المجتمع الدولي، فقد وقع "كوفي أنان" في هوي عبارته الحكيمة "يا مالك إن الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، وتمنى لو استطاع أن يعلقها في كل المحافل الدولية لتغنيها شعوب العالم، وباقتراح منه وافقت الأمم المتحدة على اعتبار رسالة "علي" هذه لواليه على مصر أحد مصادر التشريع الدولي[15]
كان "علي" ينظر لها بشرود، فقد شرد عقله من العام إلى الخاص، لهذه الدرجة يا "ماري" لم تعودي قادرة على قولها؟ على النطق بكلمة حب؟ فتصبح علاقتك بي مجرد تقدير؟ هكذا كان يفكر حين لوحت بيدها أمام عينيه وقالت: أوعيت لما قلته بخصوص رسالة الإمام لمالك الأشتر؟
تنبه وندت من فمه آهة شجن حملت حسرة على العمر الذي يضيع وأخرى على "الأشتر"، فأجابها: لك الله يا مصر .. أفضل حاكم مسلم تولى عليها لم يكد يدخلها حتى اغتيل فيها، كأن قدرها ألا يعمر فيها على المزاود إلا شر البقر! هل قرأت قصة "مالك" وولايته على مصر؟
- أعرف إنه مات مسموما على مشارفها
- نعم، لكن للموضوع أبعادا أعمق ترتبط بتاريخ مصر مع الولاة العرب بوجه عام
نظرت له وهي تضع سيجارة أخرى من سجائرها الرفيعة بين شفتيها المكتنزتين، ثم قالت: كل شيء عندك أعمق وأكثر دلالة
قام وهو يطفئ عقب سيجارته في منفضة السجائر المكتنزة بالرمال أمامه، ثم مد يده نحوها يدعوها للمشي وهو يرد قائلا: العمق موجود في كل شيء حولنا، والدلالات تنمو بوفرة .. "وفي كل شيء يلوح الهوى .. ولكن لمن ذاق طعم الهوى"[16]
- "علي الإمام" لا يغير عاداته، تمشية قصيرة على البحر بعد العشاء، وبعد كيلومتر واحد يتعب ويرجع ليشرب قهوته
ابتسم وهو يخلع سترته من القطيفة بنية اللون، ويتجه نحوها ليحيط بها كتفيها، ويقول: ربما لم نتزوج لأننا نفهم بعضنا أكثر مما يجب، ضمي السترة على صدرك، فالجو أبرد مما تحتمله سترتك الخريفية
- ولو كانت سترتي ثقيلة لأعرتني سترتك أيضا، أظن أن إعارة سترتك لفتاة أمر يرضيك بحد ذاته، ربما عقدة قديمة؟
رد ضاحكا على ملاحظتها الذكية: ربما .. فقد كان مشهدا مألوفا في كلاسيكيات السينما المصرية - تماما كمشهد فتح الشامبانيا ليلة الدخلة - عندما كان "عماد حمدي" و"رشدي أباظة" هم الفتيان الأوائل، قبل أن تحل بالسينما المصرية أزمة شفرات الحلاقة والصابون التي فرخت نجوم اليوم، لن أتعجب لو رأيت فتاة تعير أحدهم سترتها في فيلم حديث، فأكثرهم يعانون من الهزال
قامت وهي تلف نفسها بالجاكت الثقيل وتخرج شعرها من تحته لتنثره على كتفيها كحرير أسود، نظرت لعلي ممتنة وقشعريرة الدفء تسري بجسدها، ومع ذلك لم يمنعها الامتنان من التعليق بعناد مرح: وهل بالضرورة أن تكون المرأة هي الضعيفة التي يحميها السيد القوي من البرد؟
- لا .. ليس بالضرورة، أعطني سترتي ودعي الفيمينيزم يحميك من البرد
قالها وهو يحرك يديه على ياقة الجاكت كأنه يهم بنزعه عنها، فضحكا سويا ضحكة صبيانية أنستهما سنين العمر، ثم اعتدلا متجهين نحو شاطئ البحر الهادئ، واستأنف "علي" يقول: لماذا لا يكون لكل من الرجل والفتاة دور مختلف؟ المشاركة تبادلية بطبيعتها والتطابق افلاس، فعلى مستوى المجتمع لا يمكن أن أدرس اليوم في الجامعة وأخبز غدا في فرن وبعد غد أجري جراحة لمريض! ولهذا ظهر مفهوم العقد الاجتماعي[17]، بين الرجل والمرأة كذلك لابد من عقد اجتماعي يوزع الأدوار، هو أقوى جسديا فيحتمل عنها برد الشتاء، وهي أقوى روحيا ويمكنها أن تشيع الدفء فيه قلبا وقالبا بنظرة من عينيها، المساواة في القيمة، أما تطابق الملكات فهو الإفلاس بعينه
- دعنا من هذا الموضوع الذي لن نتفق فيه أبدا ولنرجع لمصر وولاتها
...

(11)
أهل مصر في خِــرْبِتََّّا

تهادى الصديقان على الشاطيء الذي قل رواده بحلول الليل، فسار "علي" واضعا كفيه في جيوب الجينز الأزرق، وبجواره سارت "ماري" عاقدة ذراعيها لتتقي هبات من رياح البحر شابتها برودة منعشة حين تداعب وجها، ثم تزداد قوتها أحيانا فتحمل شعرها الناعم المقصوص بأناقة في كل اتجاه، وبعد خطوات صامتة قليلة قالت وهي تلتفت له بنظرة تسبح في الذكريات: أتدري متى أعجبت بك للمرة الأولى؟ كان لقاؤنا الثاني في كافيتيريا الجامعة،لم أصرح لك بهذا حينها، كانت صورة العربي الذي تراوده الخيالات الجنسية المريضة مع أول كلمة إعجاب لا تزال عالقة بذهني
ابتسم "علي" وهو ينظر في الفراغ مستدعيا مشهد ذلك اليوم وقال: كنت ترتدين بنطالا رياضيا أسود اللون، وقميصا برتقاليا، وترفعين شعرك بعقصة ذيل الحصان
نظرت له نظرة جانبية ذات معانِ تراوحت بين التمني والحسرة، راقها كثيراً أنه يذكر تلك التفاصيل عنها، لا توجد امرأة لا تحب هذا! نظرت أمامها وهي تبلل شفتها السفلى التي جففها رذاذ البحر المالح وقالت: كان الأمر مرتبطا بفتح مصر لهذا تذكرته الساعة، يومها سألتك عن رأيك في الحملة العربية على مصر، أهي فتح أم غزو أم احتلال؟ فأجبت بأنها الثلاثة معا، فتح في نظر العرب المسلمين، لأن تبعية مصر لدولتهم كانت نقلة نوعية، وغزو في نظر الرومان الذين رأوها غزوا بربريا من بدو الصحراء ينتقص أطراف الإمبراطورية المقدسة[18]، واحتلال في نظر الأقباط اللذين انتقلت بلادهم من محتل لمحتل، يومها شعرت بأنك باحث حقيقي، ففكرتي عن الباحثين المسلمين من العرب والباكستان تحديدا أنهم يدرسون التاريخ لخدمة مضمون محدد سلفا، يريدون التدليل عليه ولو بلي عنق الحقيقة
أشعل سيجارته بصعوبة بسبب الريح ثم قال: يخدمون صورة الدولة الإسلامية التقليدية، والتي يريدون تصويرها كدولة ملائكية لترغيب الناس في دولة يقودها دعاة الإسلام السياسي، والحقيقة أن عظمة الإسلام تكمن في رؤيته العملية للإنسان وحضارته، وعظمة رسول الإسلام كانت كامنة في بشريته بغير قداسة
أطرق لحظة قبل أن يكمل معلقا وهو يلتفت إليها بنظرة ذات دلالة: أيام الدراسة في يوركشاير كانت أجمل سنين العمر .. حتى الآن على الأقل
هربت من تلميحه لتعود لنقطة الحوار: كنت تريد أن تقول شيئا يتعلق بفتح مصر واغتيال "مالك"، احكِ يا "شهريار"
- في زمن حقوق المرأة "شهريار" يحكي و"شهرزاد" تقطع رقبته لو ملت من قصته؟
- بالضبط
هكذا ردت باسمة فأجابها ضاحكا ضحكة قصيرة: اللهم سلم، بلغني أيتها الملكة السعيدة أن "عمرا بن العاص" حين فتح مصر وعين واليا عليها في خلافة "عمر" كان حاكما ذكيا، فخلق حالة من التوازن والهدوء النسبي فيها، قطعا لم يكن العرب والقبط سمنا على عسل كما تصورهم كتب التراث الإسلامي، لكن الفتح كذلك لم يكن شديد البطش والدموية كما صوره التراث القبطي، كانت هناك مقاومة مصرية في بارمون[19] وبهنسا والفيوم وإتريب ومنوف وسمنود ونقيوس[20]، وطبيعي أن "عمرا" واجه المقاومة بالقمع كأي فاتح[21]، لكنه حاول من جهة أخرى استرضاء الأقباط، ومن ذلك أمره بتجديد قبر "مرقص" الرسول[22]، وتجديد مقياس النيل لتحديد الضرائب، لهذا كانت الأوضاع محتملة بوجه عام، لكن دوام الحال من المحال
هكذا قال مبديا حسرته على عدم دوام الهدوء النسبي بحصافة "عمرو بن العاص"، ثم حكى لها عن مصر ومن تعاقب عليها من الولاة، حيث بدأ التغيير في أواخر عهد "عمر بن الخطاب"، إذ قدر الخليفة أن خراج مصر أقل مما يجب، فولى "عبد الله بن أبي سرح" على خراج مصر الوسطى والعليا، ثم اغتيل "عمر" وتولى "عثمان" الخلافة، فطلب منه "عمرو" عزل "عبد الله" عن الصعيد، لأن إرهاقه للمصريين جباية وقسوة قد يؤدي لثورتهم، لكن الخليفة - والذي كان "عبد الله" أخوه في الرضاع[23] - ولاه جباية الأموال وقيادة الجيش في مصر كلها بدلا من عزله، واقتصر دور "عمرو" على إمامة الصلاة، ثم عزله الخليفة منها تماما[24]! فذاقت مصر ويلات "ابن أبي سرح" من جباية متعسفة[25] وإهانات لا تنقطع[26]، فضلا عن انشغاله بفتوح شمال أفريقيا التي وهبه الخليفة كل أسلابها طعمة له لو فتحها، فانشغل بذلك وأهمل ولايته، وحين اشتكى وفد مصر للخليفة في موسم الحج، عاقبهم "ابن أبي سرح" بتعليقهم على المقرعة حين عادوا، وضربهم حتى الموت[27]!
هنا سألته "ماري": هو ذاته من كان كاتبا للوحي وارتد[28] فيم أذكر؟
- كان طابورا خامسا لقريش في تقديري، أسلم وطلب الانضمام لكتاب الوحي، ولبث برهة ثم فر إلى مكة، وهناك ادعى أنه شارك الرسول في صياغة بعض الآيات مشككا في إلهية القرآن[29]
- أنت تراه طابورا خامسا لأنك مسلم، أما أنا فلا أستطيع أن أنفي احتمال صدقه في دعواه تلك!
لم تكن أول مرة يتعامل فيها مع المنطق المادي الجدلي، فرد بهدوء: لنفترض جدلا أني لست مسلما ونتعامل مع الرواية منطقيا، هل من المعقول أن يشرك صاحب دعوة كائنا من كان في صياغة آيات يفترض إنها منزلة من الله؟
- نقطة جيدة، على كل حال من الغريب أن يصبح "ابن أبي سرح" واليا بعد موقف كهذا، خاصة أن استمراره على وجه الأرض بعد فتح مكة كان بشفاعة "عثمان"[30]، ليعفو عنه "محمد"، والذي كان قد أمر بقتله ولو تعلق بأستار الكعبة[31]
أومأ مصدقا على ذلك، ثم قص عليها كيف أدت قسوة "ابن أبي سرح" في الجباية لسخط أقباط الإسكندرية، فراسلوا قيصر بيزنطة يستنجدونه باسم المسيح، ويتعهدون بمساعدة قواته لو غزا الإسكندرية عن طريق البحر، وقد كان، فأرسل قيصر لهم جيشا بقيادة "إيمانويل" الخصي، فاحتل الإسكندرية بمساعدتهم، وبلغ الأمر الخليفة "عثمان" فجرد جيشا بقيادة "عمرو بن العاص" لمواجهة التحرك العسكري البيزنطي، فطرد "عمرو" الروم وزاد الجباية على المصريين في الثغر تأديبا لهم[32]، ومع ذلك استمر "ابن أبي سرح" واليا بعد هذه الأزمة
وهكذا بدأ النقاش يأخذهما كالعادة باتجاه الفتنة الكبرى، وكيف كتب الخليفة أمراً بعزل "ابن أبي سرح" وولى "محمد بن أبي بكر" مكانه، فحالت دون ذلك خدعة "مروان" الشهيرة[33]، ورجع الثوار للمدينة فاشتركوا في حصار الخليفة، وتمرد "محمد بن أبي حذيفة" في مصر مستغلا ظرف الثورة، فأخذ البيعة لنفسه، فواجهه أهل خربتا[34] الموالون لمعاوية وعزلوه ثم قتلوه، حتى تولى الخلافة "علي بن أبي طالب" فأرسل "قيس بن سعد بن عبادة"[35] واليا عليها من قبله، وكان واليا فذا، وصفه "علي" لصديقته فقال: جمع "قيس" بين صفات الأمانة والقوة على الحكم، ولم يكن في رأي أهل زمانه يفتقد أيا من مقومات الإمارة غير اللحية، فقد كان أمرداً
- مشكلة كبيرة حقا!
علقت "ماري" ممازحة، فأجاب: اللحية عند العرب كانت ضرورة من ضرورات الوجاهة والمهابة، فكان قوم "قيس" من الأنصار يقولون: لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا[36]
استأنف يحكي كيف استقرت مصر تحت حكم "قيس"، بعد أن صالح أهل خربتا الموالين لمعاوية على أن يعطيهم نصيبهم من الفيء مقابل ألا يخرجوا عليه، فالتزموا بذلك، لولا أن "معاوية" كاد له، فدبر حيلة لإيهام "علي" بأن ولاء "قيس" للأمويين، وأنه لهذا يحمي أهل خربتا الموالين لمعاوية[37]، وقص عليها كيف أثمرت المكيدة، فأمر الخليفة "قيسا" بحرب أهل خربتا فامتنع عن تنفيذ أمره، هنا علقت فقالت: كان يرى أن فيها أعيان أهل مصر فرفض أن يحاربهم، أظنني قرأت هذا في مخطوطة منسوخة من رسالة "قيس" للخليفة
أومأ برأسه موافقا وهو يبتسم لمفارقة تاريخية وقال: لكن أهل مصر هؤلاء ليسوا مصريين
أجابت متعجبة وقد رفعت حاجبيها برقتهما الطبيعية الغير مزججة، وهي تبحث عن مكمن خدعة في كلام "علي" الذي ظنته يمزح: أهم إنجليز؟ لا أستبعد هذا، فعهدي بكم هو اتهامنا بأننا سبب كل مشاكلكم
أجابها ممازحا: لأنكم كذلك فعلا يا عزيزتي، لكن هذه لا ذنب لكم فيها، فنحن نتحدث عن زمن كانت فيه قبائل الجرمان تحط رحالها بالكاد في الجزر البريطانية
قالها وهو يكشر أنفه في حركة طفولية فابتسمت، واستأنف قائلا: من تعبر عنهم كتب التراث الإسلامي والمخطوطات بكلمة أهل الأمصار عموما، أي أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة إلى آخره، هم قبائل وأفراد عرب استوطنوا هذه الأقاليم بعد الفتح، ومن قصدهم "قيس بن سعد" تحديدا بوجوه أهل مصر كانوا قبائلا يمنية في مجملها، مع بعض أفراد من قريش وغفار وثقيف وعبس ممن سكن إقليم البحيرة، والذي يتميز حتى اليوم بأصوله السكانية العربية، وخربتا كانت عاصمة لإقليم البحيرة في ذلك الزمان
أمسكت رأسها بكفيها وهي تقول: عجيب هو استخدامكم للمفردات! مرونة بلا نهاية
- المرونة موجودة في كل اللغات الآرامية، فالمجاز فيها يفتح أبوابا لا نهائية لتوالد المفردات والمعاني
- ليس لدرجة العربية، حتى الأب المباشر للعربية وهي النبطية ليست كذلك، عفوا لخروجي عن الموضوع
- لا بأس، نعود للموضوع ونعود لربوتنا لأننا ابتعدنا بما يكفي
استدارا عائدين للمقهى الذي بدا ضوؤه بعيدا بينما "علي" يستأنف حديثه، مبينا كيف عزل "علي" واليه "قيس" عظيم الكفاءة والأمانة بسبب مكيدة "معاوية"، وولى عليها بدلا منه أفضل قادته، وهو "مالك الأشتر"، فأفزع هذا الخبر كلا من "معاوية" و"عمرو"، فدبرا لاغتيال "مالك" بالتعاون مع أحد صنائعهما في مصر، والذي اعترض "مالك" وهو في طريقه للفسطاط، ودعاه لتناول شربة من عسل، دس له فيها السم، فمات "مالك" غيلة، ودفن في المرج، ومازال قبره هناك وقد كتب على شاهده بيتا من الشعر يقول "تلك آثارنا تدل علينا .. فانظروا بعدنا إلى الآثار"[38]
علقت "ماري" قائلة: نويت زيارة ضريحه أكثر من مرة، وكذلك ضريح "عقبة بن عامر" لكني لم أفعل للآن
- حين تأتين للقاهرة في المرة القادمة نزورهما سويا، ولو كان لديك وقتا كافيا يمكننا زيارة قبر "محمد بن أبي بكر" في ميت دمسيس بالمنصورة، فحكايته هو الآخر كحكايات أبطال اليونان، تراجيديا كاملة الأركان
حكى لها عن "محمد بن أبي بكر"، وكيف كان تقيا وصاحب مروءة لكنه لم يكن رجل دولة، وقد ولاه "عليا" على مصر بعد اغتيال "مالك" فثار عليه أهل خربتا ومهدوا الطريق لجيش الشام ليغزو مصر وعلى رأسه "عمرو بن العاص"، فاستولى الأمويون على مصر، وقبضوا على واليها "ابن أبي بكر" فقتلوه ومثلوا به مثلة فظيعة[39]، إذ شقوا بطن حمار ميت وأفرغوها من الأحشاء، ثم وضعوا جثمان "ابن أبي بكر" في جوف الحمار وأحرقوا الجثتين معا! تنهد وهو يعلق على حكايته: ومن حينها صارت مصر درة التاج الأموي، فجرى عليها ما جرى على كل الأمصار، أجهض الأمويون التجربة الاقتصادية الإسلامية القائمة على الكفاية والعدل، وقاموا بثورة مضادة لثورة الإسلام الاجتماعية فكونوا مجتمعا طبقيا عنصريا، عومل فيه غير العربي كمواطن من الدرجة الثالثة في وطنه
التفت "علي" نحوها فراعته دموع في عينيها، توقف عن السير وأوقفها ليسألها، فأجابته: أتمنى أن تثق بحقيقة واحدة، وأن تحسها كما أحسها بداخلي تماما، تمنيت كثيرا لو لم أعدها بهذا الوعد السخيف وهي على فراش موتها
اختلج جفناه برعشة لا إرادية وهو ينظر لها فتكاد روحه تنبعث شعاعا لترسو على وجنتيها، قالت وهي تمد يدها لتمس كتفه: كم هو جميل أن أكون بجوار إنسان يؤمن بشيء ويعيش من أجله، أنا لا أصغي إليك وأنت تحدثني عن التاريخ لفضول مهني أو ثقافي، ولكن لسبب عاطفي، إيمانك بقضاياك وآرائك يخلق حولك تيارا رائعا من الحماس في زمن بلا حماس، فأشعر وكأني أمام أحد عظماء التاريخ، "جان بول مارا" .. "كرومويل" .. "جيفارا"، لهذا تمنيت أن أبقى بجوارك طول الوقت
رد وهو يجد صعوبة في خروج الكلمات من حلق قبضه التأثر وإن اصطنع الابتسام: ليتني يوم في عمر واحد منهم يا صديقتي، هؤلاء رجال صنعوا التاريخ، أما أنا فأدرسه وأحكيه فقط
- بل تحييه ثانية لترشف من عبره يا صديقي
أكملا طريق العودة نحو الربوة صامتين، كان يحاول أن يستوعب الكلمات التي قالتها منذ لحظات، كلمات حانية وإن أثقلتها الحسرة على عذابهما معا، كان يواسي نفسه مسترجعا قول القائل "ليس مهما أن تحب، المهم هو أن يحبك من تحب" .. وهو يحبها ويعلم أنها تحبه، فلتذهب الدنيا بعد هذا بنا حيث أرادت! وكانت مثله تفكر فيما قالته تواً، فتستشعر خطراً، بدأ تعبيرها عن مشاعرها يعود لمعدله الذي كان عليه في يوركشاير قبل أن يتبين لهما أن الطرق لن تتقابل، ربما لأنها تعلم أنه يحتاج أن يسمع هذه الكلمات تماما كما تحتاج هي أن تقولها، فبرغم محاولته الدائمة للحفاظ على توازنه النفسي، إلا أنه في حقيقته رجل يئن تحت جبل من الأحزان، فهمومنا تنتكس أحزانا عندما نعجز عن تحقيق أي تحسن فيها، وهو مهموم بقضايا وطنه، تتراكم عليه الأحزان وهو يرى عالمه الخاص الذي ولد ونشأ فيه وأحبه ينحدر نحو الهاوية، فعالمه هو الطبقة الوسطى المصرية، تلك التي ينتمي إليها بكل ذرة في كيانه، ويخنقه شعوره بحجم الجهل والفساد اللذان يحيطان بمصيرها، ويفوقان قدرته على المواجهة، لهذا كانت حاجته للحب مضاعفة، وهي تعلم أنها و"عزة" وحدهما مصدر الحب والحنان في حياته، فإذا كان الوعد السخيف يمنعها من منحه كل شيء، فليس أقل من كلمات يعرف بها أن قلبا في فضاء هذا الكون ينبض مع قلبه!
...

