9.7.08

الزعيم و الممثل الهزلي

مصر بين عصرين
أجبرني سؤال وجهه الصديق "خالد طوبال" على كتابة هذا البوست رغم أنني تناولت الموضوع مرارا و تكرارا، فقد كان سؤال الصديق العربي حول ما يجد من هجوم المصريين على شخص الزعيم خالد الذكر "جمال عبد الناصر" ، لماذا يجد الكثير من الهجوم على الزعيم من المصريين، في ذات الوقت الذي يطبل فيه كثيرون لأنور السادات؟ رغم مكانة ناصر التي اعترفت بها الدنيا؟ و تعلمها الصديق من أحاديث والده الذي حظي بمعاصرة الرجل الكبير؟ فنكأ سؤاله عندي موضعا حساسا، و وجدتني أتساءل معه، لماذا لا توجد كرامة للأنبياء في أوطانهم؟ لماذا يصدق في المصريين قول أبو الطيب المتنبي أكلما اغتال عبد السوء سيده فله في مصر تمهيد؟ و هي أسئلة مهمة و ليست ترفاً تاريخياً، و لعل من أسباب ما وصلنا إليه اليوم، اننا لا نجيد احترام الزعماء و من ضحوا في سبيل الوطن، و هذه ليست حالة عامة لكل الشعوب، فنحن فيها بكل الأسف متفردون ، جرب أن تشتم "جيفارا" وسط أحد الميادين الرئيسية في كوبا ، جرب أن تتهكم على "هو شي منه" في جلسة يحضرها فيتناميون، أو أن تذكر "شارل ديجول" باحتقار في معرض الحديث مع فرنسي، أو جرب إنكار وطنية "تشرشل" أمام بريطاني، و سترى رد الفعل الذي تتعلم منه كيف تفرض الشعوب احترام أبطالها القوميين و زعماء التحرير بها، بينما نحن ما تركنا لنا رمزا إلا شوهناه، فسعد زغلول مقامر، و مصطفى كامل عميل تركي، و محمد فريد زير نساء، و جمال الدين الأفغاني ماسوني صهيوني ! و جمال عبد الناصر دموي سفاح ! و الأعجب، أن الظاهرة الكوميدية الأكثر هزليا في تاريخنا، و هي الرئيس السابق "أنور السادات" لا تجد ما يكفي من الأقلام لبيان حقيقتها، و لا ما يكفي لتوضيح لماذا لا يعد السادات زعيما، و لماذا فقد بطولته التي حققها في أكتوبر 1973 قبل أن يقتل في أكتوبر 1981 م

ناصر في وجدان الشعر العربي

ذات ليلة حالكة من سبتمبر، و بعد أن أرهق الرجل الجليل نفسه في حقن الدم العربي بإيقاف مهزلة الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية و الأردنية، فأضنى عضلة القلب التي كانت تعاني قبلها بالسهر المتواصل، و بعد أن ودع آخر من حضر القمة العربية و هو امير الكويت، لفظ الرجل الكبير آخر أنفاسه، مات زعيم التحرير الوطني و زعيم العروبة الأوحد في العصر الحديث ، مات الرجل نظيف اليد، عظيم الهمة، المؤمن بمبادئه و غاياته، مات "جمال عبد الناصر" الطود العملاق الذي يتفنن بعض أنصاف و أرباع المثقفين في الهجوم عليه اليوم، عن جهل أو تجاهل لدوره الذي غير وجه الشرق و شارك في تكوين الخارطة السياسية للعالم في زمانه، و من وجدان الشعب العربي الذي قهرته الصدمة، خرجت أجمل قصائد الرثاء في العصر الحديث، فعبر الشعراء بوجدانهم عن العلاقة الحميمة بين ناصر و شعبه العربي، بينما تفنن المرتزقة من أشباه الرجال و أشباه المثقفين في تدبيج المديح لولي نعمتهم الجديد، لم يتأثر الشعر بالمد و الجزر السياسي كما تأثرت مقالات كتاب الحكومة في هذا الوقت، و انطلقت الأصوات باللوعة من كل أرجاء الوطن العربي تنعي بطل العرب، و آخر زعمائهم الكبار، في رثائه قال "نزار قباني" الشاعر السوري الأشهر قصيدته الشهيرة "قتلناك يا آخر الأنبياء" و التي نختار منها تلك الأبيات
قتلناك يا جبل الكـــــــــــــــبرياء
و أخر قنديل زيتٍ .. يضيئ لنا فى ليالى الشــــــــــــــتاء
وأخر سيف من القادســـــــــــية
قتلنـــــــــــــــــــــــــــاك نحن بكلتا يدينا .. وقلنا :المنية
لماذا قبلت المجىء الينا؟ فمثلك كان كـــــــــثيراً علينا؟
سقيناك سم العروبة حتى شـــــبعت
رميناك فى نار عمــان حتى احترقت
أريناك غدر العروبة حتى كـــــــفرت
لماذا ظهرت بأرض النفـــــــــــــــــــــاق؟ لماذا ظهرت ؟
فنحن شعوب من الجــــــــــــــاهلية
ونحن التقلب .. نحن التذبذب .. والباطــــــــــــــــــــــنية
نبايع أربابنا فى الصباح ... ونأكلهم حين تأتى العــشية












لعل من أجمل ما قيل عنه كذلك، ما خطته المهرة العربية الأصيلة، سعاد الصباح، الشاعرة الكويتية، هذه الساحرة التي تعبر عن زمن كانت فيه الكويت تتحدث بلغة ناصرية، على حد تعبير الصحف الكويتية عشية وفاة عبد الناصر، قالت الشاعرة الجميلة في قصيدتها "من إمرأة ناصرية إلى جمال عبد الناصر" أبياتا انتقينا منها

كان كبيراً كالمسافات، مضيئاً كالمنارات

جديداً كالنبؤات،عميق الصوت كالكـــهان
وكان في عـــــــــــــــــــــــــينيه برق دائم
يشبه ماتقوله النيـــــــــــــــــران للنيران
***
يا ناصــــــــــر البعيد.. قد أوجعنا الغياب
نبحـــــــــــــــــــــــــث عن عينيك في الليل
ولا نمسك إلا الوهم والســــــــــــــــــراب
يا ناصر العظــــــــــيم..أين أنت.. أين أنت
بعدك لا شعرٌ, ولا نثرٌ, ولا فكرٌ, ولا كـتاب
بعدك نام السيف في قرابه واستنسر الذباب
أما أروع ما قيل فكانت قصيدة فورية مجهولة المؤلف، ألفها عبقري مصري فور الوفاة، و تناقلتها الجماهير لتصدح بها وسط أصوات البكاء و العويل، و انتشرت بين الجماهير كالنار في هشيم، لتكون خاتمة الرجل عالي الهمة ما يستحق، و إن كانت ذكراه لم تجد بعد ذلك من يتحمس لحمايتها، عندما أظهر السلطان نابيه القبيحين مهددا كل من يذكر لناصر مآثره التي ذكرتها لها الدنيا، كانت كلمات القصيدة العفوية هي

الوداع يا جمال.. يا حبيب المــــــــــــــــــــــــــلايين

ثورتك ثورة كفــــــــاح .. عشتها طــــــــول السنين
الوداع .. انت عايش في قلوبنا.. يا جمال الملايين
انت ثورة .. إنت جمــــــــــــرة.. لاجل كل الشقيانين
الوداع .. يا فقير يا بن الفقير .. إنت أب الكــادحين
يا جمال .. إنت نوارة بلادنا .. واحنا شوقنا الحنين
يا جمال إنت قلة مية صافية.. تسقي كل العطشانين
إنت قنديل الغــــــــــــلابة .. تهدي كل المحــــرومين

فهل كانت هذه الأشعار دفقات عاطفية ليس لها ما يبررها؟ أم تعبير عن التقييم العميق لجمال عبد الناصر في وجدان الشعب العربي؟ نظرة سريعة لتاريخ الرجل قد تفيدنا في الإجابة على هذا السؤال ، و لكن هذا ما لا نستطيع هنا ، فالحديث عن ناصر و انجازاته يحتاج إلى ستة عشر كتابا بعدد سنوات حكمه المكتظة بالأحداث و الانجازات ، و في كتابات المصريين و العرب و الأجانب على السواء ما يكفي لإدراك حجم القائد الذي كان، قبل أن يأتينا الزمن الرديء مع البتاع ، لكننا هنا سنعدد نقاطا محدودة من بحر عبد الناصر، لعل الجيل الذي لم يعرف يتحمس فيقرأ و يعرف، و لعل الجيل الذي عرف يتذكر فلا ينخدع بالدعايات المضادة




