29.5.10

ثائرات .. وآخرون

لم يكن ثبات "جميلة اسماعيل" و"هويدا طه" و"بثينة كامل" وغيرهن من الناشطات مقابل ذوبان النواب الأشاوس في مطلع الشهر الجاري خارجا عن السياق، ولا كانت رباطة جأش الفتاة الرقيقة "عفاف" في مركز هشام مبارك يوم 6 أبريل مستغربة، وهي تحكي عن الصدام العنيف بالأمن وفوق شفتيها ابتسامة تحمل بساطة البراءة الثورية وعمق الإيمان معا، لا، ولا كان الصوت النسائي الهادر في مكبر الصوت يقود الهتاف أمام مجلس الشعب غريبا على أذن أحد، قل مثل هذا في صوت "جورجيت قليني" الحر أمام صوت الفاسد الغشوم "عبد الرحيم الغول" وقل مثل هذا في قوائم الأسماء الموقعة على بيان التغيير التي أقدر أن أكثر من ثلثها لسيدات وآنسات، وفي عدد الحاضرات في كل محفل من محافل الوطن، يوازي عدد الرجال حينا ويفوقه حينا ويقاربه في كل الأحيان، ولم العجب؟ ألم يكن الدور الثاني بعد دور حركة كفاية في بعثنا من موات هو دور حركة 6 أبريل التي أسستها مبادرة عصفور النار الجميل "إسراء عبد الفتاح" عام 2008م؟

وليس في حديثي هنا عن وضوح دور الثائرات مقابل دور الآخرين في صناعة الأحداث المعاصرة نقد ولا استنكار، بل ربما كان فيه فضلا عن التقدير والإعجاب شيء من السرور، فكل هذا بشارات خير لأمثالي من هواة التنقيب عن "النمرات"، والعمل العام هو أرقى مضمار تتنمر فيه النمرات ولا ريب، فما أروع من تنمرن رغم كل الظروف القاهرة، ظروف لعل أهونها هؤلاء المعممون والمشمغون والمزعبطون في الفضائيات، يصبون في سمعها صباح مساء أنها عورة وصوتها عورة وظلها عورة و"اللي يتشدد لها" عورة، ومشاركة المرأة ليست بحد ذاتها بالأمر الجديد، فقد كان للمرأة المصرية دوما دورها في الحركات الوطنية عبر التاريخ، لكن دورها اليوم تجاوز دور الرائدات النسائيات محدودات العدد فيما مضى، وبالطبع تجاوز دور الملهمة التي تجيء من صور وفي ثيابها رائحة النعناع والليمون وفي عينيها خيل ورايات وثائرون كما قال أميرنا نزار قباني رحمه الله، فقد أصبحت المرأة نفسها فوق صهوة الخيل، تحمل الرايات ويتبعها الثائرون، والنظام نفسه عرف هذا وأعد لها عناصرا من الشرطة النسائية لمواجهة المتظاهرات مؤخرا، وأنا بهذا الصدد، لدي أسئلة أكثر مما لدي من إجابات
  • لقد زادت نسبة المرأة في العمل العام، هل هذا لزيادة في عدد السيدات والفتيات أم لتناقص في عدد الرجال والفتيان؟ أم العاملين معا؟ اظن عدد الرجال لم ينقص ولكن معدل تزايده أقل من معدل تزايد عدد النساء
  • هل للظاهرة علاقة بمعاناة المرأة المصرية المتزايدة في العقود الأخيرة؟ فقد عانت ما عاناه الرجل وعانت فضلا عنه من الرجل حينا ومن المجتمع أحيانا، وكل التشوهات النفسية في المرأة والتي نشكو منها نحن الرجال هي عادة الثمرة المريرة لأثر المجتمع الذكوري عليها، أظن لتلك المعاناة علاقة مباشرة
  • الاقتصاد هو ترجمان الحراك السياسي من الأزل وإلى الأبد، فهل للمسئوليات الاقتصادية المتنامية للمرأة نتيجة استنطاع السادة الرجال علاقة بشعورها بالضغط الاقتصادي ومن ثم المشاركة الكثيفة؟ أعتقد نعم
  • هل لثورة الاتصالات والتي جعلت أخبار الحركة السياسية متاحة للفتيات دون الحاجة للجلوس بالمقاهي وممارسة الصعلكة السياسية في الشوارع علاقة مباشرة؟ أعتقد نعم وبنصيب كبير من هذه الظاهرة
الكل اليوم يناقش، هل ستكون الثورة القادمة ثورة الجياع أم لا، لكن الحقيقة التي تزداد كل يوم وضوحا، والتي لأجلها ننحني احتراما للمرأة المصرية (بغض النظر عن تحفظاتنا في سياق آخر) هي أن الثورة القادمة سوف تحتل صدارتها ثائرات .. وقلة آخرون

No comments: