على كتابة هذا البوست رغم أنني تناولت الموضوع مرارا و تكرارا، فقد كان سؤال الصديق العربي حول ما يجد من هجوم المصريين على شخص الزعيم خالد الذكر "جمال عبد الناصر" ، لماذا يجد الكثير من الهجوم على الزعيم من المصريين، في ذات الوقت الذي يطبل فيه كثيرون لأنور السادات؟ رغم مكانة ناصر التي اعترفت بها الدنيا؟ و تعلمها الصديق من أحاديث والده الذي حظي بمعاصرة الرجل الكبير؟ فنكأ سؤاله عندي موضعا حساسا، و وجدتني أتساءل معه، لماذا لا توجد كرامة للأنبياء في أوطانهم؟ لماذا يصدق في المصريين قول أبو الطيب المتنبي أكلما اغتال عبد السوء سيده فله في مصر تمهيد؟ و هي أسئلة مهمة و ليست ترفاً تاريخياً، و لعل من أسباب ما وصلنا إليه اليوم، اننا لا نجيد احترام الزعماء و من ضحوا في سبيل الوطن، و هذه ليست حالة عامة لكل الشعوب، فنحن فيها بكل الأسف متفردون ، جرب أن تشتم "جيفارا" وسط أحد الميادين الرئيسية في كوبا ، جرب أن تتهكم على "هو شي منه" في جلسة يحضرها فيتناميون، أو أن تذكر "شارل ديجول" باحتقار في معرض الحديث مع فرنسي، أو جرب إنكار وطنية "تشرشل" أمام بريطاني، و سترى رد الفعل الذي تتعلم منه كيف تفرض الشعوب احترام أبطالها القوميين و زعماء التحرير بها، بينما نحن ما تركنا لنا رمزا إلا شوهناه، فسعد زغلول مقامر، و مصطفى كامل عميل تركي، و محمد فريد زير نساء، و جمال الدين الأفغاني ماسوني صهيوني ! و جمال عبد الناصر دموي سفاح ! و الأعجب، أن الظاهرة الكوميدية الأكثر هزليا في تاريخنا، و هي الرئيس السابق "أنور السادات" لا تجد ما يكفي من الأقلام لبيان حقيقتها، و لا ما يكفي لتوضيح لماذا لا يعد السادات زعيما، و لماذا فقد بطولته التي حققها في أكتوبر 1973 قبل أن يقتل في أكتوبر 1981 مكان كبيراً كالمسافات، مضيئاً كالمنارات
الوداع يا جمال.. يا حبيب المــــــــــــــــــــــــــلايين
جمال في نقاط
- عام 1952 م القيام بحركة الجيش التي سماها الفقيه القانوني المصري الكبير "عبد الرازق السنهوري" ثورة ، و لم يسمها كذلك صاحبها و قائدها كما يدعي أنصاف المثقفين
- عام 1953 ألغى الملكية و أعلنت الجمهورية
- عام 1954 أقصى الرئيس محمد تجيب لتصاعد علاقاته مع الإخوان المسلمين، و تحقق جلاء المستعمر الإنجليزي في نفس العام بعد 70 عاما من هوان الاحتلال بتوقيع اتفاقية الجلاء ، و بداية دعم ثورة الجزائر ، و انفصل السودان عن مصر باختيار أبنائه بعد استطلاع رأيهم
- عام 1955 تألق في مؤتمر باندونج كأحد ألمع قادة حركة عدم الانحياز العالمية مع تيتو و نهرو، و لمن يدعون أن ناصر ارتمى في حضن الروس، عدوا بغير علم، لقد بقيت مصر دولة من دول عدم الانحياز حتى وقع السادات اتفاقية الصداقة بينها و بين السوفيت لأول مرة
- عام 1956 أمم قناة السويس ردا على سحب تمويل السد العالي ، و تم صد العدوان الثلاثي إلى أن انسحب المعتدون بعد الانذار الروسي و الأمريكي
- عام 1958 أقام الوحدة مع سوريا و قامت الجمهورية العربية المتحدة برئاسته، و كانت وحدة متعجلة لتردي الأوضاع بسوريا و زيادة احتمال سقوطها في سياسة الأحلاف التي جابهتها مصر دوما، و في نفس العام حسم ناصر أزمة سياسية في لبنان تشبه أزمة الأمس القريب بدعمه لقائد الجيش فؤاد شهاب
- عام 1960 تم تحويل مجرى النيل و انشاء التليفزيون المصري
- عام 1961 قرارات يوليو الاشتراكية الداعمة للطبقى الوسطى و طبقة العمال و الفلاحين ، و لمن يتحدثون بالأساطير، لقد حققت مصر معدلات نمو متوسطها 11% سنويا، و هي الأعلى في تاريخنا في الستينات، رحم الله القطاع العام الذي كان
- عام 1962 تأسيس الاتحاد الاشتراكي و صدور ميثاق العمل الوطني، و بداية حرب اليمن لدعم الثورة اليمنية، و ذلك للبعد الاستراتيجي لليمن على باب المندب الحاكم لقناة السويس و كذلك وقوعها جنوب العربية السعودية بؤرة النفوذ الأمريكي في المنطقة، و في ذات العام تحررت الجزائر بسواعد أبنائها و بالدعم المصري لها
- عام 1964 حققت مصر أعلى معدلات تنموية في تاريخها في التنمية الاقتصادية و البشرية معا، و لم تصل لهذه المعدلات ثانية حتى يومنا هذا، كذلك تم توقيع اتفاق الوحدة مع سوريا و العراق، لكنه لم ينفذ بموت الرئيس العراقي الوحدوي عبد السلام عارف