(12)
النهروان أولاً

أنصت جراح القلب الشهير لمحدثه على الطرف الآخر من الهاتف وهو يقول: لا يوجد حد لنزقه!
- هو أخو طليقتي وحسب، أي نسب هذا الذي يطفح علي صديده كل حين كالخرَّاج؟
- يستعدي علينا الدولة ويسمينا خوارج العصر! ويسمي كتابه: النهروان أولاً، كأنه يطالب بإبادتنا كما فعل "علي" بخوارج النهروان!
- ليس أول أو آخر من هاجم، كم دقت على الرأس طبول يا شيخ "يزيد"
- لو تركنا الطبول تدق كيف تشاء، سيأتي يوم تعلو فيه على صوت الدعوة، ولو مر كل غثاء كهذا مر الكرام فسنرجع لظلمات الستينات والعلمانية الناصرية لا أرجعها الله
- وماذا نفعل إذا؟
تقهقر صوت "يزيد" وهو يقول في وداعة وتوازن مصطنعين، كمن تدرب على هذا التلون لسنوات: نحن ملتزمون بمنهج سلمي وحضاري، فليس أمامنا غير الرفض بصورة شرعية
- هذا أمر انتهى أوانه مع تعديل قانون الحسبة[40]، ثم أنه لم ينكر معلوما من الدين بالضرورة
- أول الغيث أن نقدم طلب إحاطة لوزير الثقافة حول كتاب يسيء للدين ويعكر الصفو العام، ولو قدمته أنت تحديدا فسيكون الموضوع جاذبا للإعلام، نائب يواجه نسيبه السابق انتصارا لحدود الله
لم ترق الفكرة لزياد لأول وهلة، فقال وهو يهرش أذنه اليسرى كعادته حين يفكر: ربما حدث العكس، فيفسر الأمر بأنه تصفية حسابات شخصية
- سيضاعف هذا ضجيج الصحف والإعلام، وهو عين المرام
- ألديهم فكرة عما تطلبه مني؟
- وهل أحادثك بأمر كهذا من تلقاء نفسي؟ سيأتيك أحد الإخوة بمسودة لمجموعة نقاط ونسخة من الكتاب، لتبني أنت عليها طلب الإحاطة بأسلوبك، لن أوصيك يا طبيب القلوب
يعرف "زياد" تماما دور الشيخ "يزيد"، فله دور قيادي على مستوى محافظة الجيزة فضلا عن دوره في التنسيق بين أعضاء المجلس ذوي الانتماءات الإسلامية، لهذا لم يتعب نفسه بالاعتراض كثيرا، فيزيد يمثل واحدة من أعتى جماعات الإسلام السياسي، ودعم هذه الجماعة وتشعب علاقاتها مع النظام كانوا طريقه لكرسي المجلس، كل هذا كان ماثلا في ذهنه وهو يرد قائلا: موافق، مع تحفظي على توجيه الموضوع لي بسبب علاقة سابقة به، هو وأخته بغضوا إلي الحلال، ولا أريد شيئا يذكرني بهما
كانت عبارة "بغضوا إلي الحلال" هذه حجته الدائمة لعدم الزواج بعد أن طلق "عزة الإمام"، وحرص على تكرارها كلما سنحت فرصة، فأجابه "يزيد" قائلاً: تحفظك مقبول، فتوكل على الله وارفع رأسنا، لو احتجت لأي شيء هاتفني على محمولي الشخصي، سأكون في مارينا غدا وبعد غد وربما أغلقت محمول العمل
- عروس جديدة؟
- ليت الشباب، سنوات المعتقل والتعذيب في شبابنا أوهنت عظامنا قبل الأوان، همتكم يا أهل الطب لتبتكروا لنا الجديد، فلا أزرق ولا أصفر صار يجدي معنا
يقهقه "يزيد" الذي يعشق ككل أعضاء جماعته الحديث عن اعتقالاتهم وتعذيبهم، فيررون من ذلك ما حدث وما لم يحدث، ويضحك "زياد" ضحكة لها من صوت أكثر مما بها من مسرة، ويرد قائلاً: أدام الله عليك العافية، اطمئن واعتبر الطلب قد قدم
- على بركة الله
أغلق "زياد" الخط وألقى الموبايل على الأريكة الأمريكية قبل أن يلقي بنفسه عليها في سأم، "يزيد" هذا من المقربين وحملة الخطوط الساخنة مع أعلى سلطات جماعته، فلا مفر! هكذا فكر وهو يمشط بأصابعه لحيته المهذبة أسفل شارب حليق، ويمدد ساقيه على منضدة معدنية بمنتصف غرفة الكشف بعيادته الخاصة بالمهندسين، لا ريب أن المهمة ثقيلة جداً على قلبه، ولكن لماذا؟ شرود "زياد" وملامحه التي تكدرت وعضلات وجهه المتقلصة تنم عن معاناة داخلية كبيرة، لم كل هذه المعاناة من مهمة برلمانية عادية؟ .. يقطع شروده رنين الهاتف الداخلي فوق مكتبه، يرفع السماعة ويرد على سكرتيرته بضيق فيأتيه صوتها مترددا لما أحست ضيقه: هل أدخل من عليه الدور؟
- أيوجد أحد ذو حيثية خاصة؟
- لا
- فأعطني نصف ساعة إذا، ومري لي بقهوتي
- هل تذكر سيادتك موعد النقابة في التاسعة مساء؟ لقد
- أذكره
هكذا قاطعها ووضع السماعة في عنف ملحوظ ومد يده لدرج مكتبه فأخرج علبة خشبية سحب منها سيجاراً ضخماً، تحسس السيجار بينما تجمعت قطرات العرق على جبينه برغم التكييف المركزي في عيادته الفارهة التي يرتادها كبار الساسة والوزراء، شردت عيناه المعلقتان بالشكل القضيبي للسيجار الضخم بين يديه فبدا كالغارق في ذكرياته، كان هذا منذ سنين لا يحصي عددها، يوم اقتحمت "عزة" حجرة النوم إثر عودتها من زيارة أسرتها، كان المفروض أن تقضي الليل هناك لتعد لأخيها المدلل بعض الوجبات سهلة التجهيز في ثلاجته، لهذا سول له شيطانه أن يتصل بسكرتيره الخاص ويطلب منه لقاءً عاجلاً، هناك في حجرتهما وعلى فراش الزوجية نام مع "وليد"، فتى قوي في الثمانية وعشرين كان حريصاً على إرضاء نزواته الفاجرة، "وليد" نفسه لم يكن شاذاً، بل إن "زياد" يوقن أنه يفضل النساء وكانت له علاقات بالعديد منهن، لكنه ذكي ويعرف كيف يسلك طرقا مختصرة للثراء والسلطة، فهو يحصل شهريا على ثروة صغيرة لا يستهان بها من عمله معه، فضلا عن العلاقات التي يكتسبها لقربه منه، والخدمات التي يعرف متى وكيف يطلبها فتجاب، ومن جهة "زياد" كان شباب "وليد" يرضي شبقه الشاذ تماما، وكانت لحظاته معه لحظات سعادة يختلسها، فيمارس جنونه الذي يعتبره حقاً له، ثم يعود ليلعب دور الرجل السوي ورب الأسرة المتزوج أمام الناس .. وأمام زوجته .. زوجته التي كانت!
في لحظة دخولها من باب الحجرة كانا في ذروة الجنون، عريانين حتى من الظلال، ونجفة السقف والأباجورات كلها مضاءة! كأنهما حرصا على أن يكون المشهد صادما لها حتى الموت، وقد كان، أف لهذا المجتمع السخيف الذي يربط تحقيق ذات الرجل بذكورته! فلولاه ما تزوج منها ولا مر بهذه التجربة المهينة، هكذا فكر وهو ينفث الدخان القوي الرائحة .. سقطت حقيبتها من يدها وهي تلطم خديها لطمتين، قبل أن توليهما ظهرها، فتعدو في الطرقة الممتدة أمام غرفة النوم وهي تترنح، ثم تتهالك وهي تلج الحجرة الصغيرة، الحجرة التي كان يفترض أنها للأولاد، أولاد لم ينجبهم أبداً! اندفع من الفراش عاريا وجرى خلفها وهو يلف محرما حول وسطه، وحين دخل الحجرة الصغيرة على صوت نحيبها كانت تضرب حائط الحجرة برأسها في عنف مجنون، كمن تريد أن تقتل نفسها، أو على الأقل تتخلص من وعيها، وكانت الدماء قد بدأت تتفجر بالفعل من جبهتها فتلطخ طرحتها الصفراء وأعلى وجهها، كانت تلطم رأسها في الجدار الصلد وهي تعض بأسنانها على إبهامها، وحين حاول الاقتراب منها صرخت بوجهه بكلمات غير مفهومة، وأبعدته بيدها في قوة وعنف لم يعهدهما بها من قبل، ميز من كلامها لفظة "وسخ" أو هكذا هيأ له، حاول أن يقول لها أن تكف عن الصياح وإثارة فضيحة يخسر فيها الجميع دون جدوى .. مر "وليد" خلف ظهره هاربا يلملم ملابسه، فلمح "زياد" خياله على الحائط الذي ترتطم به رأسها! وما هي إلا ثوان معدودة حتى سقطت على الأرض فاقدة للنطق، بينما عضلات وجهها تتشنج كمن أصابها صرع!
قامت من انهيارها العصبي بعد ثلاثة أسابيع في مستشفى نفسي متخصص، لم تنقطع خلال هذه الأسابيع تحقيقات "علي" معه كل يوم عن سبب حالتها، وحين عادت من المستشفى لبيت أبيها زارها وحاول أن يتحدث، أن يشرح ويبرر، كان أكثر ما يؤلمه وقتها أنها تنظر إليه بتقزز شديد، وعندما حاول أن يشرح أنه هكذا خلق وأن هذا ليس ذنبه، ردت كقنبلة تفجرت في وجهه بعد طول صمت: أنا لا أحاسبك على شذوذك، فهذا شأنك مع ربك، إنما أحاسبك على أمر واحد فقط يخصني، لماذا تزوجتني؟ لأكون ستارا يحجب عن الناس حقيقتك؟
حاول أن يجد إجابة سائغة لا تجعله مذنبا فقال: كنت آمل في تغير ميولي مع ممارسة علاقة طبيعية
- أنت طبيب وتفهم جيدا أن هذا غير ممكن، لكنك تزوجتني لأن ثوبك الجديد تطلب هذا، مجرد كذبة اجتماعية، كقصائد الغزل التي كنت تكتبها في الكلية لترسم صورة المثقف اليساري وحياته الزاخرة بمغامرات عاطفية، لكنك حين قفزت لمعسكر الإخوة لم تعد صورة المغامر صالحة، فكان لابد من الزواج ليتم الشكل المقبول اجتماعيا
أطرق مقطبا حاجبيه بينما تعتمل في صدره مشاعر غاية في التعقيد، هناك جزء عميق في نفسه يعرف أنها على حق تماما، لكنه استطاع أن يروض هذا الجزء في ذاته منذ زمن بعيد، تماما كما روض عقله على تبرير كل شيء وأي شيء يريد .. استأنفت وقد وضعت يدها فوق صدرها لتتغلب على شعورها بخفقان ورغبة في القيء: أتذكر خطبتك العصماء أيام مؤتمر السكان حين طرح موضوع الشواذ إعلاميا؟ أتذكر كلماتك عن زمن التبجح بالانحراف وشيوع البلوى؟ كنت تكررها في كل مناسبة وتعبيرات الاشمئزاز ترتسم على وجهك زورا، أيمكن لبشر أن يصل لهذه الدرجة من الزيف؟
قال بعصبية ظاهرة بينما نظرته مازالت مصوبة نحو قدميه: وماذا كان علي أن أفعل؟ أخسر كل شيء بسبب صدفة جينية لا ذنب لي فيها؟ ليس ذنبي أن تكويني الجيني خلق عندي استعدادا وأكملت ظروفي الحلقة فصرت هكذا، هل أواجه مجتمعا متخلفا بأمر لن يقبله أبدا؟ هل هذا عدل؟
- المجتمع ليس متخلفا، لقد عاش فيه من هم مثلك دائما، ربما بغير ترحيب كأوروبا، لكنهم عاشوا دون أن يرجمهم أحد ولا يصفق لهم أحد، تعرف أن أحد أساتذة الكلية كان معروفا بشذوذه دون تصريح، لم يقتله أحد، لكنه لم يصبح نجم مجتمع ولا يمكن أن يختار عميدا ولا رئيسا لجامعة، ولا عضوا في البرلمان يمثل حماة الفضيلة والشرف والدين، لم تخش على مستقبلك ولكن على طموحك، وكان اختيارك لزوجة منسبة مدعما لوضعك في التيار الذي انضويت فيه حين صار رائجا ورابحا
انقلب توسله لشيء من التنمر حين ذكرت البرلمان، فرفع بصره من الأرض لينظر اليها وأمسك معصمها بشيء من العنف، وقال بصوت كالفحيح: طموحي من حقي .. ونجاحي من حقي، وصلت لكل هذا بكدي، وليس من حق كائن من كان أن يقف بطريقي
- وما ذنبي أنا؟
- كنت زوجة سعيدة، لو لم يحدث ذلك الموقف لكان من الممكن ..
- أن أعيش مغفلة للأبد؟ لا يا سيدي، أنت واهم، تتخيل لفرط أنانيتك أن الناس جميعا يصدقون الممثل البارع المتقن لدوره
تراخت يده واستدار ليعطيها ظهره وهو يرتكز على ضلفة دولاب الفضيات المفتوحة بذراعه، وأجاب متسائلاً بتوجس وألم: ماذا تقصدين؟
- كنت أشعر طول الوقت، لم أتمكن من مواجهة نفسي ربما، وكنت أخشى أن أظلمك بظنوني ربما، لكني كنت أشعر بهذا، قضيت هذه السنوات أطرد الفكرة من رأسي لتعود فتحتلها ثانية بنخر كنخر السوس في العظام، قبل الزواج كان مجرد إحساس بشيء غريب بيني وبينك، كانت الألفة بيننا أقرب لعلاقات البنات ببعضهن البعض، وراحتي في الحديث إليك - والتي كنت أسميها لفرط حماقتي حبا - كانت تفتقر للرغبة الممزوجة بالحذر الأنثوي الطبيعي تجاه رجل، وبعد الزواج صدمتني رغباتك الشاذة التي كنت تدعي أنها عادية جدا، وأن هذا حال كل الرجال، لأنك واثق أن لم يكن لي علاقة حميمة برجل قبلك، فتخيلت أنني من أهل المريخ وأني أصدق أن لكل الرجال ميول مقززة كميولك
انهارت على مقعد الصالون وقد غالبتها رغبتها في القيء حين تذكرت شذوذه في علاقته معها منذ اليوم الأول، بكت وهي تتذكر هذه اللحظات وحاولت طردها من رأسها، ثم وضعت يدها على فمها لتقاوم رغبتها في إفراغ معدتها الخاوية إلا من الماء، لكنها كانت بالرغم من كل هذا منتشية بعد طول قهر، فهل أسعدها ضعفه في هذه اللحظة؟ هل أعاد إليها شيء من كرامتها الجريحة؟ ربما شعرت بذلك حين أتاها صوته خفيضا مرتعشا: كفى .. لا داعي للتجريح
- أنا من تقول كفى، الإنسانة التي خسرت عمرها هي من تقول كفى، المرأة التي جرحتها عيناك المعلقتان بالرجال وهي بجوارك هي من تقول كفى، الزوجة التي ضحت بالأمومة حين علمت بعقمك هي من تقول كفى، والمغفلة التي لوثت فراشها باللواط هي من تقول كفى، وهئنذا أقولها لك، كفى .. طلقني الآن وارحل للأبد
صحا المفاوض داخله في لحظة حين سمع لفظ الطلاق، كان معدا ومهيأ لهذا منذ اللحظة الأولى، بل إنه كان ينتظر هذه الكلمة ليملي شروطه، فعليه أن يضمن ألا يؤثر هذا الحدث الغبي سلباً على حياته ومستقبله، أجابها: موافق .. لكن
- بدون شروط
- طلبي لا يضرك، لكن رفضك يضرني، ولا أظن أن ضرري يجديك شيئا، فبيننا على كل حال عشرة وخبز وملح
قالها بلهجة لا تخلو من تذلل، يعرف تماما كيف ومتى ومع من يستخدمه، فسألته: ما هو؟
- سنقول للجميع أن العقم هو سبب الطلاق، فلا يعرف مخلوق غير هذا، حتى أخوك
- لكنه يعرف بالفعل
صعق كمن مسه تيار كهربي قوي فانتصب منتفضا من وقفته المسترخية، وفقد لهجة التذلل التي كان يصطنعها فقال بوقاحة: أخبرته بهذه السرعة؟
- يعرف منذ زمن بعيد، نصحني بالرفض بعد أول لقاء معك حين تقدمت لخطبتي، وليتني سمعت له وأجبت
هدأ قليلا حين فهم أنها تتحدث عن مجرد شعور، فقال وهو يضحك بسخرية: مكشوف عنه الحجاب؟
- لا .. لكنه رجل بلا زيف، عينان صافيتان لم يطمس عليهما الجشع وجري الوحوش بغشاوة الغباء، رجل لم يركع لسلطة أو يلهث خلف مال فظل نقيا، لهذا يرى بقلبه
لطالما كرهها وهي تتحدث عن أخيها بهذه الطريقة، قاطعها قائلا: وماذا قال قُدِّسَ سِرُه[41]؟
- رأى في عينيك كذبة كبرى تعيش فيها وتعيش فيك، ورأى رجلا بغير ثوابت غير الوصول لما يريد وبأي ثمن
- هذا لا يعني أنه يعرف
استمرت كأنها لم تسمعه: كان يحاول أن يطمئن بعد أن تأخر الإنجاب، واليوم .. حين أتذكر حديثه أكاد أجن، كأنه كان يعرف كل شيء، وحين جاءني في المستشفى نظرت في عينيه وبكيت بكاء مكتوما من القهر والصدمة، فنظر لي ودمعة عاصية تلمع في عينه، ثم همس في أذني قائلا: لا تخافي يا صغيرتي، خطأ لابد من تصحيحه وفورا
قال "زياد" وفي عينيه جرأة من يمكنه أن يقتل ليصل لهدفه: إذا دعيه في شكوكه ولا تحوليها ليقين
وقف ناظرا اليها وهي مطرقة كأنها لا تسمعه، كان يشعر بألم عندما يتخيلها تقص لعلي مشهده مع "وليد"، كان يتخيل "علي" وهو واقف بباب غرفة النوم مكانها، تقتحم نظراته عريهما في ذلك الوضع المشين، وتلتصق نظرات الاشمئزاز بجلده فتكويه كيا، استجمع عقله وطرد تلك الخيالات حتى يستطيع أن ينهي الموقف كما يريد، فليس هذا وقت جلد الذات، استأنف قائلاً: الطلب الأهم، الطلاق مستحيل الآن، ليس قبل الانتخابات وبداية الدورة البرلمانية القادمة، لن أفرض عليك خلال هذه المدة أن تكوني في بيتي، فلتبقي هنا ثم نتمم الطلاق رسميا بعد الانتخابات
- بعد الانتخابات؟ معنى هذا ..
جاء صوت "علي" من ناحية باب غرفة المعيشة التي جلسا بها وهو يقول: معناه ستة عشر شهراً
التفتت "عزة" له فكأنها رأت ملاكا بينما هي مغروسة بقاع الجحيم، أما "زياد" فرمقه بعينين تنضحان بالكراهية، لطالما كره كل شيء في "علي" كرهه للموت، كان يشعر بصدره ضيقا لمجرد وجوده، ومواجهته الآن في موقفه هذا تجعله أكثر كراهية له من أي وقت سبق، "علي" المتصنع الجبان الذي يدعي أنه لا يحب المال لأنه عاجز عن تحقيقه، ويدعي الزهد في المناصب لأن همته لا تبلغها، بهذا الحقد الأسود كان يرمق "علي" وهو يخطو داخل الغرفة بينما تجنب "علي" النظر إليه، أتاه صوت "علي" غير خالٍ من التوتر، قائلا: الطلاق سيتم صباح الغد
- ومن سيجبرني؟
طغى كرهه لعلي على الموقف فأفلتت منه طريقته في التفاوض وأصبح مستفزا، التفت "علي" نحوه قائلا بحدة من يكظم بجوفه بركانا: بجوفي نار تشويك شياً لو أطلقتها، أمامك سواد الليل وتطلقها في الصباح، لن تعيش أختي على ذمة مثلك يوما آخر، ليتها كانت على ذمة رجل
شعر بلطمة إهانة ففقد دبلوماسيته تماما وهو يقول: أخطأت حين أتيت هنا بقدمي، فلترني كيف ستجبرني على طلاقها يا .. يا سيد الرجال
استدار يهم بالخروج، فأمسك "علي" ذراعه بقوة ولفه إليه يواجهه، ثم رفع سبابته في وجهه بحدة، كان في عينيه وصوته غضب وكره لم ترهما أخته من قبل، قال وهو يقرع بسبابته ذقن "زياد": لا تحسبن نفوذك الذي حققته في زمن شاذ مثلك يجديك شيئا، كشف طبي بسيط سنطالب به حين نرفع قضية عاجلة في محكمة الأسرة، يكتب بعده الطبيب عبارة معروفة تقول "مستعمل من الخلف ويهوى كما تهوى النساء"، وينهار مستقبلك السياسي للأبد
هم بالكلام ليسفه من تهديده رغم أنه أزعجه كثيرا، فعاجلته كلمات "علي" الذي قال وحدة غضبه تتصاعد: والأفضل لك أن تجدي المحكمة، فلو حدث العكس لن يكون لدي سوى حل واحد، هو قتلك
لم يشعر "زياد" بساعي العيادة وهو يضع القهوة، فلم يرشف منها رشفة واحدة، فقط تذكره لهذه اللحظة هو ما هزه لدرجة الإفاقة، لقد استسلم بعد التهديد، مهما كانت قدرته على المراوغة فمجرد رفع قضية ومطالبة طليقته بتوقيع الكشف الطبي عليه كانت كفيلة بوضعه في مزبلة السياسة للأبد، ولهذا تحديدا كان ضيقه من طلب الإحاطة المطلوب توجيهه لعلي، فهو آخر إنسان يحب مواجهته، لكن بطلاقه لها لم يعد من حق مخلوق أن يطلب توقيع مثل هذا الكشف عليه، وإذا حاول "علي" البغبغة بكلام مرسل سيكون من السهل إظهاره بمظهر موتور يحاول تشويه نائب شريف يدافع عن الدين، فإذا لم يكن من المعركة بد فلتكن شرسة جداً، حتى لا يترك لغريمه فرصة للنجاة .. هكذا فكر "زياد"، فلو كان شطر عقله يخاف من كشف المستور، فشطره الآخر يحب هذه المعركة، فهي فرصة لا تعوض ليشوه هذا المغرور الذي يراه الجميع فوق البشر، وهاهو الغبي يضع نفسه أمام أقوى فصيل سياسي في البلد، وهكذا الكلمنجية البعيدين عن دوائر السلطة والقرار من أمثاله، لا يدركون أن تيار الإسلام السياسي اليوم صار كجبل الجليد، يبدو منه على السطح جماهيره المتعاطفة معه، وشبابه متنامي العدد في الجامعات والمحافل الثقافية والسياسية، لكنهم لا يعلمون شيئا عن حجم جبل الجليد الحقيقي، وعن مدى تجذره في دوائر صنع القرار في الداخل والخارج، وعن تشابك علاقاته ومصالحه المتبادلة مع سيدة العالم الحر، وأقوى دولة عرفها تاريخ البشر، لم يدرك الرومانسيون كما أدرك هو في الثمانينات أن جذور هذا التيار ترتبط بالعالم الجديد الذي يتم الآن رسم حدوده وتحديد قواعده بقوة المال وقوة السلاح، وأنه لهذا صار أعتى من أن يقهر، وإلا لسحقه النظام فوراً، فها أنت تواجه التنين بغرورك يا ابن الأشراف، فلنر همتك يا فارسا .. بلا سيف ولا جواد! هكذا فكر وهو يبتسم ويرفع السماعة ليسمح بدخول المرضى المنتظرين بالخارج

