11.3.09

السيرة الذاتية لفتاة ليل


(1) حوار ما بعد العاصفة
إنتهى كل شيءٍ كأن لم يكن في تلك الليلة المطيرة من شتاء الإسكندرية، وخمدت نار الرغبة في لحظة كأن لم تتأجج منذ لحظات، هكذا دائماً لقاؤه مع البغايا، ذئب الشهوة الذي ينبح في كل خلية من خلايا جسده، لا يلبث أن يتثاءب بعد أن يقضي وطره وينام في هدوء، تاركاً صاحبنا وهو يتوق إلى النوم هو الآخر، غير أن النوم بينما فتاة ليل ترقد بجانبك عادة ما يعقبه صباح تفجع فيه باختفاء ما خف حمله من ملابسك وبيتك معاً، هكذا علمته سنون الضياع
استلقى إلى جوارها على الفراش بحجرة نومه، والتي تشي كل تفاصيلها بليلة حمراء أعد لها بإتقان، التكييف مضبوط على درجة حرارة تسمح بالدفء الحميم ولا تؤدي للموت عرقاً، زجاجة الفودكا من ماركة "سميرانوف" التي يشتريها فقط حين تختفي الفنلانديا أحياناً من البلد، وإلى جوارها على الخوان الجانبي استقرت سجائره المفضلة، وكان السرير الكينج سايز مغطى بمخمل أبيض يمثل خلفية فنية رائعة للجسد البشري، حلوى الماكينتوش على الخوان المقابل، كل شيء كما إعتاده قبل أن يبدأ ممارسة الحب مع البغايا، وفضلا عن كل هذا كانت الموسيقى تنبعث من جهاز الاسطوانات المدمجة، إنها "شهرزاد" "كورتساكوف"، وكم سمع من تعليقات الساقطات على تلك الموسيقى، قالت له إحداهن مرة
- رائع جو ألف ليلة وليلة هذا؟ يبدو أنك ممن يفضلون قضاء الوقت في الحواديت
كان من الصعب أن يشرح لها الظروف الرومانسية التي ربطت "شهرزاد" في عقله الباطن بالجنس فلم يجب على الإطلاق
نظر لتلك الراقدة إلى جواره، ثم قام معتدلا في الفراش وتناول علبة سجائره فأشعل سيجارتين وناولها واحدة، أخذ نفساً عميقاً ونفثه وهو يحدق بلا هدف، سألته لو كانت لديه سيجارة حشيش، فأجابها بأنه لا يدخن المخدرات، علقت في رقاعة