جمال في نقاط

  • عام 1952 م القيام بحركة الجيش التي سماها الفقيه القانوني المصري الكبير "عبد الرازق السنهوري" ثورة ، و لم يسمها كذلك صاحبها و قائدها كما يدعي أنصاف المثقفين
  • عام 1953 ألغى الملكية و أعلنت الجمهورية
  • عام 1954 أقصى الرئيس محمد تجيب لتصاعد علاقاته مع الإخوان المسلمين، و تحقق جلاء المستعمر الإنجليزي في نفس العام بعد 70 عاما من هوان الاحتلال بتوقيع اتفاقية الجلاء ، و بداية دعم ثورة الجزائر ، و انفصل السودان عن مصر باختيار أبنائه بعد استطلاع رأيهم
  • عام 1955 تألق في مؤتمر باندونج كأحد ألمع قادة حركة عدم الانحياز العالمية مع تيتو و نهرو، و لمن يدعون أن ناصر ارتمى في حضن الروس، عدوا بغير علم، لقد بقيت مصر دولة من دول عدم الانحياز حتى وقع السادات اتفاقية الصداقة بينها و بين السوفيت لأول مرة
  • عام 1956 أمم قناة السويس ردا على سحب تمويل السد العالي ، و تم صد العدوان الثلاثي إلى أن انسحب المعتدون بعد الانذار الروسي و الأمريكي
  • عام 1958 أقام الوحدة مع سوريا و قامت الجمهورية العربية المتحدة برئاسته، و كانت وحدة متعجلة لتردي الأوضاع بسوريا و زيادة احتمال سقوطها في سياسة الأحلاف التي جابهتها مصر دوما، و في نفس العام حسم ناصر أزمة سياسية في لبنان تشبه أزمة الأمس القريب بدعمه لقائد الجيش فؤاد شهاب
  • عام 1960 تم تحويل مجرى النيل و انشاء التليفزيون المصري
  • عام 1961 قرارات يوليو الاشتراكية الداعمة للطبقى الوسطى و طبقة العمال و الفلاحين ، و لمن يتحدثون بالأساطير، لقد حققت مصر معدلات نمو متوسطها 11% سنويا، و هي الأعلى في تاريخنا في الستينات، رحم الله القطاع العام الذي كان
  • عام 1962 تأسيس الاتحاد الاشتراكي و صدور ميثاق العمل الوطني، و بداية حرب اليمن لدعم الثورة اليمنية، و ذلك للبعد الاستراتيجي لليمن على باب المندب الحاكم لقناة السويس و كذلك وقوعها جنوب العربية السعودية بؤرة النفوذ الأمريكي في المنطقة، و في ذات العام تحررت الجزائر بسواعد أبنائها و بالدعم المصري لها
  • عام 1964 حققت مصر أعلى معدلات تنموية في تاريخها في التنمية الاقتصادية و البشرية معا، و لم تصل لهذه المعدلات ثانية حتى يومنا هذا، كذلك تم توقيع اتفاق الوحدة مع سوريا و العراق، لكنه لم ينفذ بموت الرئيس العراقي الوحدوي عبد السلام عارف
  • عام 1965 تجدد انتخابه رئيسا للجمهورية
  • عام 1967 كانت هزيمة يونيو الشهيرة و تنحي عبد الناصر ثم عودته بعد اعادة الشرعية لحكمه من خلال المطالبة الشعبية بعودته، ثم زيارة بودجورني لمصر لاظهار التأييد السياسي و الدعم العسكري، و تم دعم سلاح الجو المصري بمائة و عشرين طائرة ميج فورا و ستين طائرة بعد شهور
  • عام 1968 بدأت حرب الاستنزاف ضد اسرائيل، و من وقائعها ضرب المدمرة ايلات، و عملية تدمير بيت شيفع و بات يام و الرصيف الحربي، و معارك شدوان و راس العش و معركة الطيران و غيرها من الأحداث البطولية للجيش المصري
  • عام 1969 قبل عبد الناصر مبادرة روجرز لوقف اطلاق النار و ذلك للانتهاء من بناء حائط الصواريخ لحماية العمق المصري، و رفض مشروع روجرز للسلام و الذي عرض شروطا أفضل مما تمت الموافقه عليه بعد ذلك في كامب ديفيد
  • عام 1970 حقن الدم العربي في أحداث أيلول الأسود بعد أن خلصت طائرة مصرية ياسر عرفات من الحصار الأردني و جاءت به لمؤتمر القاهرة ليوقع صلحا مع الملك حسين ملك الأردن
أيام البتاع

محمد أنور السادات ، عضو الضباط الأحرار الذي جاء من العريش بناء على تلغراف مشفر من جمال عبد الناصر بموعد التحرك، ثم أخذ زوجته و ذهب للسينما بدلا من انتظار جمال في منزله كما اتفقا مسبقا، و في السينما اصطنع مشاجرة و توجه لقسم البوليس لاثبات الواقعة، او بمعنى أدق، لاثبات وجوده بعيدا عن الأحداث لو فشلت الثورة و سقط الأحرار ، كذلك كان موقفه في أزمة مارس عام 1945م مبهما، لا هو مع نجيب و خالد محيي الدين المدعومين من جماعة الإخوان بوضوح، و لا هو مع باقي أعضاء مجلس الثورة بموقف واضح، رجل رمادي المواقف كعادته، و هو كذلك نائب رئيس الجمهورية الذي عينه جمال عبد الناصر نائبا له، و تلك كانت ثاني أكبر سقطات جمال عبد الناصر برأينا في اختيار الأفراد بعد المشير عبد الحكيم عامر، فبينما قضى عامر على انجازات ناصر العسكرية في 1967م ، قضى السادات على بقية الانجازات و في شتى المجالات، عندما سار على خط عبد الناصر بأستيكة كما قالت النكات وقتها ، ليعود بمصر لنقطة تحت نقطة الصفر، قضى على ما حققه ناصر، الذي انحنى السادات أمام تمثاله يوم حلف اليمين في حركة مسرحية حسبت عليه و ليس له لما فيها من تقديس مبالغ فيه، و لن أسهب في ذكر خطايا السادات التي يضيق عنها المجال، فكلها مما يمكن أن نتسامح فيه عرفانا بفضل قراره بالتحرك عام 1973، لكن ما لا يمكننا التسامح فيه هو ثلاث خطايا

خطايا السادات
بعث التطرف الديني من إساره: مع تحرير عمر التلمساني و صحبه و تشجيعهم على مناهضة الشباب الناصري و اليساري في الجامعات و العماليات مدعومين بالسلطة و رجالها، و اشترك مع التلمساني و حسن التهامي في الخطة الأمريكية الشهيرة التي سميت باسم "نادي السفاري" و سميت في الملفات الأمريكية باسم "حرب الأشباح" ضد السوفيت، حلفاء العرب و أعداء أعدائهم، و التي عملت على بعث التطرف الديني لمواجهة المد اليساري في المنطقة، و كان من أهم آثارها حرب أفغانستان و تفريخ الإرهاب الدولي، و عصر ما سمي بالصحوة الدينية و هي ليست سوى صحوة أمريكية، و في نطاقها تم تشويه عصر عبد الناصر من خلال خطة علاقات عامة وضعها بيت خبرة انجليزي ممول من الولايات المتحدة و السعودية شراكة، و لبس السادات إهاب الدين و سمى نفسه "الرئيس المؤمن" في سابقة عجيبة لوصف رئيس، و تكررت على لسانه كلمات مثل "نشور أحونا فيصل" الذي كان أخوه الأكبر من ظهر أمريكا و إمامه في الركوع لها

الفتنة الطائفية في مصر و موقفه مع البابا شنودة: حيث احتاج السادات لسفر أفواج مصرية لزيارة اسرائيل، فاقترح موسى صبري سفر المسيحيين للحج في القدس، فرفض البابا بصلابة زيارة أي مسيحي للقدس المحتل، و من وقتها بدأت التحرشات التي انتهت به واقفا يقول "شنودة لازم يفهم إني رئيس مسلم لدولة مسلمة" و كان هذا على هوى حلفائه الاخوانيين، و وقتها بدأت هجرة الشباب القبطي للمهجر و ظهور موضوع أقباط المهجر، و عزل السادات البابا و حل محله مجلس كنسي لم يعترف به أي مسيحي مخلص، و تداعت الشروخ و تعاظمت في الزاوية الحمرا و غيرها من الأحداث الطائفية
معاهدة كامب ديفيد: و ليس تحفظنا على السلام، و لكن على الموافقة على شروط شديدة الاجحاف، أهمها انتقاص سيادة مصر على سيناء فيدخلها الصهيوني ببطاقته الشخصية و يمنع الجيش المصري من دخولها و التدريب فيها!!! و كذلك الالتزام في ملحقاتها بالتطبيع الكامل و كذلك بتغيير التوجه الاقتصادي المصري لحضن أمريكا ، و الانفشاخ الاقتصادي العنيف الذي حولنا من شعب منتج بدأ التصنيع قبل الصين بسنوات إلى شعب استهلاكي كشعب السعودية، غير أن موارده لا تقارن بموارد السعودية

السادات في الشعر العربي

لعل أصدق ما لخص أيام السادات كانت قصيدة "البتاع" لأحمد فؤاد نجم ، الشاعر الذي سماه السادات "الشاعر البذيء" و التي مازالت لليوم تضحكنا و تبكينا، و بها يقول عمنا الفاجومي

أزاي هاتفتح بتاع في وسط ناس بتقــــول
بإن هذا البتاع جاب الخراب بالطـــــــــول
لأن حتة بتاع جــــــــــــــاهل غبي مخبول
أمر بفتح البتـــــــــــاع لأنه كان مسطول
***
وبعد فتح البتاع ، جابوا الهواء المنقول
نكش عشوش البتاع ، و هد كل أصــول
وفات في غيط البتاع قام سمم المحصول
وخلى لون البتاع اصفر حــــزين مهزول
***
وساد قانون البتاع ، ولا عله ولا معلـــــول
القاضي تبع البتاع، فالحــــــق ع المقتـــول
الجهل زاد في البتاع ولا مقري ولا منقـــول
والخوف سرح في البتاع خلا الديابه تصول
أدي اللي جابه البتاع جاب الخراب مشمول
لانه حتة بتاع مخـــــــــــــــــلب لرأس الغول
باع البتاع بالمتاع وعشان يعيش علي طول
عين حرس بالبتاع ، وبردة مات مقتـــــــــول
***

أما التدليس الأكبر عن السادات، فهو حين يقول قائل من هنا أو هناك أنه كان بعيد النظر، حيث سبق الجميع للسلام مع اسرائيل، و هذا منطق معوج، فخروج مصر من معادلة المنطقة هو الذي فرض سلام الذل على الباقين، يا سادة ليس في منطقتنا قوى ضاربة سوى الجيش المصري و العراقي و إلى حد كبير السوري، العراق ليس من دول المواجهة و ليس لديه التغطية للعمليات مع اسرائيل لعدم وجود أرض محتلة له حينها، فلا يستطيع الا المشاركة و ليس الانفراد، سوريا لا تستطيع منفردة لعظم الفارق العسكري بينها و بين اسرائيل في التسليح و العتاد و الخبرة العسكرية، و مصر خرجت، فأي صمود يمكن بعدها؟ لقد عبر الشاعر أحمد مطر عن هذا أجمل تعبير في قصيدته "الثورة و الحظيرة" فقال

الثور فر من حظيرة البقر .. الثور فر
فثارت العجـــــــــــــــــول في الحظيرة
تبكي فرار قائد المســــــــــــــــــــــيرة
وشكلت على الأثر ، محكمة ومؤتمر
فقائل قال : قضـــــــــــــــــــــاء وقدر
وقائل: لقد كفر .. وقائل: إلى سقــر
وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة
لعله يعود للحظــــــــــــــــــــــــــيرة
وفي ختام المؤتمــــــــــــــــــــــــــر
تقاسموا مربطه، وقسموا شعيره
وبعد عام وقعت حادثة مثيــــــــرة
لم يرجع الثور
ولكن ذهبت وراءه الحظـــــــــيرة


السادات و الكاميرا و عقدة النجومية

لآليء القرآن-03

القبس الثالث

قال تعالى (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ) البقرة: 269

فما هي الحكمة التي تحدثنا عنها الآية الكريمة؟ و التي وصفها الله بأنها الخير الكثير لمن تحلى بها؟ أول البعض الحكمة في الآية بأنها القرآن و علومه، ناسخه و منسوخه، و محكمه و متشابهه، و قال البعض بل هي الفقه في الدين بوجه العموم، لكننا لا نجد سببا من سياق الآيات و من لفظ الآية المحكم الصريح يجعلنا نركن للتأويل، فالحكمة هي الحكمة كما يعرفها الجميع، هي القول المناسب في الوقت المناسب، و الفعل المناسب في الوقت المناسب، هي مراعاة مقتضى الحال في كل زمان و مكان، و هذا ما رجحه بعض المفسرين كالطبري رحمه الله في جامع البيان ، و كثيرا ما يقع الخلط من الناس بين الخبرة و الحكمة، فيحسبونهما صنوان و هم في ذلك واهمين، فهناك من يملك الخبرة الوافرة، و نصيبه من الحكمة قليل ضئيل، و هناك من يملك خبرة قليلة و نصيبه من الحكمة وافر شديد الوفرة، فلماذا؟ لأن القدرات الذهنية و الملكات في كل فرد تتحكم في قدر الحكمة التي يستطيع أن يستخلصها من الحدث، فقد يمر الرجلان بنفس الظروف و التجربة العملية، فيخلص واحد منهما لخلاصة التجربة و ما فيها من دروس مستفادة، من خلال تحليله الدقيق لجوانبها و أشخاصها و عناصرها، بينما قد لا يدرك الثاني من أمرها إلا الظاهر الواضح الجلي، لذلك قد تجد شابا يافعا يدير مؤسسة إدارة ناجحة تأخذها للأمام، و قد ترى رجلا أسن منه بعقد أو اثنين يقودها فيتجه بها نحو الهاوية، فهذا هو الفارق و الشتان بين أقدار الرجال، و الحكمة موضوع يضيق به المجال هنا، فلا نطلب تغطيته و لكن الإلمام السريع ببعض جوانبه ، و لعل من أهم جوانبها ما قاله الرسول (ص) من أن رأس الحكمة هو أن نرقب الله في كل قول و عمل، و أن نرقب الله في اقوالنا و أعمالنا يعني أن نتمسك بجانب الخير و الصلاح قدر الجهد، و أن نواجه الشرو الخطأ قدر الإستطاعة و الجهد، و هو تقريبا نفس ما قاله نبي الله سليمان في العهد القديم، حين وصف معرفة الله بأنها رأس الحكمة، ثم عرف معرفة الله بأنها كراهية الشر في هذا العالم

و تعرف الموسوعة البريطانية الحكمة، بأنها التطبيق العملي للمعرفة و نتائج الخبرة التي نحصلها بحياتنا ، و هذا أمر من المفيد و لا شك أن نتذكره دوماً، الحكمة ليس أن تعرف فقط، و لكن أن تعرف لتعمل بما عرفت، فلا خير في معرفة لا ترفع من مستوى عملك و أداءك في هذه الحياة، و لا تخدم مهمتك السامية التي أسندها الله لك في إعمار الكون و تحقيق السلام للعالم ، و كما نرى، فتعريف الموسوعة البريطانية ليس كبير البون من تعريف الرسول و الكتاب المقدس للحكمة، إلا في تجاوز جانب التقوى و الحرص على الخير إلى غيرها من التطبيقات العملية للمعرفة في شتى الميادين، و بما أن لفظ الحكمة في الآية الكريمة جاء مطلقاً ، فالأحرى بنا أن نتحراها في كل القول و العمل ، ما كان منه خاصا بأمر الدين أو بأمر الدنيا، فالحكمة هي ثروة المرء الذهنية التي يحصلها في حياته، و هي ما يبقى معه بعد هذه الحياة، حين يفنى الجسد، و يبقى الوعي الإنساني الذي يمثل ماهية الشخص و كينونته

قال تعالى (لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) آل عمران: 92

لم يستثقل ضعاف الإيمان بعد موت الرسول صلاة و لا صياما و لا حجاً، لكنهم استثقلوا أن يشركوا غيرهم وجوبا في أموالهم! فرفضوا دفع الزكاة في إطار أحداث الردة و منع الزكاة الشهيرة إبان خلافة الصديق رضي الله عنه، و هذا نموذج متكرر في حياتنا، غير أن الإنفاق الذي تتحدث عنه الآية هنا لا يخص الزكاة، لأن الزكاة فريضة إجبارية على المسلم، و هي الحد الأدنى، أو أضعف الإيمان لو جاز القول، فربع العشر هذا في زكاة المال و غيره في زكاة العروض و الزروع و ما إليها، هو حق للفقير في مال الغني، و لا ينال المرء البر بأن يعطي لكل ذي حق حقه و كفى، فالبر هو تجاوز توفية الحقوق إلى التفضل بغيرها ، فالآية تحدثنا عن أوجه الإنفاق فيما فوق الزكاة المفروضة، و هذه لها أوجه عديدة و منها

الصدقات: و يجب فيها أن نلتزم بما وصفته الآية هنا "مما تحبون" فلا نتصدق بالمرقع من الثياب و نحسب هذا براً، و لا نتصدق بالمال الهين الذي لا يضر و لا ينفع ، فكما قال الإمام علي رضي الله عنه (إذا أعطيت فأغني) بمعنى أن يكون عطاءك كافلا لأن يغني السائل عن مذلة السؤال للآخرين و لو وقتيا، فتعطه ما يكفيه مدة يوم لطعامه مثلاً، أو تعطه ما يحميه من البرد، أما الأفضل من هذا كله، أن تعينه على الكسب بتوفير مسلك من مسالك الكسب الحلال له، من خلال فرصة عمل، أو أداة من الأدوات التي يستعين بها على الإنتاج البسيط كتلك المشاريع الحميدة التي توفر ماكينات الخياطة و التريكو، او الأكشاك الخشبية و غيرها ، و نحن ان نقول أن هذا شرط من شروط الصدقة، و لكننا نقول أن هذا ما يحسن بالمسلم الفاهم لقوله تعالى "مما تحبون" و كذلك لقوله تعالى (وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) فأن تنفق أو تطعم مما تحب، معناه أنك تنفق كما ما يحب الجشع أن يحتفظ به، فهذا لا ينطبق على القروش، و أن تطعم مما تحب، معناه أن تطعم من طعامك الذي تشتهيه، عند هذه الدرجة تكون الصدقات من البر المأجور من الله بعظيم الأجر

التسامح في المعاملات المالية : قال الرسول الكريم (رحم الله رجلا سمحا إذا باع و إذا اشترى و إذا اقتضى) فهذا التسامح في البيع و الشراء، هو وجه من أوجه الإنفاق غير المباشر، و هناك خلط يقع كثيرا بين المرونة التجارية و هي أمر لا علاقة له بالبر و لا بالسماحة، لأن هدفه في النهاية هو تحقيق العلاقة الدائمة مع العميل مثلاً، و هذا من أمور قانون المنفعة التي لا تخضع للتسامح، لكن التسامح أن تبيع لرجل مقدر عليه الرزق، فتتسامح في جزء من الثمن و أنت تكن في صدرك أنك تحتسب هذا الجزء إنفاقا في سبيل الله و تكافلا مع الرجل المعسر، و كذلك تشتري من الفقير فتجزل له الثمن بنفس النية، و إذا اقتضيت دينا من فقير أن تمهله في السداد، او تعفو له عن الجزء أو الكل و أنت تضمر أن هذا لوجه الله

توفير الحياة الكريمة لمن تعول: حين يقول الرسول الكريم ( من أنفق على نفسه نفقة يستعف بها فهي صدقة ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهي صدقة) فلا يجب أن يفهم من يقتر على بيته و ولده و زوجته، فينفق عليهم القليل و هو قادر على الكثير أن هذا الحديث يشمله ، فنحن نرى أن تحقق الثواب في نفقة الرجل لأهل بيته، يأتي من خلال شرطين، مع ملاحظة كلمة "يستعف بها" في الحديث الشريف، الشرط الأول، أن يكون الإنفاق متناسبا مع الدخل و مستوى الفرد الاقتصادي ، كل على قدر جهده و استطاعته، و الشرط الثاني هو ألا تكون نفقة يقصد بها الرياء، كأن يشتري سيارة لزوجته أو ولده ليعطي انطباعا بالغنى و الرفاه لمن حوله، فيجب أن يكون القصد اسعاد و راحة أهل بيته حتى تكون النية نية خير، فيحتسب له بها خيراً

قال تعالى ( ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ) آل عمران: 173

هذه الآية تؤدبنا بأدب لو تحلينا به و فهمناه حق فهمه، و آمنا به إيمانا حقيقيا، لكان الحال غير الحال، و لكان مآلنا لغير ما نحن عليه الآن في كافة أمورنا السياسية و الاجتماعية و الفكرية، فالآية تؤدبنا بأدب الشجاعة في الحق، فلا يخاف الإنسان على حياته أو رزقه أو ممتلكاته خوفا يجعله يحيد عن طريق الحق الذي أراده لنا الله، منهجا في هذه الحياة و صراطا، و ذكرنا بقراءته سبعة عشر مرة في اليوم و الليلة، فمن يعتقد في نفسه أنه يسير على صراط الحق، يجب عليه ألا ينحرف عن هذا الطريق لوازع من الخوف تسرب إلى قلبه، فالخوف على النفس و المال غريزة طبيعية، لكن مهمة الإيمان بالحق و صلابة هذا الإيمان هو التغلب على هذه الغريزة و ترويضها ، و نرى من أهم ما يخوف به السائر على طريق الحق في زماننا قوتان هما تيار التطرف المتأسلم و ليس من الإسلام في شيء، ثم السلطة الغشوم