18.7.08

تاريخ الوعد

العالم السري عبر العصور

للكبار فقط

لا هو وعد بلفور و لا أي وعد عليه القيمة، أتذكرون الفنانة "ملك الجمل" تلوي شفتيها و هي تلعب دور القوادة في "شفيقة و متولي" و تقول "و احنا فيه في ايدينا حاجة؟ ده كله وعد و مكتوب" ، إنه الوعد بلغة أهل الكار، و تجارة الرقيق الأبيض بلغة صفحة الحوادث، و الآداب بلغة البوليس، و البغاء في الفصحى، و المشي البطال في لغة أولاد البلد، و الدعارة في لغة المثقفين، مع تاريخ الدعارة نلتقي اليوم، نعم ، فلقاع المدينة أيضاً تاريخه، و للجواري أيضاً تراثهن الممزوج برائحة العرق و الخمر الرديئة و البنكنوت، و قاع المدينة هذا دائما ما يروي حدوتة الوجه الآخر، ذلك الذي لا نحب أن نراه فينا، و لا نحب أن نعترف به في إطار الإزدواجية العتيدة، لكن هذا لا ينفي وجوده، و لا ينفي أن التاريخ كما يحفظ سيرة العظماء و النبلاء، يحفظ شذرات من تاريخ ملح الأرض، الناس العاديين و ما تحت العاديين، و هذا جانب مثير للبحث، و لعل من أجود الأبحاث فيه ما قام به الدكتور "عبدالوهاب بكر" في بحثه الشيق بعنوان "مجتمع القاهرة السري من عام 1900م الى 1951م" و هو بحث تاريخي قيم أتاح للدكتور و رجل الشرطة السابق النفاذ لأعماق هذا المجتمع المنبوذ ، من خلال وثائق حكومية بوليسية غير منشورة ، و من هنا أهميته، غير أني أردت أن أصحبكم في جولة أقدم من تاريخ البحث قبل النفاذ إلى موضوعه، لأننا نحن أبناء الطبقة الوسطى المصرية، من نلعب دور المضحوك عليهم دائما في حركة التاريخ، حيث تربينا على مثل لا تتمسك بها سوى هذه الطبقة ، أو بعض منها لو أردنا الدقة، و قدمت لنا هذه المنظومة على أنها السائدة في بلادنا، و لقمنا منذ الطفولة الحشيشة المخدرة التي محتواها أن الغرب له العلم و التقدم و نحن لنا الأخلاق ، فتعالوا بنا ننظر لقاع مدننا و بلادنا عبر التاريخ، لنعرف أن مجتمع الفضيلة لم يوجد بعد على سطح الأرض، و لن يوجد

الدعارة و السيادة الاقتصادية

ما أقوله هنا هو رؤية و تأملات خاصة لا أنسبها لأي مرجع آخر، لكنني أجد التاريخ يقول لنا أنه في المجتمعات الأمومية التي كان للمرأة فيها سيادة اقتصادية و بالتالي اجتماعية على الرجل، و جدت و انتشرت الدعارة الرجالي، للترفيه عن الأنثى المتعبة و المكدودة، الشقيانة بالبلدي، و يبدو أن إناث هذا الزمن وجدن من التبريرات مثل ما يجده الرجال اليوم لسلوكهن هذا، فكن يقلن أن رجل واحد لا يكفي و أن المرأة بطبيعتها تميل للتعدد، و من أمثلة هذه المجتمعات الأمية ، كما تقول بعض النظريات، مجتمعات مثل اليونان ما قبل 7000 قبل الميلاد، أي ما قبل العصر البرونزي، و نحن نقبل هذه النظرية لأنها بداية طبيعية للمجتمعات البشرية نظرا لتسود هذه الطبيعة في مجتمعات الحيوان و الطيور، و لكن بالنسبة لذكر الإنسان، فقد أعانه اختراعه للآلات و السلاح على السيادة الاقتصادية مبكرا في التاريخ، و بالتالي التسود الاجتماعي ، فحلت دعارة الإناث محل دعارة الرجال، و هذا للترفيه عن السيد صاحب رأس المال، الذي ادعى كما ادعت النساء سابقا، و في العصر الحديث، بعد أن استعادت المرأة بعضا من سيادتها و امتلكت النساء رأس المال ثانية، عادت الدعارة المذكرة للظهور، من إيطاليا لمصر لأسبانيا لجنوب أفريقيا، في صورة الجيجولو التقليدي صديق النسوة العجائز ، و لهؤلاء الآن مقاهي خاصة في كل من مارينا و شرم الشيخ

الدعارة المقدسة في مصر القديمة

لم يكن الجنس عند الفراعنة أحد التابوهات الإجتماعية كما هو اليوم، فقد آمن المصري القديم بوجود الجنس حتى في الحياة الأخرى، كما وجد اعتقاد مشابه للاعتقاد الهندوسي في التطهر بالجنس للوصول لحالة الصفاء الروحي ، و قد عرفت مصر القديمة الدعارة المقدسة كالعديد من الشعوب القديمة، و عندما نقول دعارة في هذه الحقبة، يجب أن ننفي من عقولنا الصور التي نتخيلها دوما من واقعنا المعاصر لهذه السيدة المتهتكة الهلوك ، فنحن الآن أمام سيدة محترمة جدا في زمانها، و قريبة الصلة بالعديد من الآلهة، على رأسهم "بس" رب المرح و الترفيه، و "هاتور" ربة الجمال و الحب ، و كما يقول موقع علم المصريات بجامعة آيوا، كان الزي الرسمي للدعارة وقتها هو فستان من نسيج أشبه بشباك الصيادين (الصورة من متحف بيتري) مع وضع أحمر الشفاه الثقيل و الكحل المرسوم بعناية، و كانت من ضمن مهام عاهرات المعبد هاتيك ، تدريب الشباب المقبل على الزواج و الفتيات على الجنس بأسلوب "بيان على المعلم" و كن يحرصن كذلك كما تضيف مصادر جامعة تورنتو ، على دق الوشم في أماكن كالصدر و الفخذين ، خاصة وشم الإله بس ، و بينما يعرف الكثيرون عن آثار كواجيهيرو الهندية المليئة بالأيقونات الجنسية، نجد القليل فقط من المصريين من يعرف شيئا عن" بردية التورين" التي صورت الأوضاع الجنسية المختلفة في شكل احتفالي إلى حد كبير ، كذلك بردية لإمرأة ترتدي التاج الملكي و يرجح أنها حتشبسوت في لقاء جنسي مع رجل ، و كما قلنا لم تكن مصر وحيدة في هذا و لكن مثلها مثل بابل و الهند و اليونان القديمة و غيرها

الرايات الحمر في قريش

لطالما ارتبطت الدعارة المؤنثة بالأديان الوثنية القديمة، و لم تكن مكة في الجاهلية استثناء من هذا الأمر، بل كانت أحد المجتمعات التي عرفت الدعارة المقدسة ، و لم يكن العرب يعتبرون ممارسة الجنس مع عاهرة زنا، لكن الزنا ما كان مع زوجة رجل آخر أو امرأة حرة عامة، لما يترتب عليه من إحساس بالعار لدى قبيلة معينة، نظرا للإعتداء على ممتلكاتها ، باعتبار النساء من ضمن هذه الممتلكات، و قد كره العرب هذا اللون من الزنا لأنه يجر عليهم الحرب و الدماء، أما المحترفات فكن يعتبرن كجواري من لا جواري له، و كلنا يعرف تعبير صاحبات الرايات الحمر في مكة ، و التي ألغاها الإسلام مع فتح مكة، و بسبب هذا التفريق بين الزنا مع الحرة و بين وطء صاحبات الرايات الحمر ، جاء تحريم الدعارة و التشجيع عليها في القرآن مستقلا و منوهاً عنه برغم التحريم العام للزنا من قبله، بينما نجد في الكتاب المقدس سيرة لمضاجعة واحدة ظنها الشيخ فتاة من فتيات الدعارة حول المعبد بدون الإشارة إلى تحريم و لا تجريم، و الطريف في أمر فتيات مكة هؤلاء، أن بعضهن كن جوارِ مملوكات لسادة قريش الذين يتبارون على الشرف و الوجاهة ، و يعملن لصالح هؤلاء السادة، و يأتي في مقدمتهم حرب بن أمية و من قبله والده أمية بن خلف، و كانت واحدة من جواري حرب تعمل بالدعارة في الموسم ثم تعود لكنف حرب بن أمية باقي العام، و قد ولدت له فأنجبت، ولدت "أبا سفيان بن حرب" سيد قريش و سيد المحاربين لدعوة الشرف و النور حين بعثها الله على نبيه ، و لكن لم يكن أبو سفيان يستشعر العار من هذا كثيرا، ففي الجاهلية كان العرب بينهم بيوت شرف كهاشم، و بينهم بيوت لها المال دون الشرف كأمية، فلم يكن أبو سفيان وحيداً في هذا العار، و لا كان إنجابه للمدعو "زياد بن أبيه" بنفس الطريقة مستغربا عليه، و زياد هذا هو من وعده "معاوية" بعد ذلك بنسبه لأبيه و رفع العار عنه ، لو أعانه زياد على خصومه، فصار زيادا ابن أبي سفيان

دعارة القرنين الثامن و التاسع عشر

كان لكل منطقة من مناطق القاهرة وقتها ما يسمى "شيخ العرصة" و منه يشتق اللفظ العامي المعبر عن الديوث، و هو عبارة عن وظيفة إدارية مثل شيخ الحارة، لكن منطقته أوسع و مهنته أحقر كثيرا، فكانت مهنته تنسيق علاقات العاهرات بالدولة السنية، و التي كانت لم تشرع العهر بعد، لكن لم يمنعها ذلك من جمع الضرائب من العاهرات و المندارين، و عندما جاء إلى مصر "عبد الله بونابرته" الشهير بنابليون بونابرت، و كان قد ادعى لنفسه هذا الاسم لما علم ان المصريون "منط" و لا يشترطون لحكمهم إلا أن يكون الرجل مسلماً، فادعي الإسلام و تسمى باسم إسلامي (ناقصين بلاوي احنا؟) و قد أنشأ في عهد سيادته الرشيد "كارخانة" لعسكر الفرنسيس ، و ألحق بها الراقصات و العاهرات، و كانت تعرف باسم "غيط النوبي" لأن شيخ العرصة بها كان نوبياً، و حين تولى "محمد علي" باشا سمح بالدعارة لفترة، لأن الكثيرين من "أولاد الناس" ، و هو اللقب الذي كان يطلق على المماليك و أولادهم، كانوا يستثمرون في شراء الجواري لتشغيلهن في الدعارة، فلما قضى على المماليك، نفى العاهرات لمدينتي إسنا و الأقصر و قنا في الصعيد، و الذي لم يكن محمد علي يهتم به بصفة عامة، و لكن حين تولى عباس الأول، سمح دولته بعودة رعاياه من البغايا للقاهرة الساهرة العامرة

دعارة التاريخ الحديث

في القرنين التاسع عشر و العشرين، كانت حركة الثقافة في مصر على أشدها، فقد أفاق الواعون من أبناء البلد يحاولون أن يصلوه بالعصر الحديث و آدابه و علومه، و بينما كان هؤلاء المساكين من المتطلعين نحو العلا يلهجون الأنفاس طلبا للعلم و النور، و كفاحا من أجل الاستقلال و بناء اقتصاد وطني و غيرها من ساميات الأهداف، كعادة أبناء الطبقة المتوسطة المصرية، في ذلك الوقت، كان قاع المجتمع يفور بأحداثه الخاصة، حيث مثل جنود الاحتلال الانجليزي سوقا مستهدفا ضخما للعاهرات، و أرجو أن ننفي من رؤوسنا صورة البغي الشريفة (زي مادلين طبر في الطريق إلى إيلات كده) و التي كانت تمارس البغاء مع الانجليز لهدف قومي، فصاحبات الإنجليز هاتيك كن أخلص للجنيه منهن لآبائهن فضلا عن الوطن، على هذا تربين، فنشأن بنات مخلصات لبيئتهن الأم

لقد عرفت مصر المحروسة الدعارة المشروعة و المرخص بها قانونا من عام 1900 و حتى عام 1949 حين صدر قانون بمنعها، و في خلال هذه الفترة، صدر عام 1905 م ما يسمى بلائحة تنظيم بيوت العاهرات، و بعدها لائحة البيوت العمومية عام 1916م كما يورد الدكتور عبد الوهاب في مرجعه القيم، و يروي كذلك أن الانجليز اهتموا بالعاهرات كثيرا للحفاظ على صحة جنودهم، فكان مندوبو السرية الطبية البريطانية يجلسون أمام الطوابق الأرضية للمواخير حيث يسلمون كل جندي واقيا ذكريا وعلبة مرهم وكراسة بالتعليمات!!! نعم كراسة التعليمات مش هزار

و كان للوعد ساحاته و ميادينه، فكانت مناطق مثل كلوت بك، الوسعة، وش البركة، و درب طياب (جاء ذكره في فيلم درب الهوى) و عطفة جندف، درب المصطفي في القاهرة، و كانت منطقة ما وراء الحقانية و جبل نعسة و بعض حارات المنشية فضلا عن حي اللبان هي مناطق الدعارة ، اما في باقي المحافظات فكان منها سوق اللبن في المحلة الكبرى، كفر القرشي في طنطا، الخبيزة في الاسماعيلية و شبين الكوم و غيرها كثير، أما عن السعر، فكانت أرخص المواقع تقع في منطقة "عرب المحمدي" و يصف الدكتور عبد الوهاب في كتابه قائلا "وكانت 'محلات الممارسة فيه لاتتجاوز حفرة في الأرض ممهدة للقاء وتغطي من أعلي بستارة تثبت ببعض الحجارة من أطرافها بواسطة القواد أو القوادة' وعندما يفرغ العميل من مهمته يتم رفع الحجارة وازالة الستارة لدخول عميل جديد! أما منطقة الأزبكية طبقا لتقرير بوليس مدينة القاهرة عام 1893 فقد كانت تضم أعلي نسبة من الفنادق والغرف المفروشة، بينما كانت منطقة الوسعة ووش البركة في الأزبكية تضم عشرات البيوت المقسمة لغرف أو حتي دكاكين مغطاة بستائر، وسعر الممارسة كان يتراوح في العشرينات بين شلن و 15 قرشا مكتوب علي الباب، كما كانت هناك بيوت أخري مغطاة بقضبان حديدية تجلس خلفها المومسات بوجوههن المصبوغة. وعندما صدر الأمر العسكري عام 1942 باغلاق منطقة وش البركة لجأت العواهر في ممارسة، نشاطهن مع جنود الاحتلال إلي المقاعد الخلفية في عربات الحنطور، أما نظام المحاسبة فكان اكثر إثارة للتقزز والبشاعة، ففي منطقة عرب المحمدي كان اللقاء الجنسي يتم في حفر نعم مجرد حفر مجهزة في التلال. وكان العميل يدفع أولا للقواد، وفي نهاية اليوم وحتي تحصل المومس علي اجرها كانت تقدم للقواد حصيلة انتاجها وهي كيزان ممتلئة بالسائل المنوي للعملاء الذين افرغوا في جهازها التناسلي ويدفع القواد مبلغا محددا لقاء كل كوز.. لا أظن أن هناك أكثر بشاعة أو إثارة للتقزز من هذا الامتهان الفظيع" و على ذكر الحنطور، ألم تتساءل أبدا ما هو أساس موضوع "علي عوض" هذا و لماذا يضايق اسمه العربجية؟ خاصة اذا ذكر مقترنا بكرباج ورا يا أسطى؟ فاتت هذه النقطة أستاذنا الدكتور عبد الوهاب في بحثه الشائق، و المروي بخصوصها أن علي عوض، و هذا كلام سمعته أنا من عربجي و العهدة عليه، كان أحد شيوخ العربجية، و كان مشهورا بالتنسيق بين العاهرات و العربجية و قبض عمولة على عملية السمسرة هذه، فعير به العربجية

مصطلحات وعدية عريقة

كما لكل مهنة مصطلحاتها، و تخصصاتها، كذلك كان الحال عندما ازدهرت أقدم مهنة في التاريخ في مصر المحروسة، فكانت هناك تخصصات و أدوار موزعة بدقة، و عمل يمتاز بروح الفريق العالية جدا في خدمة ... في خدمة الشباب و طلاب العلم و المعلمين و الفلاحين و الأفنديات من رواد اوكار الدعارة أو جالبي الداعرات، فكانت هناك الاختصاصات التالية

  • المومس: و هذه معروفة للجميع، فهي لب الموضوع و السلعة التي تباع للمستهلك النهائي
  • المندار / الخنت: و يعني في مصر قديما الشاذ المخنث، و كانت الفحوص الطبية التي تجرى للكشف عليه تسجل نتيجتها بكليشيه رسمي يكتب فيه "مستعمل من الخلف و يهوى كما تهوى النساء" و مازالت فيم أظن تكتب في اختبارات الجيش حتى الآن، و يعفى من كان كذلك من التجنيد
  • البادرونة: و هن صاحبات البيوت الحاصلة على رخصة الدعارة ، و هي مأخوذة من "باتروناج" الفرنسية أو "باترونة" الايطالية
  • السحاب و السحابة: و هو الموكل باستلقاط البنات المرشحات للعمل و اقناعهن بالعمل في الدعارة
  • القواد: المكلف بفرز الناس في الشوارع المحيطة و اختيار الزبون (المليان) ليكون من نصيب فريقه
  • العايقة: و هي العاهرة بعد الخمسين و التي لا يرخص لها بممارسة الدعارة بعدها، و غابا ما تعمل سحابة أو قوادة حسب مهاراتها
  • البرمجي: لا مش مفرد برمجيات، ده بضم الباء، و هو عشيق المومس و الحارس الخاص لها، فهو بلطجي متخصص أو حارس شخصي، و كان على كل مومس أن تملأ عين البرمجي الخاص بها و تطعمه و تجلب له الدخان و الكيوف، و الا هجرها الى غيرها، فاذا كان خلفه ضعيفا، أصبحت هي و هو هفية في حي البغاء
  • البلطجي: و هذا لا دور له لكنه يفرض اتاوة على المومسات و البرمجية، بقهر عصابته، و قد بدأ هؤلاء أتراكا، و أصل الكلمة من فرقة البلطجية بالجيش العثمانلي، و كان دورها تقطيع الغابات لمرور الجيش التركي في غزو أوروبا، فكانوا ضخام الجثث يجيدون الضرب بالبلطة و لا يجيدون فنون القتال، و حين أصبحت تركيا الرجل المريض، سرح هؤلاء فانتشروا بين مصر و الشام يرتزقون بالبلطة و الارهاب بها