- عام 1965 تجدد انتخابه رئيسا للجمهورية
- عام 1967 كانت هزيمة يونيو الشهيرة و تنحي عبد الناصر ثم عودته بعد اعادة الشرعية لحكمه من خلال المطالبة الشعبية بعودته، ثم زيارة بودجورني لمصر لاظهار التأييد السياسي و الدعم العسكري، و تم دعم سلاح الجو المصري بمائة و عشرين طائرة ميج فورا و ستين طائرة بعد شهور
- عام 1968 بدأت حرب الاستنزاف ضد اسرائيل، و من وقائعها ضرب المدمرة ايلات، و عملية تدمير بيت شيفع و بات يام و الرصيف الحربي، و معارك شدوان و راس العش و معركة الطيران و غيرها من الأحداث البطولية للجيش المصري
- عام 1969 قبل عبد الناصر مبادرة روجرز لوقف اطلاق النار و ذلك للانتهاء من بناء حائط الصواريخ لحماية العمق المصري، و رفض مشروع روجرز للسلام و الذي عرض شروطا أفضل مما تمت الموافقه عليه بعد ذلك في كامب ديفيد
- عام 1970 حقن الدم العربي في أحداث أيلول الأسود بعد أن خلصت طائرة مصرية ياسر عرفات من الحصار الأردني و جاءت به لمؤتمر القاهرة ليوقع صلحا مع الملك حسين ملك الأردن
محمد أنور السادات ، عضو الضباط الأحرار الذي جاء من العريش بناء على تلغراف مشفر من جمال عبد الناصر بموعد التحرك، ثم أخذ زوجته و ذهب للسينما بدلا من انتظار جمال في منزله كما اتفقا مسبقا، و في السينما اصطنع مشاجرة و توجه لقسم البوليس لاثبات الواقعة، او بمعنى أدق، لاثبات وجوده بعيدا عن الأحداث لو فشلت الثورة و سقط الأحرار ، كذلك كان موقفه في أزمة مارس عام 1945م مبهما، لا هو مع نجيب و خالد محيي الدين المدعومين من جماعة الإخوان بوضوح، و لا هو مع باقي أعضاء مجلس الثورة بموقف واضح، رجل رمادي المواقف كعادته، و هو كذلك نائب رئيس الجمهورية الذي عينه جمال عبد الناصر نائبا له، و تلك كانت ثاني أكبر سقطات جمال عبد الناصر برأينا في اختيار الأفراد بعد المشير عبد الحكيم عامر، فبينما قضى عامر على انجازات ناصر العسكرية في 1967م ، قضى السادات على بقية الانجازات و في شتى المجالات، عندما سار على خط عبد الناصر بأستيكة كما قالت النكات وقتها ، ليعود بمصر لنقطة تحت نقطة الصفر، قضى على ما حققه ناصر، الذي انحنى السادات أمام تمثاله يوم حلف اليمين في حركة مسرحية حسبت عليه و ليس له لما فيها من تقديس مبالغ فيه، و لن أسهب في ذكر خطايا السادات التي يضيق عنها المجال، فكلها مما يمكن أن نتسامح فيه عرفانا بفضل قراره بالتحرك عام 1973، لكن ما لا يمكننا التسامح فيه هو ثلاث خطايا
السادات في الشعر العربي
لعل أصدق ما لخص أيام السادات كانت قصيدة "البتاع" لأحمد فؤاد نجم ، الشاعر الذي سماه السادات "الشاعر البذيء" و التي مازالت لليوم تضحكنا و تبكينا، و بها يقول عمنا الفاجومي
بإن هذا البتاع جاب الخراب بالطـــــــــول
لأن حتة بتاع جــــــــــــــاهل غبي مخبول
أمر بفتح البتـــــــــــاع لأنه كان مسطول
وبعد فتح البتاع ، جابوا الهواء المنقول
نكش عشوش البتاع ، و هد كل أصــول
وفات في غيط البتاع قام سمم المحصول
وخلى لون البتاع اصفر حــــزين مهزول
لانه حتة بتاع مخـــــــــــــــــلب لرأس الغول
باع البتاع بالمتاع وعشان يعيش علي طول
عين حرس بالبتاع ، وبردة مات مقتـــــــــول
أما التدليس الأكبر عن السادات، فهو حين يقول قائل من هنا أو هناك أنه كان بعيد النظر، حيث سبق الجميع للسلام مع اسرائيل، و هذا منطق معوج، فخروج مصر من معادلة المنطقة هو الذي فرض سلام الذل على الباقين، يا سادة ليس في منطقتنا قوى ضاربة سوى الجيش المصري و العراقي و إلى حد كبير السوري، العراق ليس من دول المواجهة و ليس لديه التغطية للعمليات مع اسرائيل لعدم وجود أرض محتلة له حينها، فلا يستطيع الا المشاركة و ليس الانفراد، سوريا لا تستطيع منفردة لعظم الفارق العسكري بينها و بين اسرائيل في التسليح و العتاد و الخبرة العسكرية، و مصر خرجت، فأي صمود يمكن بعدها؟ لقد عبر الشاعر أحمد مطر عن هذا أجمل تعبير في قصيدته "الثورة و الحظيرة" فقال

