تيار التطرف الديني

فالتزايد العددي المستمر لجحافل التطرف الظلامي في مجتمعاتنا المبتلاة بهم، مع ضعف يد الحكومات عن السيطرة عليهم و مواجهتهم بما يستحقوه من بطش عندما يتجاوزون حدود ذاتهم، و يتدخلون في حريات الناس و حياتهم، جعلهم أشبه بمراكز القوى، و هم يعتمدون على كثرتهم العددية هذه، و هي كثرة كغثاء السيل تماما كما قال الرسول الكريم، فليس منهم رجل رشيد، في إرهاب من يختلف معهم فكريا، و لهذا تتعالى أصواتهم لتطمس على صوت العقل و صوت الضمير في المحافل العلمية و الأدبية ، و كذلك يعتمدون على خلل القوانين، كقانون الحسبة المشين الذي تم الغاؤه مؤخراً، ليرهبوا كل من يختلف عن صوتهم النشاز فكريا، و هكذا فعلوا مع الدكتور نصر أبو زيد، أستاذ التفسير بجامعة القاهرة سابقا، فإذا لم يسعفهم هذا الطريق، رجعوا لطريقهم المفضل، فخلعوا قناع التمدين و كشفوا عن وجه الإرهاب الحقيقي، فيعتمدون على التصفية الجسدية، و هكذا فعلوا مع القاضي أحمد الخازندار قديما، و مع نجيب محفوظ و فرج فودة حديثا، و كل من يواجه هذه الجحافل الظلامية حتى من المغمورين من أمثالي، يجد ممن يحبونه و يحرصون عليه من يحذره، و هكذا حذرني إخوتي و العديد من أصدقائي هنا ، لكنني أكاد أقول أن مواجهتهم واجب ديني و حضاري في آن واحد

أما الواجب الديني، فهو ما أفهمه من حديث رسول الله (ص) حين يقول (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون في قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم‏) و قد فهمه المسلمون قديما على الخوارج، و ما يصدق على الخوارج من صفات بالأمس، نراه صادقا على التيارات المتطرفة اليوم، ألا يهتمون بتجنيد الشباب الغرير أكثر من غيره ليكون لهم أداة طيعة، فيكون مجموعهم بهذا من حديثي السن؟ ألا ترى سفه عقولهم في أي حوار عقلي، فإذا افتقروا للحجة، و كثيرا ما يفتقرون، صرخوا و أرغوا و أزبدوا؟ أليسوا أكثر الناس رواية للحديث الشريف، ما يستقيم منه مع متهج سيد الخلق و ما لا يستقيم؟ ألا يقرأون القرآن و يحثون الناس على ذلك و يمنعونهم من تدبره و التفكر فيه بحجة التخصص؟ فلا يجاوز القرآن حناجرهم لعقولهم؟ و لهذا الحديث مجال آخر نفصله فيه بأمر الله ، فأما الواجب الحضاري، فقد وقعت البشرية في تجربة الحكم الكهنوتي ففاضت بحور الدم و ساد الشر أوروبا قرونا، حتى اجتازت البشرية هذه المرحلة، و أن يوجهنا هؤلاء نحو هذه الهوة السحيقة ثانية، ثم لا نواجههم، كل على قدر جهده، فهذا هو عين الخيانة للإنسانية جمعاء

السلطة الغاشمة

الأدلة العقلية و النقلية على وجوب مواجهة السلطة الغاشمة بقول الحق و الإصرار عليه أكثر من أن نحصيها هنا، فيكفينا حديث الرسول صلوات الله عليه حين جعل قول الحق عند السلطان الجائر هو أعظم الجهاد ، فكيف نواجه السلطة بالحق؟ دون أن نخرج عن إطار احترام القانون وفقا لقاعدة المعروف القرآنية؟ نرى أن ذلك يكون باستخدام القنوات الدستورية لنصرة الحق كما نراه، و منها الجهد الفكري كتابة و خطابة بهدف رفع الوعي العام، و تثقيف الشعب، فلا وجود لطغيان مع شعب مثقف مستنير، و كذلك الاضرابات السلمية هي وسيلة دستورية مشروعة ، و كذلك الاعتصامات العمالية و غيرها، بدون أدنى مساس بالممتلكات العامة أو الخاصة، و أذكر هنا يوما تحطمت فيه سيارتي تماما في نطاق مظاهرة همجية في جامعة الإسكندرية، حيث كنت أقيم وقتها بجوار الجامعة، فتعجبت كثيرا لدرجة الإضرار العمدي بملكية خاصة لفرد من المجتمع، لا تنم عن تصرف يقوم به صاحب حق يطالب بحقه، و لكن بلطجي يفرغ طاقة الكبت و القهر بداخله، و هنا يخرج الرجل من المعروف للمنكر، بل و لحد الجريمة التي يعاقب عليها القانون، و هذا ليس منهج المسلم كما أراده الله

قال تعالى ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) النساء:86

لعل الأمر الذي تعالجه هذه الآية يكون أمراً بسيطاً في ظاهره، إلا أننا نراه بالغ الأثر في المعاملات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال عندما يقول لك زميل في العمل أو غيره "صباح الخير" كيف ترد عليه؟ الطبيعي و المنطقي أن ترد هذه التحية بمثلها ، أو تزيد عليها قائلا "صباح الخير، كيف حالك و حال أسرتك؟" ، نعم، لقد أضاف الإسلام للسلوك الإجتماعي تحية رقيقة جميلة هي تحية تتضمن دعاء بالسلام و الرحمة و البركة لمن تحييه، و جميل أن تبدأ بها السلام لو كنت انت الباديء، و ترد على من حياك بها قائلاً " و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته" لكن لو افترضنا أن زميلا حياك بتحية الصباح فرددت عليه أنت برد تحية السلام، أو العكس، حياك بتحية السلام فرددت بتحية الصباح، ألا يكون هذا ضربا من ضروب السماجة؟

عندما ننظر للهدف من الآية الكريمة نراه ازكاء محيط اجتماعي جيد من خلال التحية الحارة الطيبة، التي تترك في نفس من حياك انطباعا عن ترحيبك به و بشخصه، فينعكس هذا على معاملته معك ، و على أسلوب حديثه فيما جاءك فيه من أمر، أليس كذلك؟ جميل جداً، فهل يحقق الأسلوب السمج في رد التحية بتحية مغايرة تماما هذا الهدف؟ بالطبع لا، بل يخلق حاجزا نفسيا غبيا لا داعي له، فأن تدعو ضمنيا لصاحبك بأن يكون صباحه صباح خير ، هو دعاء طيب، لا يقول عنه عاقل أنه مكروه ، و أن تدعو له بالسلام و الرحمة و البركة فهو دعاء طيب كذلك ، و افشاء السلام لا يتحقق بهذه السماجات في المعاملة، بل بالعكس، و الآية الكريمة لم تلزمنا بلفظ التحية، لكنها ألزمتنا بأن تكون مماثلة لما حيينا به أو أفضل و أكثر حرارة، و هو المقصود هنا "بأحسن منها" فالأحسن منطقيا هو الأقدر على تحقيق الهدف، و الهدف هو المودة و اظهار الترحيب، و هذا لا يتأتى من مغايرة التحية ، و لكن بمماثلتها و الزيادة عليها

و ما ينطبق على اللفظ ينطبق على المصافحة، فمصافحة الرجل للمرأة في حدود المصافحة الاجتماعية العادية هي أمر لا شيء فيه ، لكن الامتناع عنها بعد أن يمد الطرف الآخر يده يفسد هدف التحية، فيوقع الطرف الآخر في حرج يشكل حاجزا نفسيا بدلا من رفع الحاجز النفسي و كسره ، و لقد أكثرنا من البحث لعلنا نجد علة منطقية واحدة تمنع مصافحة الرجل للمرأة فلم نجد، فهناك خلاف حول مصافحة الرسول للنساء في بيعتهن من عدمه، فقال البعض و منهم أم عطية الأنصارية أنه صافح، و قال البعض لم يصافح، و قال البعض صافح بعد أن غطى يده بمحرمة، و هذا كله لا يقوم منه دليل على المنع، فالرسول (ص) لم يأكل الضب لأنه ليس بأرض قومه و لم يكن هذا تحريما ، أما من يتذرعون بملامسة النساء، و أنها تنقض الوضوء ، فهذه مال الغالبية من المفسرين أنها الملامسة الجنسية، او الملامسة مع الاشتهاء، و هذا ليس واردا في المصافحة الا للمهووس جنسيا، فمن كان كذلك لا يقاس عليه

التحية و المجاملات الاجتماعية بصفة عامة هو وسيلة هامة لنشر روح المودة في المجتمع، و أن يحاط الإنسان بروح المودة هو أمر يجعله أميل للخير في تصرفاته، لأنه يكون أميل للهدوء في نفسه، و التفتح على الحياة بقلب مبتهج، فيغلب عليه أن يحسن القول و العمل، في هذا الإطار يجب علينا أن نفهم المضمون الكلي للآية ، و الذي يجعلها من لآليء القرآن النادرة، لأنها تتعامل مع أمر بسيط الظاهر عميق الباطن ، فليكن هدف السلام الإجتماعي هذا واضحاً أمامنا، و عندها لن نحتاج للعديد من الأدلة لنفهم كيف نتصرف مع الآخرين ، و افشاء المودة بيننا و بين من حولنا له دور كبير في اعطاء صورة مشرقة عن المسلم، لذلك ذكرنا الله أننا محاسبون على هذا في قوله تعالى "إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً" حتى لا نستهين بهذا الأثر الذي تتركه التحية و المجاملة بالقول في النفوس