زمن القمة: الصيني نزل المهندسين

نستطيع بكل الفخر و الكبرياء أن نقول أن مصر تشهد أزهى عصور الوعد، فبعد "وعد" الرئيس المؤمن رحمه الله لنا بالرخاء و الرفاهية، حقق وعده و انفتحنا على الآخر، و طغت سيرة شارع الهرم على الهرم ذاته في بلاد الغترة و الشماغ ، و بعده لم نتوقف أبداً، بل استمرت المسيرة في العلو و الصعود لمكان الصدارة الوعدية، فهذه هي المهندسين قد غدت اليوم أحد أسخن بقاع الدعارة على مستوى القارة ربما، فتصبح شوارعها مساء في الصيف لا تطاق من كثرة الأشمغة و إماء الدولار و الدرهم و الريال، و الغريب أن هناك شتائم خاصة بين العاهرات و بعضهن، فتقول واحدة لأخرى "يا بتاعة العرب" مشيرة لممارستها مع السواح من الأشقاء العرب، طيب هو فيه منهم بينقي يعني؟ آه فيه، يقول من يدعي العلم ببواطن الأمور أن هناك متخصصات في الأجانب و هؤلاء يقطن منطقة المعادي و الزمالك و غيرها، و يرافقن الزبون مدة وجوده أو جزء منها بمقابل راتب يومي أو شهري ثابت، منها دليل و منها كل حاجة، و منهن بتوع العرب، و هؤلاء بالليلة او الأسبوع، أما أحط الأنواع فيقال لها "بتاعة الطلبة" و هذه عادة ما تكون في النزع الخير من عمر أنوثتها، و زهيدة السعر، فيكنى عن هذا بانها في متناول الطلبة

المصيبة الجديدة بقى، الصين دخلت معانا ع الخط يا رجالة، الغزو الصيني بعد أن احتل مرافق و أسواق البلد في كل شيء، جاب من الآخر و بعت لنا الكتاكيت بتوعه، و يقال أن الظاهرة على مستوى اقليمي شرق-أوسطي تعاني منها لبنان و مصر و الإمارات العربية و المغرب، و هن بالطبع يحطمن الأسعار تحطيما، فضلا عن شبابهن و رشاقتهن الغير متوفرة في الصنف المحلي، و بدأ الأشقاء ريقهم يجري على الصيني بعد غسيله، و يبدو ان البساط بدأ يسحب من تحت يد المنظومة المصرية الحالية من السحابين و القوادين و المومسات، و هذا العنصر الوافد يعمل بطريقة البيع المباشر للجمهور بدون وسطاء و لا سحابين و لا غيره، لهذا فالمنافسة السعرية ساحقة، المشكلة ليست في الصين و من جاء منها و حسب، لكن المأساة في المنافسة المحلية من الهواة، فكلنا سمعنا عن شبكة دعارة العذارى قريبا في الصحف و المواقع، ده فضلا عن وجود بعض السائحات من دول الغترة و الشماغ أيضاً يردون القلم و يمارسون اللعبة مجانا مع الشباب المصري و غيره هنا في ذات الأماكن التي يعبث بها رجالهن! فهل هذه هي السياحة التي نحرص عليها و لدينا كل ألوان السياحة الدينية و الثقافية و العلاجية؟

16.7.08

لآليء القرآن-05

القبس الخامس

قال تعالى (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) المائدة: 105
هذه القاعدة الإيمانية التي تطرحها الآية، بتحديد المسؤولية الشخصية لكل فرد عن معتقداته و عن أعماله تهمنا من أكثر من جانب، و لها في حياتنا أكثر من مهمة و أكثر من تطبيق ، أولها التزام النفس، و الانشغال بها عما سواها و عن العيوب التي فيمن حولنا ، فننشغل بعيوبنا أكثر من انشغالنا برصد عيوب الناس من حولنا و نقاط ضعفهم ، فذاتنا هي محط مسؤوليتنا، فضلا عمن نرعاه من القاصرين، بسبب تبعيتهم لهذه الذات، فلو شب هؤلاء عن الطوق انطبقت عليهم الآية و رفعت عنا مسؤوليتهم ، أما القول بحساب الرجل عن أعمال النساء من أهل بيته فقول لم يأت به القرآن، بل أتى بعشرات الآيات التي تنفي هذه المسؤولية، و كذلك في سيرة المصطفى، لو كانت النساء توابعا لما كان هناك داع لأن يبايعهن النبي بيعة مستقلة، و لا أن يخصص لهن يوم الثلاثاء في المسجد لتفقيههن في الدين ، اما القاعدة الثانية التي تخلص إليها من الآية فهي الاقتصار عن الناس، فلا يقيم الواحد من نفسه قاضيا على الناس يقول لهذا أنت أحسنت و أنت أسأت و أنت فعلت كذا و كذا و هذا فيه كيت و كيت، أما الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيكون فيما له تأثير على المجتمع و ليس في السلوك الشخصي، فلو رأيت رجلا يقود سيارته عكس اتجاه السير فهذا منكر يجوز لك تنبيهه إليه و أن تطلب منه تغييره، لأنه منكر عام يشكل ضررا محتملاً أو محققا عليك شخصيا و على الناس عامة ، و لو وجدت رئيسا في العمل يأتي بما يضر الصالح العام فلك حق النقد و طلب التقويم، لأنه أتى بمنكر قد يضرك من خلال الإضرار بعملك و موضع رزقك، أما ما كان من الناس سلوكا شخصياً ، أو عقيدة أو عبادة، فهو أمر يخص هداهم أو ضلالهم و لا سلطان لك عليهم فيما يخصه، إلا أن تسأل النصيحة فتنصح ثم تعود للإقتصار عن الناس، و الدرس الثالث هو التطبيقات في السلوك المؤسسي، فمن الآفات الشهيرة في الأفراد أنك عندما تطلب مثلا من مرؤوس تعديل سلوك معين أو مستوى عمل محدد، تراه يجيب " و لكن فلان و فلان يفعلون مثلي و لم يطلب منهم أحد مثل هذا التعديل" فهذا لن تجد ما تجيبه به خير من هذه الآية الكريمة ، فمن عادة البشر أن يستغلوا المقارنات الغير منضبطة و القياسات الغير-دالة للهروب من تكليف في العمل أو تبرير سلوك غير مرغوب فيه و خارج عن الإطار العام

قال تعالى (وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) الأنعام:98
أما نشأة الناس من نفس واحدة ، فهو أمر قد يصعب تخيله مع تعداد العالم الحالي الذي تعدى الستة مليارات و نصف المليار إنسان، و لهذا مثلا تصور الدكتور محمد شحرور في كتابه القيم "الكتاب و القرآن" أن يكون آدم اسم جنس و أن تكون النفس الأولى هذه أيضا معبرة عن اسم جنس، و لكننا نرى غير هذا الرأي، فمن خلال المنحنى المبين أعلاه، نجد أن البشرية تراوحت من شبه ثبات في الزيادة السكانية خلال الفترة من عام 1750 م و حتى عام 1900، ثم بدأت زيادة متصاعدة حتى وصلت إلى زيادة قدرها 100% خلال العقود الأخيرة مع ارتفاع مستوى الرعاية الصحية و انخفاض معدلات الفقد في الحروب و أزمات الغذاء نتيجة للتطور العالمي ، فلو افترضنا نسبة زيادة في التجمع البشري قدرها خمسة بالمائة كل نصف قرن ، و هي نسبة معقولة نظرا لمجتمعات الحروب و الأزمات في العصور القديمة، ثم عدنا للوراء لحساب كم يلزمنا من السنين للوصول لحالة الزوج الأول، لوجدنا أننا رياضيا نحتاج إلى 21000 سنة فقط للوصول لهذه الحالة، و هي فترة تقل عن عشر العمر المقدر للإنسان على الأرض ، و هذا الفارق بالطبع لأن البشرية تعرضت لنكسات جسيمة في الأرواح في عصور الحروب و الاضطهاد الديني كان الضحايا فيها يقدرون بمئات الآلاف و بالملايين، و من الغريب حقا أن مصر و الصين تحديدا كانتا عبر تاريخهما كثيرتي التعداد، و القاسم المشترك بينهما كان وجود سلطة مركزية قاهرة تقلل سفك الدماء الذي كان قدراً طبيعيا يتعرض له الإنسان في بلاد الغال و غيرها من بقاع أوروبا، و بسبب هذه الحياة القاسية، تكون النسبة الافتراضية التي وضعناها كبيرة جداً في هذه الحالة، و الشاهد مما قلناه هنا أن العلم و المنطق الرياضي و الإحصائي يؤيدان بداية الإنسان من الزوج الأول آدم و حواء، بينما يفسر الانعزال و الطفرات التطويرية هذا الثراء الجيني الذي جد على الإنسان عبر السنين ، و نحن نرى لفكرة الخلق من نفس واحدة، هدفا ساميا، لأنها تعين البشرية على الالتقاء يوما على الحق و في سبيل السلام، ضمن فكر لا-عنصري يضاد النزعات الآرية و السامية و الضد-سامية و السلافية و غيرها، فقاعدة كلنا لآدم و آدم من تراب تعيننا على التواضع لله، و تعيننا على قبول الأخر المختلف عنا لوناً او جنساً بعيدا عن الصرعات العرقية البغيضة
الأرض مستقرنا و مستودع رمادنا
في التفاسير التراثية، كثر تأويل المستقر بأنه الرحم و المستودع بأنه صلب الرجل، و هو قول مردود من أكثر من جانب ، أولها أنه غير مدعوم بأي إشارة دالة على هذا التخريج من القرآن أو السنة عدا الأخبار المنقولة، و ثانيا أن التسلسل الزمني لا يستقيم بقولنا من نفس واحدة فالرحم و الصلب، لأن الجنين يستقر في الرحم كبويضة مخصبة في مرحلة لاحقة على التخصيب الذي يشترك فيه المني من الرجل، و بهذا يكون المستودع سابق على المستقر و الأولى أن يأتي قبله في بناء الجملة، كذلك حرف العطف الواو بين المستقر و المستودع لا يفيد التعاقب الزمني

و نحن نرى أنه في لغة القرآن وصفت الأرض بأنها مستقر لنا في قوله تعالى (وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ) ، و الأرض مستقر للإنسان في حياته، و الحياة هي حالة الحركة، لأن تعبير مستقر لا يكون إلا للمتحرك، ثم تكون مستودع لجسده بعد أن يفارق الحياة و يصبح جثة هامدة بلا حركة، لأن أودع و استودع يغلب عليها الاستخدام للأشياء و الجمادات ، و في هذه الآية يتكامل المعنى وفقاً لهذا الفهم ، فالسر الإلهي، و هو الروح التي أودعها الله في آدم ، خارج عن نطاق الآية الكريمة، لأنها تتعامل في نطاق الموجودات الأرضية و المرتبطة بالحياة الدنيا فقط، و ليس التي لها أبعاد الهية أو أخروية، فالنفس تختلف عن الروح، النفس هي الطاقة الحيوية للجسم الحي و هي موجودة في كل كائن حي من انسان لحيوان لنبات، و هي اشتقاق من التنفس، الوثيق الارتباط بحياة الخلية و وظائفها الحيوية، اما الروح فهي السر الإلهي الذي أودعه الله في آدم و توارثناه من آدم، و هو ما لا نعرف كنهه لأنه مرتبط بذات الله عز و جل ، لهذا قالت الآية الكريمة من سورة الإسراء ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) و على هذا، يستوي معنى الآية بأن الله أنشأ البشرية من كائن حي واحد و هو آدم، ثم جعل الأرض مستقرا لهذا الجنس البشري، أو بمعنى أدق الأحياء منه، و فيها كذلك مستودع لرفات و رماد الأموات منهم، فالروح لها مهمة ربانية تنتهي بموت الإنسان فتعود الروح لبارئها، بينما الجسد مرهون بهذه الأرض مستقر له حيا و مستودع له ميتاً

قال تعالى ( وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) الأنعام: 108
هنا تأديب راق للمسلم بألا يسخر من عبادات الآخرين و من معبوداتهم و مقدساتهم بالتبعية ، و بطبيعة الحال من لا يسخر لن يحطم أو يدمر معبودات أقوام آخرين، و لقد التبس على البعض و على رأسهم مهاويس طالبان، أمر تحطيم الرسول لأصنام قريش حول الكعبة، و هذا أمر منطقي، لأنه لا يعقل أن يحتوي بيت الله على أرضه و معقل التوحيد أصناما، و هي من قبل و من بعد حجارة و أنصاب بلا قيمة لا فنية و لا تاريخية، اما تراث البشرية خارج الأرض المقدسة في مصر و العراق و سورية فلم تنله يد التحطيم من صحابة الرسول الذين فتحوها، ببساطة لانهم فطنوا للفرق الذي لم يفطن له الأفغان ، ثم تبين لنا الآية عاقبة السخرية من دين الآخر أو سبه، و هي رده لهذه السخرية بمهاجمة الإسلام و كتابه و رسوله أو تجاوز هذا إلى سب الذات العلية، لأن النور المطلق عند البوذي هو أقدس المقدسات، فلو سببته و سب هو الله عز و جل، يكون قد فعل عن جهالة لأنه يجهل قدر الله الحق