قال تعالى ( يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) النساء:135

هذه الآية الكريمة واسعة التطبيقات في حياتنا المعاصرة، فهي لا تقتصر على الشهادة القضائية، و لكنها تتخطى ذلك لكل موقف يتطلب القول الحق أو الرأي الصادق في العمل أو في شؤون الناس أو في أمور المجتمع و غيرها، و قد بينت لنا أمور عدة لعل أهمها الإنصاف من النفس، و هذا نراه أعلى درجات العدل و الالتزام به، ألا تنحاز لنفسك، فتنصف الناس من نفسك لو كنت على خطأ، و صعوبته تكمن في تمكنك من الحكم على تصرفك بأنه خطأ، فهذا يقتضي أقصى درجات الموضوعية، و الوصول إلى هذه الدرجة من الموضوعية ليس ميسوراً، لكنه ممكن جداً ، لو أراد الإنسان أن يشعر بإحساس السمو الذي يهبه العدل للعادل و المنصف من نفسه ، فإذا شعر به مرة أدمنه فلا يستبدله بمال الدنيا و جاهها ، ثم يأتي الإنصاف من القريب و النسيب و الصديق، فلا ننحاز لهم على حساب الحقيقة، و لكن نحسن النصح لهم أن ينصفوا من أنفسهم و ننصف منهم نحن لو قدرنا ، ثم يأتي عدم الإنحياز لفقير رحمة و لا لغني تقربا، ألم تر يوما مديرا يقيم موظفا، فيعطه أكثر مما يستحق لأنه يراه محتاجا لعلاوة أو مكافأة؟ فيكون بهذا من لا يملك أعطى لمن لا يستحق، لهذا تأمرنا الآية بالعدل و القسط عندما نقوم مقام شاهد العدل في أي أمر، و ألا ننحاز لفقير رحمة به على حساب قول العدل و الحق، و لا ننحاز لغني تقربا له أو خوفا من سطوته ، و ما ينطبق على الغني و الفقير ينطبق قياسا على القوي و الضعيف، على المهمش و صاحب السلطة و السلطان، و هذا في شأن العدل، مع عدم تعارضه مع مبدأ التراحم و الإحسان عموما، فعليك أن تشهد على الفقير في قضية قد يغرم فيها مالاً، و لك بعد هذا أن تعطه من مالك ما يدفع به هذه الغرامة، لا أن تضلل العدل بحجب شهادة الحق ، فالعدالة يجب أن تعمى عن القرابة و الفقر و الغنى و غيرها حتى يتحقق العدل، ثم بعد العدل تأتي الرحمة


قال تعالى (إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء:138

كأن الله سبحانه قد أهدانا هذه اللؤلؤة القرآنية لتكون حجة دامغة على من يتقولون بقتل المرتد المغير لدينه، فكيف تغلب القائلون بالقتل من الدمويين على هذه الحجة الربانية الدامغة، انظر معي لما قالوه في تفسيرها، و كيف لا يستقيم لغة و لا معنى، فقد قالوا أن المعني في الآية هم اليهود الذين آمنوا بموسى ثم كفروا و النصارى الذين آمنوا بعيسى ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا بمحمد (ص) !!!!!!! فأي قول هذا؟ أليس قول الغرض و الترقيع؟ الآية تتحدث عن جماعة واحدة و ليس عدة جماعات، فهذه الجماعة تؤمن ثم تكفر ثم تعود فتؤمن ثم تكفر و تزداد لجاجة في الكفر، و الآية بغير هذا الفهم لا تستقيم لغويا و لا بلاغيا، فلماذا حاولوا مثل هذا التاويل الغريب؟ لأنه يقطع بأن حرية العقيدة كانت دوما حقا مكفولا للجميع، فالآية ذكرتهم يتذبذبون بين الكفر و الايمان بغير عقاب دنيوي، و لم تتوعدهم الا بعقاب الآخرة، أما بقية الآيات المؤيدة لهذا، و قولنا في الأحاديث المدعاة سندا لقتل المرتد فمكانها في مبحث حرية العقيدة من الجزء الثاني من هذا العمل

8.7.08

لآليء القرآن-02

القبس الثاني

قال تعالى ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) البقرة: 190
قال بعض علماء القرآن بنسخ هذه الآية بالآية الخامسة من سورة براءة، تلك الآية التي رأى البعض أنها نسخت فوق الأربع و عشرين آية من القرآن الكريم ، هي كل الآيات الناهية عن الإعتداء، و هذا قول لا يستقيم، لأن الآية الواحدة من القرآن لا تنسخها إلا آية أو عدة آيات ، و ذلك مصداقاً لقول الله تعالى "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير" و قوله "بخير منها أو مثلها" واضح الدلالة على نسخ أي آية منسوخة بآية أو آيات، فالمتعدد قد ينسخ المفرد و لكن العكس لا يستقيم، فهذه بينة على عدم نسخها، و الآية تضع نبراسا بديعا للقتال في الإسلام كما نبين في الجزء الثاني من كتابنا تحت موضوع الاحتكام للسلاح، ففي جملة واحدة ينهانا الله عن قتال من لم يقاتلنا من الأمم و الجماعات و الأفراد، فلا نحارب إلا من يبدأ بالعدوان ، و لكن يجوز توجيه ضربات استباقية لكل من يثبت لنا تأهبه التام للعدوان ، ببينات عسكرية أو سياسية لا تحتمل شكاً، لأن الفعل "يقاتلونكم" جاء بصيغة المضارع ، و لو كان المراد ألا يبدأ المسلم بقتال أبدا لجاء الفعل بصيغة الماضي للدلالة على تمام حدوث العدوان



الغطاء الدبلوماسي و شرعية القتال
لا شك أن الآية الكريمة تضع قاعدة أخلاقية في تجنب العدوان و هذا بحد ذاته جليل الأهمية ، و لكن احترام هذه القاعدة الأخلاقية في وقتنا الراهن يعطينا ميزة إضافية، و هي الغطاء الدبلوماسي الذي يعطي للتحرك القتالي و العمل العسكري شرعيته في المجتمع الدولي، فإذا اعتدت دولة و رددنا عدوانها، سيكون المجتمع الدولي، خلاف التحالفات الاستراتيجية مثل أمريكا و إسرائيل، معضدا لموقف المعتدى عليه، أو على أسوأ الفروض ليس ضده، و العكس في حالات العدوان ، كذلك حين يثبت عندنا تأهب العدو للهجوم، و نستطيع إثبات ذلك للمجتمع الدولي، قبل القيام بضربة استباقية ، فإن هذا التوضيح يعطي للحرب مشروعيتها و الغطاء السياسي الذي تحتاجه ، فمن التزم بهذه القاعدة، لن يقع مثلا في مصيدة كمصيدة صدام حسين عام 1990م في غزوه للكويت، أما العدوان الأمريكي المستمر من العراق لأفغانستان و البقية تأتي، فهو عدوان استغنت فيه أمريكا بغطرسة القوة عن الشرعية ، و هذه حالة استثنائية

كيف نقاتل؟
الآية في نصها العبقري لم تقنن العمل العسكري من ناحية متى نقاتل و حسب، و لكن كذلك قننت أحد أهم أخلاق القتال، و هي الاقتصار على المقاتلين تحت السلاح الذين يواجهوننا، و هكذا فهمها خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز حين سأل عن تأويلها، فقوله تعالى "الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا" يمنعنا من الإضرار بالمدنيين أو المنشآت أو الأسرى أو الجرحى و غيرهم، فقط من يحمل سلاحا في نطاق عدوان علينا هو من أجازت لنا الآية قتاله، فلو ألقى سلاحه فقد عصم دمه و وجب الكف عنه على كل مسلم، و لكن ماذا لو استغل العدو هذا التقيد الأخلاقي بعدم قتال المدنيين؟ و التحرج من تدمير المنشآت؟ فدأب على ضرب العمق المدني لبلادنا؟ في هذا الموضع تنفذ قاعدة "الحرمات قصاص" كما سنفصل في حينه، فليس من العدل طبعا أن نقاتل بشرف من عدم الشرف، لكن من الواجب ألا نتجاوز في الضربات الإنتقامية على العمق المدني للعدو إلا قدر ما حل علينا منه، ضربة بضربة و قصفة بقصفة أما قتل الأسرى قتلا منظما فهو خسة تخرج من إطار القصاص، لأنها دناءة لا تليق برجل كريم

قال تعالى (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) البقرة: 225
هذه الآية تأتي في رحاب الآيات القرآنية التي تعول على النوايا التي في عقولنا و ليس الكلام على اللسان، فالله تعالى يخبرنا رحمة بنا أن الأيمان التي توجب الكفارة و التي يؤاخذنا الله عليها، هي ما قلناه و نحن نعني به قسما في موقف جاد يطلب فيه القسم، أما يمين اللغو فعندما سألت عائشة و الصحابة عنه قالوا أنه قول الناس "لا و الله" أو "نعم و الله" و ما إليها، و يندرج فيها ما اعتاد الناس قوله مثل "و النبي" لأن أصلها "بحق النبي" ثم خففتها العامية، و لا يعني بها قائلها يمينا يقسم فيه بغير الله، حتى ينطبق عليه حديث الرسول (ص) الذي وصف بالشرك من يقسم بغير الله، و كذلك شأن الأغاني مثل "احلف بسماها و بترابها" فهذه ليست القسم المعني، لكن القسم الذي عناه الرسول أن يقول القائل "أقسم بكذا أن كيت و كيت" فهنا قسم جاد بغير الله للتدليل على شيء محدد و في موقف جد، لا عرضا في كلام أو غناء ، و هذا و لو أنه موضوع طفيف بسيط الأثر، إلا أنني أضن بصورة الإسلام حين أجد شبابه يهتمون بهذه السفاسف و ينشرون عنها مواضيعا، تجسم خطرها، و تعظم شأنها، فيظهر الدين بمظهر طقوسي يعنى باللفظ أكثر من المقصد و المعنى، بينما الآية الكريمة تبين بجلاء أن الله لا يعول إلا على المقاصد و المعاني ، و هدف من يتفرغون للخروج بالسفاسف، من هذا القبيل، ليس هدفا دينيا في رأينا، و لا أريد به وجه الله، فالأمور الجلل العديدة التي تحيط بنا لا تترك مجالاً للمخلص، حتى يفكر فيه بنوافل القول ، لكن المقصد من هذه الاصطناعات في حديث الناس، بتجنب بعض الكلام الدارج و استخدام بعض الكلام المستغرب، هو هدف سياسي للإيحاء بتمكن تيار الإسلام السياسي مع انتشار لغته ، و الآية في سياقها القرآني تتعامل مع يمين الطلاق، و الذي يخرج عفوا ساعة غضب، فلا يقع، و كذلك لو قيل في عمل درامي أو خلافه، فالمعول دوما على النية المكنونة، و التي لا يعيها إلا صاحبها

قال تعالى (ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة:262
الآية الكريمة توضح مبدأ هاما في الإحسان للآخرين، سواء في ذلك القريب أو الغريب الذي تحسن إليه بمالك ، و هي عدم إتباع هذه الإحسان بالمن على المحتاج بإحسانك ، و المن قد يكون بالقول له أو لغيره، أو بالإشارة أو حتى بنظرة عين، يستشعر منها من تلقى الإحسان أنك تمن عليه بمعروفك، فيؤلمه هذا أشد الألم، فكل منا دوره الشخصي في ما عنده من رزق محدود في جده و سعيه، و لكن الصحة التي سعى بها لا فضل له فيها، و الإرث الذي يرث لا فضل له فيه، و بيئته التي يسرت له مستواه التعليمي و الاقتصادي و الاجتماعي لا فضل له فيها، فواقع الأمر أننا لا نحسن على الناس من ما نملك، و لكننا نطيع الله في تحسين توزيع الثروة بهذا الإحسان، و كما حرم الله علينا المن و ما فيه من جرح لمشاعر الذي نمن عليه، منعنا من إتباع الإحسان بالأذى، فلماذا نهى الله عن إيذاء الناس هنا تحديدا؟ بينما الأذى منهي عنه بالضرورة في حالة الإحسان و في غيرها؟

الآية هنا تتعامل مع موقف أكثر اشتباكا من الإيذاء العادي، و هو الإيذاء الذي يسبقه الإحسان، حتى يأمن المحسن إليه لصاحب الفضل، و يظن به الخير و الصلاح، ثم ينقض الأذى عليه من مأمنه هذا، و في هذا نموذجين دراميين شهيرين، أن يقرض أحدهم المحتاج حتى يصبح غارما في الدين ثم يبتزه بدينه هذا، أو يحسن أحدهم لفتاة حتى تأنس إليه فينقض على عفافها عدوانا أو ابتزازا، و كذلك النموذج الشهير في تحرش أرباب الأعمال بعمالهم جنسيا ، الإيذاء هنا شديد الضرر من الناحية الاجتماعية، حيث يفقد من وقع به الأذى ثقته بالناس، فيحسب كل من يحسن مغرضا يبيت النية لإيذائه، و بهذا، قد يسد على المحتاج باب الرحمة، بخوفه من الأذى الذي يتبع الإحسان ، فيدفعه هذا نحو أبواب الرزق الحرام دفعاً ، و لجسامة ضرر المن و الأذى بعد الإحسان على الفرد و المجتمع، و عد الله من يحسن فلا يتبع إحسانه بأي منهما، بمثوبة الله و الأمن من الخوف و الحزن في الآخرة أو في الآخرة و الدنيا معاً

6.7.08

لآليء القرآن-01

قبس من النور الخالد

القرآن، ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، و نور الله الخالد الذي به تنير العقول، الكتاب السماوي الفريد الذي كتب في حياة المرسل به كاملاً و روجع أكثر من مرة، و الوحيد الذي مازال بين يدينا بلغته الأم التي أوحي بها، العربية، و لعل هاتان الصفتان فيه، كانا من ضمن الآلية الربانية في حفظ الذكر الحكيم الذي تعهد بحفظه، و ذلك بقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر:9، و كل كتاب الله در منضود، لكن بين هذه الدرر تتلألأ بعض الآيات الجامعة لأقطاب الحكمة، كالعلامات الفارقة بين الدر المنظوم في عقد القرآن، و مع هذه اللآليء نبدأ رحلتنا القرآنية، مستلهمين نور الله الخالد من معينه الأبدي، فباسم الله رحمن السماوات و الأرض نبدأ

قال تعالى (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ) فاتحة الكتاب:6-7

الآية السادسة من سورة الفاتحة، يتجه فيها المرء لله تعالى بالدعاء، أن يعينه على الوصول للصراط المستقيم، و الصراط لغة هو الطريق الواضح المعالم، و هذا الطريق الواضح وصفته الآية بالإستقامة، فأي طريق هو؟ لقد رأت بعض التفاسير أنه القرآن الكريم، استناداً إلى حديث آحاد مروي عن النبي، و لو كان قد حدث صلوات الله عليه فقد صدق، و نحن نرى هذا التأويل جائزاً لو صح الحديث، لكننا نركن للتفسير الأقرب للمعنى اللغوي للآية، لدينا طريق واضح المعالم ، و مستقيم نحو غايته، و هو بالطبع طريق معنوي في الحياة، و ليس طريقا فعليا، و ليس في الآخرة، ففي الآخرة لا محل لطلب الهداية، لأن الإنسان فيها مسير وجوباً ، و ليس مخيرا ليهتدي أو يضل ، فأي طريق هو؟

من تأملنا لحياة الناس، و من سياق الآيات الكريمة، نرى الطريق الواضح المستقيم نحو غايته في حياتنا هو طريق الباحثين عن الحقيقة في هذه الدنيا ، الطالبين للحق و الخير و العدل و الجمال في دنيا الناس، فهؤلاء طريقهم واضح المعالم أولاً، لأنهم يتبعون الفطرة الإنسانية البكر في ولعهم بالحقائق، و في ميلهم لكل ما هو خير و جميل، و نفورهم من كل ما هو شر و قبح، و في سلوكهم منهج العدل قدر الجهد و الاستطاعة، و نفورهم من الظلم قدر الجهد و العلم، و لأنهم يتبعون بوصلتهم الداخلية، تلك التي ضمنها الرحمن في الأنا العليا للإنسان، في ضميره، فمن الصعب أن تضل أعينهم عن الطريق، لأن الخريطة مرسومة بداخلهم، لهذا كان طريقهم صراطاً جلي المعالم ، فلماذا كان مستقيماً؟ لأن من يطلب هذه الغايات، التي تعضد مهمة الإنسان على الأرض، في تحقيق العمران و النماء و السلام، لا تتجاذبه الأهواء يمينا و يسارا، و لا يقيم وزنا لأية عقبة في طريقه نحو الحق، فلا يلتف و لا يناور، بل هو في الحق سيف مشرع، لهذا يكون طريقه مستقيما، فطريق الحق و الخير و العدل يكون على هذا الفهم هو الصراط المستقيم ، و الله أعلم

أما الآية السابعة، فتصنفنا نحن البشر من منظور علاقتنا بطريق الحق و الخير هذا إلى ثلاثة أنواع، الأول هم من أنعم الله عليهم، و هم أصحاب طريق الصواب هذا، ممن يغلب عليهم الالتزام به قدر الجهد و العلم، و بنية خالصة لوجه الله في طلب الحق و الخير و النماء للناس جميعا، يغلب عليهم السير في هذا الطريق، لا يسيرون بغيره الا لماما، و لا يسير في هذا الطريق غيرهم، حتى ينسب الطريق لهم و يسمى باسمهم، " صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" كأن تقول طريق الحجيج من مصر لمكة قديما عبر سيناء ، أو طريق الحرير نسبة لمرور تجارة و قوافل الحرير فيه قديما، فلماذا وصفهم الله و ميزهم بأنهم من أنعم سبحانه عليهم؟ النعمة المقصودة هنا قد تكون أي نعمة من نعم الله، و لكن سياق الآيات و علاقتها بما قبلها، تجعلنا نميل لكونها النعمة التي من خلالها هداهم الله لهذا الطريق، و هي نعمة الضمير، أو الأنا العليا، التي تمثل بوصلتهم ، فهل خصهم الله بها و ترك غيرهم يضلون؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً، لقد أهدى رب العالمين هبة الضمير لكل خلقه، و جعله متناميا متزايدا مع النهضة الإنسانية، لكن منهم من يستخدم هذه البوصلة فيكون بها مستفيدا و تكون له نعمة، و منهم من لا يستخدمها، و لا ينتفع بها الا قليلا، و هؤلاء هم النوعين الثاني و الثالث في الآية، فلقد أنعم الله على كل البشر بالضمير، فنعم به من أفاد منه، و لم ينعم به من أهدره

أما النوع الثاني، فهم الذين عبرت عنهم الآية بنفي صفتهم عن المهتدين، و هم المغضوب عليهم، فكأننا نطلب من الله أن يهدنا لطريق الحق و طلابه و ليس طريق المغضوب عليهم، فمن هم هؤلاء؟ منطقي أن يكونوا النقيض المباشر للنوع الأول، و هم من حطموا بوصلة الهداية في عقولهم، و من أخرسوا صوت الضمير في وجدانهم ، ليس هذا فحسب ، لكنهم اختاروا الطريق المضاد لطريق الأولين، ليصبحوا أنصارا للظلم و الشر و الضلال، لأهداف ذاتية، تنبع من تمكن الأنا من عقولنا و سيطرتها عليها سيطرة كاملة بلا ضمير و لا وازع، و حين تنفرد الأنا بالقرار الإنساني، تميل لانتهاج أيسر الطرق لتحقيق الذات و لو بالظلم و الشر و القهر و غيرها من ضروب الفساد و الإفساد، و هؤلاء هم من يمثلون العقبة الكبرى في جهاد الإنسان لتحقيق مهمة الخلافة في الأرض، مهمة الرخاء و النماء و السلام ، فهم يحطمون كل شيء في مقابل تحقيق ذاتهم الضيقة على حساب المجموع، و لضررهم الشامل هذا بالمهمة الإنسانية في الخلافة ، استحقوا غضب الله عليهم
و أما النوع الثالث فهم الضالون، و هؤلاء لا يجدون السير في طريق الحق و لا طريق الباطل ، إنهم النوع التائه في حياته، المتردد و المذبذب، بين بين في كل شيء، و هذا قد يضل و لكن ليس عن عمد كالنوع الثاني، و لكن عن تقصير في استعمال البوصلة الالهية، فيتبع ضميره ساعة ثم يضل ساعات حين يغفل هذا الضمير، و لعل هؤلاء من عناهم النبي الكريم في حديثه عن الإمعة الذي يحسن لو أحسن الناس و يسيء لو أساءوا

و بهذا تكون الآيات قد قسمت البشر من حيث التوجه العام في الحياة، إلى أصحاب طريق الحقيقة و الخير، و أصحاب الطريق المضاد، و التائهين الضالين بين بين، و لما كانت الفاتحة هي ما يكرره المسلم في صلاته 17 مرة في اليوم و الليلة، فلعل من دورها تذكيره بهذا التصنيف ثلاثي الفئات للبشر، حتى يزيد انتباهه لأهمية بوصلته الداخلية، ضميره و فطرته، فيحرص عليها و يكون لطاعة صوتها أقرب، لعل من كان على طريق الحق يزداد به تمسكا، و لعل من كان على طريق الباطل أن يراجع نفسه، و لعل من كان ضالاً تائها أن يحزم أمره و يضع قدمه بأول طريق الخير و الحق، فليست الهداية بر يصل إليه الإنسان ثم يجمد فوقه، لكنها طريق يسير فيه و يجد السير، فتكون رحلة حياته هي رحلة في الخير بمجملها