ثم توضح الآية قاعدة هامة في قوله تعالى (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) فمن فرط الغباء أن تعتقد كما يقول بعض السفهاء، أن غير المسلم يعلم أن الإسلام هو الحق و لكنه يكابر، لأن كل إنسان ينشأ على دين و مقدسات، غالبا ما يلقنه إياها أقدس المصادر إليه و هما الأب و الأم، فتترسخ عنده هذه المقدسات في منطقة محظورة من أغراس الطفولة المبكرة، لا يمسها عقله إلا لمما، و لا يسمح لأحد أن يمسها، بل يحاول فقط أن يرى مواطن الجمال في عقيدته تلك، فلو لم يجدها يخترعها اختراعا، و هذا معنى قوله تعالى (زينا لكل أمة عملهم) فالله لم يزين للكافر كفره مباشرة، و لكنه فطر الإنسان على الإعتزاز بمقدساته و الانتماء إليها، و أهداه العقل مع هذه الفطرة ليوجهها نحو الصواب ، و بهذا يكون الله زين للمسلم و غير المسلم عقيدته و أعماله بأن خلق الإنسان ميالاً للانتماء و فزعا من المساس بالمقدسات و الثوابت و الموروثات ، فلا يحسبن أحد أن البقرة عند الهندوسي أقل قداسة من الصليب عند المسيحي أو المسجد عند المسلم، ثم يؤدبنا الله بأدب التعددية الدينية، فيعلمنا أن البيان النهائي للصواب و الخطأ و الحقيقة المطلقة هي حق محصور للخالق عز و جل، و لا يحل لكائن من كان أن يدعيه لنفسه أو يحاسب غيره على عقيدته، لكن بطبيعة الحال لا يخضع التفكير النقدي لأي فكر ديني و علم الأديان المقارن و غيرها لهذه القاعدة، لان هذه الدراسات الجادة ليست هزلا و لا سبا و لا سخرية، و لا تثير نفس أحد إلا الجهلاء و السفلة

قال تعالى (وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ) الأنعام: 120
و قد حملت الكثير من التفاسير لفظة الإثم في الآية الكريمة على كونها الزنا!!! و لا نرى لهذا مبررا في التوظيف اللغوي للقرآن، إذ ورد الإثم تعبيرا عن تبديل كلمات الله و عن الإجحاف في الوصية و عن السكر و القمار، و عن القتل ، و عن اتهام الناس بالباطل و غيرها من الخطايا الخلقية الظاهر منها و الباطن، و ليس مقبولا على هذا أن نحدده في الزنا تحديدا، فنحن نرى الإثم تعبيرا قرآنيا عن كل فعل يندرج في قائمة الشرور و المنكرات، فيما عدا الظلم و الانحرافات الجنسية، فلو قارنا سورة الأعراف و سورة النحل ، وجدنا الآيتان الدالتان على أنواع الشرور في عالمنا و هما قوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) الأعراف:33 ، و كذلك قوله تعالى (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل: 90 و بمقارنة الآيتين، نخلص إلى تصنيف الشرور وفقا للنص القرآني كالتالي

الفحشاء: و هي الزنا و كافة الانحرافات الجنسية و الزواج الباطل و كل ما يقوم مقامها و يقاس عليها ، و الظاهر منها هو ما كان زواجا باطلا مثلا، او من كان يجاهر بالخطيئة أيا كانت، و الباطن خلاف ذلك و هو الأكثر شيوعا، و بالتالي الأشد خطراً و من هنا كان التأكيد بالاقتصار عن الظاهر و الباطن من الفواحش

المنكر/ الإثم: هو جميع ما تعارف الناس على كراهته و سوئه من قول أو فعل و غيرهما، و هو بلغة عصرنا، و بما ان المجتمعات تعقدت، يتم من خلال نواب الأمة في عمليات التشريع، فهو ببساطة القانون المعمول به في البلاد، و لو عدنا لقائمة المحظورات التي عبر عنها القرآن بلفظة الإثم ، فسنجد أن القانون يمنع منها أمورا كثيرة، و يمنع أمورا أخرى جدت مع الزمن، مثل المرور و مخالفاته مثلا، و التي يمكن لبعضها تعريض حياة الناس للخطر، كالقيادة عكس اتجاه السير المروري و كسر الإشارات الضوئية و القاء المهملات في الشارع و غيرها، فكل ما يحرمه القانون وجب على المسلم الامتناع عنه لأنه أصبح منكرا بعد أن أقر انكاره نواب الأمة ، و هناك أمور لا يمنعها القانون، مثل القمار مثلا و شرب الخمر و الاجحاف في الوصية، و لكنها تظل آثاما علينا الالتزام بعدم السقوط فيها، لانها منكرة و مؤثمة في المجتمع، و على هذا، فمفهوم المنكر مفهوم مرن يتزايد مع الوقت لتحقيق أقصى التزام مدني و خلقي للفرد، في اطار مجتمعه و ما يناسبه، لذلك أرجعه الله لما ينكره الناس، و ان منع حلالاً، مثل قانون المرور، و مقابله المعروف، و هو ما تعارف الناس على حسنه على ألا يحل حراما، فلو تعارف الناس على الخمر لا يحل لمسلم شربها مع هذا، لأنها واقعة في قائمة المحرمات المباشرة



البغي: البغي هو الظلم الإرادي، أو بمعنى أدق الظلم المقصود المتعمد، ظلم الناس، و حقوق العباد، و منها ما يمنعه القانون و يشرع له لمحاولة الردع عنه، و منها ما لا يستطيع القانون أن ينفذ اليه، كظلم الأب أحد أبناءه، أو ظلم الأستاذ لتلميذه، او الرئيس لمرؤوس، فمن الوارد أن يظلم الفرد غيره عن جهل أو سهو أو خطأ، لكن هذا لا يعد بغياً طالما افتقر لشرط التعمد و تبييت النية على الظلم بهدف محدد يهدف اليه الظالم

13.7.08

لآليء القرآن-04

القبس الرابع


قال تعالى (لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) النساء: 148
لقد قصرت العديد من كتب التفسير التعبير القرآني "الجهر بالسوء" على الدعاء على الغير بسوء، و هذا غير ظاهر من نص الآية الكريمة، بل تتناول الآية كل ما يقال، و تفيدنا ان الله لا يحب لنا أن نقول بسوء، سواء في ذلك ذم انسان، أو لفظ كريه، او دعاء بشر على أحد من الناس، إلا أن يكون ذلك نتيجة لظلم وقع على القائل من هذا الشخص، لأن الإحساس بالظلم يحرك النفس و يطلق اللسان، فيجوز للمظلوم أن يدعو الله جهرا على ظالمه، و أن يحدث الناس بهذا الظلم، و قد حدد الله الجهر بالسوء، لانه من الجائز أن تجيش النفس بالسوء لواحد من الناس ضايقنا في أمر من أمور حياتنا، أو حتى رجل لا نستحسن كلامه أو فعله، فمن الصعب عندها أن نتحكم فيما يدور بعقلنا من وصف سيء له يرسخ في ذهننا ، لكن من الواجب أن نجتهد في إمساك اللسان حتى لا يشي بهذا الوصف، فمثلا، قد ترى رجلا يتحدث أو يتصرف برقاعة ، فيدور برأسك قول "يا له من رجل رقيع" و لا سلطان لك على عملية تكون الانطباع هذه، لكن بيدك أن تمسك لسانك، فلا تقول لمن بجوارك "انظر لهذا الرقيع" هنا تكون قد جهرت بسوء، و بما أن الله لم يعينك قاضيا على غيرك، فهذا أمر ليس لك و لا هو من حقك ، و أنا أقر بأن كف اللسان هنا أمر صعب، فهي عادة شرقية عتيدة، عادة التعليق على الآخرين تلك، و التي تجاوزناها اليوم إلى ما هو أقبح من سباب في الشوارع و معارك المرور، و لا أبريء نفسي من هذا، لكن علينا جميعا أن نجتهد بالسيطرة على لساننا في هذا الأمر، و هذا أجدر من الامتناع عن قول "و النبي" أو الامتناع عن التغني بنشيد "أحلف بسماها و بترابها" لو كنا نريد الالتزام بأمر القرآن، الذي أوضح الله فيه كراهة الجهر بالسوء كما أوضح عفوه المسبق عن لغو الأيمان

قال تعالى (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً) النساء: 164

الآية الكريمة ذات أهمية علمية قصوى، لانها تخدم التوافق بين العلم و العقيدة، فلعل أهم مشاكل العهد القديم أنه حاول تقديم رؤية كاملة للتاريخ من خلال النبوات، فأرخ للبشرية ما يفيد بأن عمرها على الأرض لا يزيد عن ستة آلاف عام، و هذا تأريخ متهافت تهاوى مع اكتشاف حجر رشيد، حين تبين أن حضارة مصر وحدها تجاوزت هذا التاريخ، ثم ازداد بيان تهافته مع اكتشافات القرن العشرين التي قدرت عمر الحياة على الأرض بثلاثمائة مليون سنة، و عمر البشرية في صورة الإنسان كما نعرفه اليوم في قرابة الربع مليون سنة، و من هنا كانت ضرورة هذه الآية، التي أفادت أنه سبحانه قد قص علينا قصصا مختارا من قصص الأنبياء الذي يحتوي على أحداث و معان محددة نستعين بفهمها في دنيانا، و أن هناك عدد غير محدود من الأنبياء ما بين آدم و نوح و ما بين نوح و إبراهيم لم نعرف عنهم شيئا ، ربما لأن أحداث رسالاتهم تشابهت مع غيرها من النبوات، فلم يكن هناك ما يدعو لتكرار القصص، لان الهدف تعليمي و تأديبي و ليس هدفا علمياً تأريخياً، و لهذا نقول دوما أن القرآن كتاب هداية و ليس كتاب تاريخ طبيعي و لا فلك أو جيولوجيا كما يدعي البعض من محترفي الشاشات و المساحات المدفوعة في الصحف القومية

و من ناحية ثانية، تهمنا الآية الكريمة من زاوية احترام كافة الأديان، و كافة رموزها، فلا نسب و لا نسخر، ببساطة لأنه ليس بإمكاننا أن نجزم بأن أساس أي دين لم يكن رسالة سماوية حرفت حتى وصلت لحالتها الراهنة، لقد كان عرب الجاهلية أحفاد نبي الله إسماعيل، بدأوا موحدين أحنافا، ثم قادهم تعلقهم بالبيت العتيق بمكة إلى صناعة نماذج له من حجر يصحبونها في السفر تبركا، ثم تقادمت العصور فخرجت الحكايات حول هذه النماذج، ثم تحور شكلها إلى أيقونات حجرية ثم أصنام، و الآن، و في ضوء هذا التاريخ لتطور الوثنية من ديانة سماوية في ظل غياب الكتابة و التوثيق للفكر الديني، هل نستطيع أن نجزم أن أديانا كالبوذية و الزرادشتية و الهندوسية ليست أديانا سماوية في الأساس، ثم حرفت بمرور الزمن؟ هل يمكننا القطع بأن بوذا و زرادشت و غيرهما من رموز هذه الأديان ليسوا من الأنبياء الذين لم يحدثنا عنهم القرآن؟ لا يمكننا القطع بالإثبات و لا بالنفي، و لكن يدعم الاحتمال، عدم معقولية خلو آسيا المتمادية في القدم و العمران البشري من النبوات عدا في أقصى غربها ، كذلك الحال في أوروبا و أفريقيا، لقد فسر الماديون التشابه بين الأديان في التيمات الأساسية مع بعض الخصوصية لكل دين وفقا لبيئته و مجتمعه بأنها نتاج بشري، و نحن نرى التشابه و الخصوصية فنفسرها بتفسير مغاير، هو وحدة الأساس التي خلقت التشابه، و تقادم الزمن الذي خلق الخصوصية من تفاعل البشر مع الدين في المجتمعات المتباينة، فأضيفت الأفكار البشرية و الأخيلة و العادات المرتبطة بالبيئة لهذه الأديان، لهذا يكون الأحوط دوماً أن نحترم كل رموز الأديان و لا نسخر من أي منها

قال تعالى (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) المائدة: 46
لقد ذكر الإنجيل في القرآن الكريم عدة مرات معطوفاً على التوراة، و في هذه الآيات استخدم لفظ الإنزال لهما معاً نظراً لتقدم التوراة في الترتيب، و ذلك مثل الآية الكريمة (نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ) فغلب القرآن صفة التوراة المنزلة عليهما معاً، و لكن حين ذكر الإنجيل منفرداً كما في هذه الآية الكريمة و كذلك في الآية من سورة الحديد (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) استخدم لفظ "آتيناه" و هو تعبير دقيق فيما يخص الإنجيل، لان الانجيل كما نعرفه اليوم مروي عن أربعة من حواريي المسيح هم متى و مرقس و لوقا و يوحنا، و هو روايات مختلفة لقصة السيد المسيح و حياته على الأرض و أقواله و قصصه و تعاليم نبوته، تتفق في الجوهر و تتباين في بعض التفصيلات، و لهذا فالإنجيل ليس كتاب منزل بحرفه، و لكن ملهم بمعانيه من الله للسيد المسيح في مواقف معينة ، فكان استخدام فعل الإتيان أقرب من فعل التنزيل بسبب طبيعة الإنجيل ككتاب ملهم، و هو ما لم يفطن إليه أي من المفسرين سابقا، ربما لقصور العلم و الإلمام بالإنجيل ، لكننا لا نراها أبداً مصادفة لغوية أن يستخدم القرآن لفظ التنزيل للتوراة و الإنجيل مجتمعين و للتوراة بمفردها و يستخدم الإتيان للإنجيل ، لقد بقي موضوع إنزال الإنجيل و التوراة يحيرني فترة لعلمي أن الإنجيل ليس منزلا بلفظه، حتى هداني الله لهاتين الآيتين