قال تعالى ( أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) البقرة:16

و هذه الأية الكريمة و إن وردت في سياق الحديث عن الضلال الديني و العقائدي من سورة البقرة، إلا أننا نرى لتعميم اللفظ فيها هدفا يتجاوز الموضوع المباشر للآيات، إذ لو أراد الحق تعبيرا محدودا لما أطلق التعبير عن الخطأ عامة و عن الصواب عامة بقوله "الضلالة بالهدى" فالآية تشير إلى آفة من آفات البشر، لطالما كان طريق الصواب في العمل أو في الزوجية أو في السياسة به صعوبة نسبية لو قارناه ببعض الطرق الملتوية و الغير سوية، ليس لاعوجاج فيه أو غموض، و لكن لتعارضه مع بعض أو كل مطالب الذات الإنسانية المسرفة في طلباتها، و نحن في كثير من أمور حياتنا نقرر بمحض إرادتنا، و لهدف يتعلق بارتباط طريق الضلال ببعض الأمور المحببة لذاتنا، أن نستبدل طريق الصواب الواضح بطرق الخطأ، و لهذا كان التعبير القرآني عن ذلك بأنه فعل واعِ تماما كفعل البيع و الشراء، يعلم فيه الإنسان أن ما يبيعه هو الصواب و ما يختاره لنفسه هو الخطأ ، و لهذا، لا يحسن بنا أن نحترف تبرير أخطائنا بظروف خارجة عن إرادتنا المباشرة، ففي غالبية الأحوال نحن نخطيء لأن بالخطأ جانبا براقا يستهوي انظارنا، و يعميها عن الجمال البعيد الأمد في خيط الصواب ، فهل يتعارض هذا مع مبدأ نسبية القرآن الذي نتناوله قريباً؟ لا، فنحن عندما نقول صواب أو خطأ، نعني موقفا او اختيارا تغلب عليه صفة الصواب أو صفة الخطأ يصدر من إنسان محدد في مكان محدد و زمان محدد، و هذا لا يتعارض مع الفهم النسبي ، نحن نخطيء أو نصيب بمحض إرادتنا، و نسعى لمقايضة الحق بالباطل حين نفعل ذلك سعيا حثيثا كسعي التاجر في تجارته، و التشبيه القرآني الرائع في هذا الأمر واضح تمام الوضوح


قال تعالى (أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة:44

و الآية الكريمة هنا جاءت في صيغة سؤال للاستنكار، حيث ينكر الله على بني إسرائيل أنهم انقسموا طوائف، بعضها يتنمر لبعض للوقوف على خطأ وقع فيه الآخر، حتى يعيره به، فكأن كل منهم يراقب الآخرين ليعظهم و يغلظ لهم في النصح، و لعله يقع في نفس الخطأ سراً أو جهراً، و من هذه الآية نرى المعنى العام و هو استنكار موقف القاضي الذي يتخذه بعضنا كثيراُ على سلوك الناس و أفعالهم، مرض متوارث خاصة في البيئات التي لم تتآلف مع حرية الفرد بعد، فترى موضوعا يفتح في جلسة ودية باستنكار، كأغاني الفيديو كليب الخليعة مثلاً، و لعلك عندها تجد عشرة أشخاص هم كل من في الجلسة، و كلهم يستنكر هذه الأغاني و يعيب على من يذيعها و من يسمح باذاعتها و من يشاهدها، مالكم يا قوم؟ لو كان الجميع يكرهون هذه البضاعة حقا و صدقا، فلماذا تروج بيننا؟ و الحديث عن مؤامرة لنشر الانحلال و ما الى ذلك غير مقبول هنا، فالفضائيات مشروعات تجارية بحتة، تطلب البضاعة التي تحظى بأعلى نسبة مشاهدة لتحقيق أغلى الأسعار للدقيقة الإعلانية، إذن فالخلاعة يطلبها بيننا الكثيرون سرا، و يلعنوها جهراً، انها الازدواجية المقيتة لا أقل و لا أكثر ، و ما يصدق في هذا المثل يصدق في كثير غيره، فترى من يكثر حديثه مهاجما للانحلال الجنسي مثلا في كل وقت، هو أكثر الناس ولعاً بهذا الانحلال في سره، و لعنه له في الجهر بمناسبة و بغير مناسبة هو دليل هوسه بما يلعن ، كذلك ترى من يكثر الحديث عن الرشوة أقرب خلق الله لها سراً، فكأنه يجعل من مهاجمته لها في العلن وجاءً بينه و بين الناس حتى لا ينفذوا لسريرته

لماذا ينهانا الله عن هذه الإزدواجية، و عن هذا الستار المهتريء من البر و الفضيلة الذي نداري به انحرافاتنا و أخطاءنا؟ ألمجرد كونه كذبا؟ أم أن هناك هدف أكبر؟
بالطبع مجرد كونه كذب و تلون مقيت كافِ للنهي عنه و استنكاره من الحق تبارك و تعالى، لكن هذا ليس كل شيء فيما نرى ، في المثل السابق، لو تذكر من يشاهدون هذه المواد الخليعة هذه الآية الكريمة، فاستقر في نفوسهم أنهم لو لبسوا اهاب الفضيلة و خاضوا مع الخائضين، يلعنون بالنهار ما يأتون بالليل، لكان ذلك عند الله مقيتا مستنكر بذاته، فضلا عن خطأ الانحدار لهذه المواد الخليعة، فربما امتنعوا عن لبس القناع، و اكتفوا بالصمت، أو بلغت بأحدهم الشجاعة أن يقول " أنا أفعل هذا و ضعيف أمامه" عندئذ، يرون الخطأ واضحا جليا أمامهم، فتكون احتمالات التوقف في وقت ما أكثر، بينما لبس القناع الفاضل و التفنن فيه ، يعطي لمن يخطيء تبريرا لا شعوريا و غطاء يحتاجه ليستمر بلا وخز في ضميره أو شعور بالحرج، فهل فكرنا ماذا ستكون النتيجة لو بدأنا بأنفسنا، نأمرها بالبر، و لا نتطرق لنقد الآخر؟ على الأقل حتى ننقي أنفسنا؟ ستكون النتيجة ببساطة مجتمعا حرا ، و لا تعارض بين مضمون هذه الآية الكريمة، و بين موضوع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي سنأتي له لاحقا في مبحثنا هذا

قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) البقرة:170
أعظم بها من آية تقاتل آفة لعلها الأكبر في دنيانا، الجمود، هذا الداء الذي لا يخلو منه ضعاف العقول و محدودي المواهب أبداً في أي زمان أو مكان، و هو جمود متعدد الأسباب و متغير المظاهر، فأما أسبابه ، فيأتي في طليعتها التبلد و الكسل العقلي، و الذي يدفعنا لقبول موروثاتنا كما هي، بلا نقد لها و لا تدقيق ، فالطريق المعبد يتطلب جهدا أيسر للسير فيه من غيره من الطرق، ثم يأتي الخوف من الناس و من المجهول، من نقد الناس لنا لو فارقنا طريقتهم و عاداتهم التي ركنوا إليها، و من المجهول الذي قد يقابلنا في هذا الطريق الجديد لو نحن سلكناه، ثم يأتي ضعف ثقة الإنسان بذاته سببا ثالثا للجمود، فهو يجيب نفسه لو راودته عن سلوك الطريق الجديد و الفهم الجديد "و هل أنا أعقل من كل الأجيال السابقة التي مضت على طريق الآباء و الأجداد؟" و هو بذلك يستخدم منطقا مغلوطاً، فلو قبل الإنسان منذ البدايات الأولى معارف و مدارك آباءه الأولين على الإطلاق، لكنا الآن نأنس سويا في كهف، لكن التطور دائما يأتي من تبني التقدميين للعلم الجديد و الفكر الجديد و الفن الجديد ، و القرآن حافل بالحض على رفض الجمود الفكري، و الجمود الديني، و حافل بالتشجيع للفكر النقدي، و القراءة النقدية للواقع و الأفكار و الأشخاص، فأين نحن من هذا المعيار القرآني؟ أين نحن من عقيدة رفض الثبات و الجمود؟ أين نحن من العقيدة المتجددة الثائرة؟ أكاد أقول أننا أصبحنا نحترف الجمود، جمود يسيطر علينا في الدين و الفكر و العادات و التقاليد و الفن و الأدب، و لهذا الموضوع خصصنا مبحثا في تجديد الفكر الديني في الجزء الثاني من كتابنا، و يكفينا الآن أن نعلم أن القرآن طالبنا مرارا و تكرارا بعدم تقديس الفهم و الفكر الديني للسلف، بحجة أنهم الأولى منا بالحق، فالقول بأن الأقدم زمنا أكثر معرفة هو قول متهافت من الناحية المعرفية تهافتا تاما


قال تعالى ( وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة:179
و هذه الآية ترسي المبدأ العقابي في التعامل مع السلوك البشري الذي يضر بالآخر، و تبين مباشرة أن الهدف ليس قاصراً على تحقيق العدالة، و لكنه يتجاوز هذا لردع المجتمع المحيط، و الذي قد يراود بعض أفراده تفكير في إتيان الفعل المعتدي على الغير، فيردع هؤلاء وجود قانون حازم، يتعامل مع كل جريمة بما يناسبها من عقاب، أيا كانت الجريمة و أيا كان العقاب وفق حالة كل مجتمع و ظروفه ، و نحن لا ننكر أن من الناس نفوسا نبيلة، لا تحتاج للردع للإمتناع عن الجريمة، لكنها تمتنع لاحترامها للآخر، و نفورها من بشاعة الجرائم، لكننا لا نستطيع أن ندعي لمجتمع بشري على الأرض خلوه من الصنف الأول الذي يستلزم الردع ، و الآية الكريمة تخاطب عقولنا بقوله تعالى "يا أولي الألباب" لتحثنا على إعمال العقل في هذا المبدأ، و التأكد من كفاية الردع و مناسبته للفعل في صياغة قوانيننا الجنائية و المدنية و غيرها مما يجوز فيه الاعتداء على الآخرين أو الاضرار بهم




قال تعالى ( وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة:188
تتعامل الآية الكريمة مع الفساد و الرشوة، أحد أهم الآفات البشرية على مر العصور، فأكل الأموال بالباطل يضم النصب و التدليس و الاحتيال على مستوى الأفراد، و يضم الفساد المؤسسي و اختلاس المال العام على مستوى المؤسسات، و يضم الغش و الجشع و الاستغلال و التنافس الغير شريف و الاحتكار على مستوى الممارسات التجارية، فمن يتحدث للناس في برنامج ، ظاهره ديني، و باطنه استنزاف أموالهم و استغلال حسهم الديني في مكالمات تليفونية بهدف الربح، يأكل مال الناس و يبيع كلمات الله بالثمن البخس، و الذي يسهل القروض بضمانات غير جدية يأكل أموالهم، و الذي يحتكر الحديد ليبيعه بأكثر من الربح الذي تقره أعراف الصناعة يأكل أموالهم ، ثم تتناول الآية فساد السلطة ، من خلال التحالف الأسود بين الحكومات الفاسدة و رأسالمال الغير شريف، و الادلاء بالمال هنا ليس بالضرورة الرشوة و حسب، و لكنه كذلك مشاركة الحكام في أعمال بغرض تسهيل أمور معينة، أو هدايا عينية أو مادية للحاكم ، و الحاكم هنا كل ذي سلطة أو صلاحيات، على أي مستوى من المستويات من أعلاها لأدناها

مدد يا سيدي المسيري

و رحل المسيري بجسده

مدد يا سيدي عبد الوهاب يا مسيري ، مدد يا فارس العقل الذي ترجل ، مدد يا صارخا بصرخة الحق "كفاية" عند السلطان الجائر، يا يساريا مسلما لم يرتمي في بحر المد "الدينفطي" و دولاراته، كما فعل غيرك من الراقصين للقرد في دولته، و الراقصين لأمريكا في محرابها البترو-إسلامي السعودي، يا وجعاً في قلب صهيون لم يزل يقض منهم المضاجع، و يحاولون الرد، لكن ردودهم أمام عملقتك تتضاءل ، يا حبيب فلسطين و شاعرها و عرابها المصري، يا يساريا على سنة الله و رسوله، ، يا مسلما مشى في طريق العقل حتى وصل به للإيمان، لإسلامك النقي المستنير، و المنحاز للجماهير و البسطاء و الكادحين، قبل أن يتم "تأميمه" على يد تجار الرقيق، و التأميم هنا نسبة للأمويين و ليس الأمة، مدد يا سيدي المسيري، فلطالما ألهمت بقلمك في حياتك ، و أراك اليوم تلهم بعد موتك ، فلله درك من ولي تقي نقي، يلهم حياً و ميتاً، أتتعجبون أن أقول "مدد" كالصوفية لإمام من أئمة العقل المنهجي التفسيري؟ دعوني إذن أحدثكم لماذا ناديت العلامة الذي رحل ، طالبا المدد، و هو ليس المدد السحري الصوفي، و لكنه المدد العقلي الذي تلهمه سيرة الرجل و نتاجه الفكري السامق ، ذلك الراحل الكبير، الذي كان وحده من وثقت بدينه و تقواه من بين جحافل اليسار التي يممت وجهها شطر البيت الأبيض، و شطر وكيله المعتمد في المنطقة بجزيرة النفط، هؤلاء الذي قال فيهم "أبو النجوم" يتمركس بعض الأيام.. يتمسلم بعض الأيام.. و يصاحب كل الحكام، فالمسيري يا سادتنا لم يخلع إيمانه بالتوجه اليساري و لم ير فيه تعارضا مع دين الخير و الحق، و هو عين ما نراه، على عكس من طبلوا مع السادات للرقص الأمريكي-السعودي-الاستهلاكي في بلادنا ، و كالعادة، رحل الفرس العربي الأصيل، و بقيت على المزاود شرار البقر .. آآآه يا سيدي المسيري .. كم بقي بعدك لله و العقل و الوطن من أقطاب الشرف؟

لقد بدأت كتابة هذا المقال قبل أن يرحل الراحل الجليل "عبد الوهاب المسيري" للقيا ربه، فلا كان العنوان هو العنوان، و لا كانت المقدمة السابقة هي المقدمة، ثم جاء الخبر المقيت، فلم يزدني على ما عزمت عليه إلا إيماناً، و لم يسعني إلا الاعتراف للراحل الكريم قبل غيره بالإلهام، ثم يأتي فضل الإلهام المباشر لنخبة من الأصدقاء، منهم من التقيت به و منهم من لم يسعدني الحظ بلقائه ، فكان تشجيع الأعزاء "ميرو ديبو" و "أحمد مهران" و "إشراقات" لي ، هو الشرارة التي أطلقت الهمة ، ثم جاء تشجيع الصديقة كلاكيت على السعي في حركة مغايرة لما هو مطروح بالساحة، ثم كان تشجيع الصديقة "شيرين عادل" بعد قراءتها لكتابي عن مدنية الإسلام بالإنجليزية ، همة مضافة، لقد أعطاني هؤلاء الأصدقاء ما كنت أحتاجه ، و هو الثقة بنفسي و أهليتها للكتابة المنهجية في الفكر الديني أولاً ، و الثقة بأنني لو هممت لوجدت من يشاركني هذا الواجب، مشاركة فعالة، فضلا عن القراءة و التشجيع ، ثم تأتي وفاة المسيري صارخة بوجههي، هاهو فارس من فرسان الإيمان العقلاني، أو العقلانية المؤمنة يسقط، فإلى متى يبقى الفكر الديني المستنير حبيسا في مكتبات و عقول النخبة؟ إلى متي لا نجد من يتحمس لنشر كلمة الحق لأنها لن تلاقي أي ترحيب من السلطان و مجاذيبه و بهاليله؟ لماذا يبقى شبابنا فريسة لتيار متطرف يلغي عقله و ذاتيته؟ أو تيار مادي بحت يؤرق عاطفته الدينية و فطرته؟ لماذا نسكت على هذا الصراع المصطنع بين العقل و الدين و نحن نعلم يقينا أن الطريق واحد؟ و أن كلمة الله لا تؤيد إلا العقل الذي فطره الله؟ نعم، هناك العديد من الجهود الأكاديمية في هذا المجال، لكننا نتحدث عن شبابنا، فلابد لنا من مراجع فكرية تمتاز بمنهجية العرض، و سلاسة الأسلوب، و رشاقة اللغة ، و هذه المرجعية لا يجب أن تكون في صورة بحث هنا و كتاب هناك، بل منظومة فكرية كاملة، تحمل رسالة الفهم المستنير للدين ، قادر على أن يحل محل الركام الهائل من الأعمال التي كرست لفهم يتراوح بين المحدود و المغلوط كما نرى اليوم ، فقط عندها يمكن لقاعدة الإسلام المستنير، أو التنوير المسلم أن تتسع و تكتسب الأرضية المتزايدة، و هذا عمل كبير، يتجاوز كما قلت دوما قدرة الفرد و جهده، فلماذا لا تعمل عليه جماعة تتحمس له؟

لقد عزمت على الكتابة المنهجية في الدين، و وضعت لنفسي هدفاً مبدأياً هو إنجاز ثلاثة أعمال كبيرة، قد تستغرق سنينا طوالا حتى تنجز، و لكن لها دور محوري في خلق الزخم الذي نحتاجه في الفكر الديني، أولها استلهام لآيات الحق من القرآن الكريم، تتناول الفهم و التفسير القرآني بمدخل موضوعي يتعرض للموضوع الواحد كالزواج أو الحرب أو المعاهدات ...الخ، فيجمع ما يتعرض له من القرآن و يتناول فهمها جميعا، و هو ما دعا اليه الراحل الجليل الشيخ "محمد الغزالي" قديما و الدكتور "محمد شحرور" حديثا، و ثانيها تبويب للحديث الشريف بأسلوب عرض و شرح حديثين، ينتخب من كتب الصحاح المتواتر من الحديث أولاً، ثم ما وافق القرآن و السنة النبوية من أحاديث الآحاد، أما ثالثها فهو مرجع فقهي معاصر ميسر، و هذه الأعمال الثلاثة قد تستغرق عمرا بأكمله إذا أنا خصصت لها ما بقي لدي من الوقت خارج وقت العمل، و هي أعمال لابد لي من توفيق أوضاعي شخصيا لأصبح أهلا للكتابه فيها، لكن يبق ما عداها كثير، و منه التاريخ الإسلامي و إعادة قراءته قراءة نقدية علمية، و منها الفرق الإسلامية الكبرى و الفكر التقريبي بينها، و غير هذا و ذلك العديد، فضلا عن كون معين القرآن و الحديث و الفقه لن ينضب بما أكتب أنا فيها الا كما ينضب البحر من غرفة بيد، فهي تستوعب غير قلمي عشرات الأقلام، و لا ريب أنه سيفيد قافلة التنوير تلك أن تلتقي و تتبادل الحوار، حتى لا تتفتت إلى عشرات التيارات، فمن خلال الحوار سنتفق على الجوهريات التي تضمن لتيار التنوير الديني قوته و وحدته، ثم تبقى مساحة الاختلاف في الفروع لا محدودة، بحيث تضمن لهذا التيار الثراء الذي يزيد من قيمته و جاذبيته، و نحن نرحب في تيارنا الفكري المنشود بالجميع عدا رجلين، رجل ينتمي للإخوان المسلمين أو غيرهم من طوائف الأسلمة السياسية، أو رجل ينتمي للحزب الوطني الديمقراطي، فالأول لا نثق بنواياه، و الثاني لا نريد لإنتمائه السياسي أن يحاول توظيفنا و تدجيننا، أما ما عدا هذين، فبكل من يرى في نفسه حماسا نرحب و نحتفي، و أيا ما كان حجم ما يقدر على بذله من وقت و جهد، فهو سيضيف و لا ريب، حتى مستمعا و محاورا و ناقدا لإنتاج الآخرين ، فهذه هي دعوتنا، فهل من مجيب؟