قال تعالى (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون) المائدة: 48
الشق الأول من الآية الكريمة يتناول علاقة القرآن بالتوراة و الإنجيل من قبله، و يثبت للقرآن أنه جاء مصدقاً لكليهما، أما مهيمنا، فهي من الهيمنة بمعنى الحفاظ على الشيء، و احتوائه، و بهذا يكون المعنى المقصود ان القرآن جاء مصدقا للتوراة و الإنجيل و محافظا على المعاني و القيم التي وردت بهما ، من خلال شمولها في النص القرآني من حيث المعنى، و قد حفظ الله القرأن بنصه بالآليات التي تحدثنا عنها سلفاً، ثم تخبرنا الآية الكريمة أنه برغم توحد الأديان السماوية ، اليهودية و المسيحية و الإسلام في المضمون الأساسي و هو التوحيد عقيدة و طريق الحق و الخير سلوكاً، إلا أن الله شاء أن يجعل الشرائع بين هذه الأديان الثلاثة مختلفة ، و قد كان خلافا مبنيا على اختلاف العنصرين الزمني و المكاني بين الرسالات الثلاث، و كذلك اختلاف الهدف من كل منها، فمثلاً، بينما نجد تركيزا كبيرا في اليهودية و الإسلام على التوحيد و العبادات، نجد المسيحية تركز على الأخلاق و مضمون العبادات، ذلك أن بيئة اليهودية و و الإسلام الأولى كانت وثنية في الحالتين، بينما أرسل عيسى لليهود و هم موحدين و عابدين، غير أنهم أفرغوا العبادات من مضمونها الأخلاقي، كذلك ضمن الله سبحانه في الإسلام الآليات اللازمة لضمان استمراره و تطوره لمواكبة تطور الإنسان، ذلك أنه خاتم الأديان ، و هكذا تباينت الشرائع و العبادات في كل دين وفقاً للهدف الأسمى و هو نشر عقيدة التوحيد و مكارم الأخلاق بين البشر حتى تتحقق المهمة الكبرى في التحضر و التطور الإنساني ، أما الشرعة فهي الطريق الأساسي و يقصد به العقيدة، و اما المنهاج فهو من النهج ، و النهج هو الأسلوب، فيكون أقرب لمعنى العبادات و السنن التي تمارس في كل دين من الأديان

قال تعالى ( إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) المائدة: 69
هذه الآية الكريمة حيرت المفسرين و النحاة في تأويلها، و ذلك لأن "الصابئون" و هي معطوف على اسم إن جاءت مرفوعة و الأصل فيها النصب لتصبح "و الصابئين" فعلل بعض النحاة و منهم الفراء بقوله أن "إن" الناصبة ضعفت لطول العطف، و علل البعض بالتقديم و التأخير بأن أصل الترتيب يكون "إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك" و منهم سيبويه ، لكننا مع قبولنا لرأي التقديم و التأخير لا نرتاح للسياق المقصود كما افترضه سيبويه لأن فيه افتعالا شديدا، و رأينا في الآية الكريمة بين أمرين ، الأول: التقديم و التأخير، على افتراض السياق بدون تقديم يكون "الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئون و النصارى ، إنهم من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون" و بهذا النمط الافتراضي يستقيم الاعراب و يحتفظ السياق بمنطقيته و سلامة معناه ، و هو ما لا نراه متوفرا في فرضية سيبويه، و في فرضيتنا تصبح الصابئون معطوف على مبتدأ مرفوع بالواو، و تكون إن جملة في محل خبر ، و اسمها ضمير مستتر تقديره هم عائد على المبتدأ، و خبرها جملة "من آمن ....." و بهذا تنتفي الإشكالية الإعرابية ، الاحتمال الثاني: و هو أن تكون القراءة المعروفة عن الصحابي الجليل "عبد الله بن مسعود" هي الصحيحة حيث قرأها "و الصابئين" و بهذا أيضا تنتفي الإشكالية الإعرابية ، و يؤيد هذا الرأي ورودها بالسياق ذاته في سورة البقرة منصوبة في قوله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون" ، و من المعروف أن الأحناف قد اعتدوا بقراءة ابن مسعود من مصحفه في العديد من المسائل كالقنوت و غيرها كمرجع فقهي يجوز الرجوع إليه ، و لا يجب أن تكون لدينا حساسية في هذا الموضوع ، فحين نأخذ في الاعتبار أن المصاحف الأول كتبت غير منقوطة و لا مشكلة بحركات عليها، فليس أمرا جللا أن يكون عندنا ثمان أحرف في القرآن كله يختلف فيهم القراء من مصاحفهم المختلفة ، فهذا أمر هين لا يغير في معنى الآيات شيئا و لا تعارض فيه مع قاعدة الحفظ الإلهي للذكر الحكيم

من هم الصابئون؟
تفاوتت كتب التفسير بين أقوال متفاوتة ، فقال بعضهم أنهم قوم يعبدون الملائكة و هذا لا يعقل لأنهم ذكروا مع أهل الكتاب و المسلمين، و قال البعض أنهم فصيل من اليهود أو النصارى، و لو كان الأمر كذلك لاستغني بذكر الأصل عن ذكر الفروع، و قال البعض أنهم كالمجوس و هذا لا يعقل لذات السبب الأول، فماذا نقول فيهم؟ سبب الخلط الذي وقع فيه القدماء هو تعقيد عقيدة الصابئون هؤلاء، فهم يؤمنون بالله الواحد، و هم يتجهون بالحديث للملائكة كوسيط ، و هذا خلل في توحيدهم و لا ريب، مما روج لفكرة أنهم يعبدون الملائكة، كذلك يجعلون لكل ملاك رمز من النجوم، و لهذا حسب أنهم يعبدون النجوم، و قد تأثروا كثيرا بسيرة يوحنا المعمدان ، خاصة في فكر المعمودية ، و لكن التأثر بيوحنا كان متأخراً بعد نشأتهم لأن تاريخهم أقدم من المعمدان نفسه، اذ يرجعون للألف الثالثة قب الميلاد، و يهتمون اهتماما خاصا بالتعميد بالماء و الاغتسال بشكل طقسي جماعي و بملابسهم، لهذا الخلط مع المسيحية، فهم يغتسلون لمحو الخطايا، و لا يعترفون بالعنف كوسيلة مشروعة لحل النزاعات، و يحرمونه في كافة الظروف حتى المقاومة المشروعة

و تقوم عقيدة الصابيان أو المانديين على الصلاة و الصوم و الصدقات من حيث العبادات و الطاعات، و يقوم على الإيمان بالله الواحد و الإيمان بنبوة كل من آدم و شيث و نوح و ابنه سام بن نوح و يحيى ابن زكريا أو يوحنا المعمدان و هو آخر أنبيائهم ، و لهم كتب مقدسة هي كتاب "الجينزا-رابا" و هم ينسبونه لنبوة آدم و ابنه نوح، و كتاب آخر فيه كلمات و مأثورات عن يحيى عليه السلام، و هم يحرمون الختان، و الكحوليات ، و يقدسون الزواج كواجب ديني و لا طلاق عندهم ، و يتميزون بموقف شديد التحضر من المرأة و مساواتها بالرجل، و لا يزيد عددهم في العالم كله اليوم عن مائة ألف صابي

و لا أساس من الصحة لما ورد بكتب التفسير، و على موقع الأستاذ عمرو خالد من أن الصابئة مشتقة من فعل صبأ ، ببساطة لأن العكس هو الصحيح، الصابئة أو الصابيان مشتقة من فعل "صابا" بمعنى اغتسل و اسم "ماصبوتا" بالآرامية و معناه المغتسل، فأغلب الظن أن الفعل "صب" كصب الماء و غيره هو جذرها في العربية، أما صبأ فقد قيلت لمن غير دينه في الجاهلية و أصبح صابيا، أي اتبعهم، ثم عمت لكل من قال بالتوحيد و أعرض عن آلهة قريش، و مازال الصابئة موجودن ليومنا هذا كما نرى في الصور في جنوب العراق و جنوب سوريا، لكن أعدادهم في تناقص مطرد، و البعض يرجع هذه العقيدة لدين إبراهيم الخليل بعد أن حرف متأثرا بالزمن

مضمون الآية الكريمة
هذه الآية هامة للغاية لفهم طبيعة الفئة الناجية من منظور قرآني، و هل هي فئة واحدة أم فئات، و هل تتوحد درجة النجاة أم تتفاوت ، و لكن لصعوبة شرحها مستقلة عن بقية الآيات المرتبطة بها فسنوردها في مبحثنا عن الدار الآخرة في الجزء الثاني من كتابنا هذا

قال تعالى (قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة: 100
هي آية من أجل الحكم التي يمكن أن ترسخ في ذهن الإنسان فتغير سلوكه تغيراً جذرياً كاملاً، لأنها تعبر عن قانون إلهي قدره الله في كونه، و هو قائم إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، و بداية نقول بأن الخبيث هنا هو كل ما خبث من الصفات و الأفعال و السلوكيات و الأشياء، و الطيب هو كل ما طاب منها، فالشجاعة و الحكمة و الكرم و الصدق صفات طيبات يقابلها الجبن و الحمق و الشح و الكذب كخبائث، و الرشوة و الفساد و النفاق خبائث يضادها النزاهة و الصلاح و الترفع كطيبات، فتعالوا ننظر لحال الناس من الطيب و الخبيث في هذه الدنيا

بتقديرنا أنه في أي مجتمع بشري طبيعي، موفور العدد، يكون هناك نسبة لا تتعدى العشرة بالمائة من الناس يتبعون الطيب حيث كان تحت أي ظروف و مهما كان الاغراء و الترهيب، هؤلاء هم الصفوة الأخلاقية للمجتمع ، و لكن الأخلاق ليست قاصرة عليهم، و كاتب هذه السطور لا يرى نفسه واحدا منهم لأنه أضعف من ذلك، لكنه لا يعد نفسه كذلك خبيثا بالكلية، و على نقيض هؤلاء، هناك نسبة تقارب العشرة بالمائة خبثاء بالسليقة، و هم من اصطلح علماء النفس على تسميتهم بالسايكوباتيين، و هم يرتكبون الخبائث حبا في الشر و الدمار و الخراب بدون نفع يطلبونه أو ضرر يهربون منه، ثم تأتي الفئة التي تكون سواد المجتمع الأعظم و هو الثمانين بالمائة، و هؤلاء متدرجون، ففيهم من هو أميل للخير و من هو أميل للشر، و بدرجات متفاوتة، و هؤلاء لو حسن المجتمع من ناحية نزاهة حكمه و صرامة قوانينه و ارتفاع مستواه الحضاري، يميلون بالضرورة لأعلى فيكون المجتمع صالحا يكثر فيه الطيب، و العكس صحيح، فلو هبطت هذه العوامل انحدروا للخبائث حتى يغلب الخبث على المجتمع
الآية الكريمة تخبرنا أنه في الحالات التي تسود فيها صفة أو سلوك أو ممارسة خبيثة كالرشوة أو التحلل الخلقي أو السرقة و غيرها في مجتمع بشري، كما هو حال الفساد عندنا اليوم، يجب على المؤمن أن يتمسك بصفاته المضادة لهذه الآفة المنتشرة، فلا يغتر بكثرتها و تفشيها فيقول لنفسه " و لماذا أكون أشرف من هؤلاء" او يقول كما في الحديث الشريف "انا مع الناس" لأن كثرة الشر لا تقلبه خيرا بل تجعله شرا كبيرا، و كثرة الظلم لا تجعله عدلا بل حوبا كبيرا، و الكثرة قد لا تعني الكثرة العددية فقط، و لكن تعني المكانة التي يصل إليها الشر ممثلا في أتباعه، فقد ترى منهم الأثرياء و الوجهاء و الساسة، فتعجبك هذه الوفرة في مال الخبيث أو منصبه أو حظه من الدنيا، لأن الدنيا ليست دار عدل نهائي، فقد قدر الله لها أن تسير بمقاييس سببية معينه قد يثرى الخبيث بها، و قد يسود الجبان و الأحمق، إذا صادفتهم أسباب النجاح ربما عن غير جدارة ، أما دار العدل المطلق فهي الدار الآخرة، و للإيمان بهذه الدار و عدالتها يوصينا الله في الآية بالتزام التقوى كواق من الانحرافات التي تخايلنا، لان الشر لو لم ينته بصاحبه لسوء المآل في هذه الدنيا، فسيحدث هذا في دار البقاء