- يالك من ولد مهذب
تجاهل سخريتها الوقحة، فمن يعاشر الساقطات عليه ألا يلقي بالاً للكثير من وقاحاتهن، والآن، ماذا سيفعل في هذه الكتلة البشرية الملقاة إلى جانبه؟ إنها مؤجرة له بموجب عقد غير مكتوب بينهما حتى صباح اليوم التالي، وله أن يستفيد بكيانها كله حتى طلوع الشمس، ليست به رغبة الليلة لممارسة لعبة الجنس مرة أخرى، فهذا الصداع في مؤخرة رأسه يجعل تفكيره في إعادة الكرة شبه مستحيل، كان المنطقي أن يصرفها لحالها، لكنه لم يتعود أن يفرط في شيء له أبدا، فالسماحة في البيع والشراء واقتضاء الحق لم تكن من شيمه يوما، لهذا برق في ذهنه خاطر ملح، لماذا لا يسألها ذلك السؤال الذي اعتزم أن يسأله كل واحدة من النسوة المحترفات اللاتي اعتاد أن يأتي بهن من حين لآخر لبيته في عطلة نهاية الأسبوع؟ اعتزم أن يسأله عشرات المرات، وفي كل مرة كانت وقاحة الضيفة "فوق-العادة" تثنيه عن عزمه، كذلك كان هناك مانعا آخر، فهاتيك النسوة كالأرض المشاع المملوكة له وللعديد من رفاقه في العمل وغيره، وآخر ما يرغب فيه أن يجد ساقطة تقول للجميع أن "حسن" لا يجيد غير أحاديث فارغة في الفراش، تهمة فظيعة وقابلة للإنتشار بسرعة الضوء في مجتمع جاهلي يقرن الرجولة بالفحولة، لكنه يرى في هذه الراقدة بجواره اختلافاً يجعله يأنس إليها نسبياً، لعله شيء من الهدوء وعدم التكلف في أدائها، شيء من العذوبة في صوتها وإن حاولت أن تغطي على عذوبته وتطليها بطبقة وقاحة بدت له غير أصلية، أو بمعنى أدق غير متأصلة، ثم عمرها الصغير، وجسدها الغير مستهلك، كل هذا يشي بأنها لم تعرض في سوق النخاسة منذ زمن بعيد، "بسلبة السحاب" كما يقول المثل الداعر، كل هذا شجعه فقرر أن يسألها سؤاله المؤرق، إلتفت إليها، ولفها بذراعه ليضع رأسها على صدره، وأخذ يداعب خصلات شعرها الأسود الفاحم، لولا أنه يميز لون ودرجة لمعان الشعر المصبوغ لظن أن هذا اللون من الصبغة، ولكنه لون شعرها الطبيعي، هي جميلة في مجملها، قبل رأسها في رقة فنظرت إليه وابتسمت في بلاهة، لقد تعودت هذه الرقة من رفاق الليل قبل اللعبة وليس بعدها، ففور أن يقضى أحدهم "وطره" تشعر وكأنه يريد أن يضعها في أقرب كيس قمامة ويلقي بها من النافذة، قطع دهشتها قائلاً
- ما رأيك في قليل من الدردشة، لو لم يكن هذا يضايقك
- ولماذا يضايقني؟ الدردشة لعبتي المفضلة، وسترى بنفسك
تيقن من استنتاجه، جديدة في الكار ولا ريب، تضع متاريسا من الوقاحة والمجون المصطنع كخطوط دفاع وقائية، قال لها ممازحاً
- والدردشة أريح من غيرها على كل حال
ردت بلهجة منفعلة كأنها تدافع عن مهارتها المهنية وسمعتها في عملها
- من قال أني متعبة؟ مازلنا في أول الليل، وليل الشتاء طويل، أم أنك لست راضيا عن
لابد أن سبب انفعالها في الرد هو قلقها على أتعابها، العديد من زبائن العاهرات يبدأون بالإشارة إلى عدم رضاهم عن الأداء حين يرغبون في التفاوض على الأجر أو الامتناع عن الدفع، مد يده إلى بنطلونه وأخرج حافظة النقود فأحصى خمس ورقات من فئة المائة، مد يده إليها فأخذت النقود ومدت يدها إلى علبة سجائره وأخذت ثانية فأشعلتها من السابقة، وقالت
- أي دردشة تحب؟ أتريد أن أقص عليك حكايات "قبيحة"؟
رد ضاحكاً
- لا ليس هذا ما أردت، وددت لو سألتك سؤالا حيرني دوما، باختصار ووضوح، دائما ما أرى أن طبيعة عملك هذا مرهقة جدا، مرهقة عصبياً ونفسياً وجسمانياً لأبعد حد، فلماذا؟ كيف تكون البداية عادة؟
- ياه .. أهذا هو سؤالك الفظيع؟
ضحكت باستخفاف وهي تسحب نفساً خفيفاً، فكم من زبون سألها عن هذا من قبل، لا تدري لماذا يعشق الرجال سماع قصتها الكئيبة، واصلت الحديث قائلة
- تتوقع مأساة مروعة رمت بي في "طريق الرذيلة"؟ يؤسفني أن أخيب ظنك لو كنت تتوقع حكاية تراجيدية عن أمي المشلولة وأبي الذي جرى له كيت وكيت، وأخي الذي كان يبكي من الجوع
- لا أريد سماع فيلم عربي، أريد الحقيقة فقط بكل بساطتها لو كانت بسيطة
- قد يكون في الأمر مأساة، لكنها مأساة مزمنة ولدت فيها وعشتها حتى نخاع عظامي، مأساة عيب خلقي منتشر جدا بيننا، وإن كان بعضكم لا يراه، الفقر يا سيدي، وقد يخيل إليك أنك تعرفه، وقد تكون صادقا في أنك تراه كثيرا حولك في كل مكان، لكن الفرجة عليه من الخارج شيء والحياة بداخله شيء آخر تماما، لم أكن يتيمة، كان والدي رجلا مكتمل الصحة، طولا وعرضا، لكن عقله لم يسمح له بعمل أفضل من تلميع الأحذية، كان "بوهيجي" يمسح أحذية الناس على مقاهي وسط البلد وكورنيش الرمل صيفا، وفي المصالح الحكومية والشركات شتاء، عاش حياته ومازال لا يرى من الناس إلا نعالهم! وأمي لم تكن مشلولة ولا عاجزة، كانت طويلة القامة ونحيفة كسيخ من حديد صلب، كانت دلالة أسماك، تدور على البيوت بمشنة السمك لتبيعه لمن لا يريد تكلف عناء شرائه من حلقة السمك، لهذا لم يكن إخوتي يبكون من الجوع، فقد كان كد أبي وأمي طوال اليوم يكفي بالكاد ليسد رمقنا ويكسي عرينا بأثمال الثياب، بل ويعلمنا على "قد ما قسم"، فلم نكن جوعى، لكن كانت هناك تفانين في ملو بطوننا لا تخطر لك ببال، هل تعرف ساندويتشات المكرونة؟
- نعم
- أكلتها؟
- لا
- إذن فأنت لا تعرفها، اعطني سيجارة

أعطاها السيجارة الثالثة في أقل من ثلث ساعة، أشعلها لها وصب كأسين من زجاجة الفودكا، حتى تعينها الخمر الإسهاب في حديثها واستعادة ذكرياتها، استأنفت بعد الرشفة الأولى من كأس الفودكا فقالت
- في الطفولة لم أكن أستوعب المعنى العميق للفقر، كانت هناك بالطبع رغبات كثيرة تنتهي بشخطة من أمي أو "زغدة" من أبي، لكن الحياة كانت تمضي يوما بيوم، ولم تبدأ المشكلة إلا مع فورة الأنثى داخلي في عمر البلوغ، حين خرطني خراط البنات، كان جسدي فائرا وكنت أجمل مني اليوم بكثير، صحيح أني حديثة العهد بنزول الشغل، إلا أن الأيدي الجائعة فعلت بي في عامين الكثير والكثير، وأذبلت من جمالي ما لا تذبله سنوات، كنت مختالة بجمالي كأي مراهقة، وكانت عيون الرجال والشباب وهي تتابعني تزيد من خيلائي، حتى أصدقاء أبي لم تكن عيونهم تعف عني، في هذا الوقت بدأت مشكلة الملابس، وقد تراها تافهة لأنك لست مراهقة فائرة الجسد، فتلك المراهقة كانت تريد الإعلان عن جمالها بالثوب الجديد والحزاء اللامع، فعندما تمنع الفتاة من التعليم في الصف الثاني الإعدادي لضيق ذات اليد، لا يعود لديها ما تحقق به ذاتها غير الهبة الطبيعية المكتنزة في جسدها ووجهها، لهذا فكرت في العمل، ليس عملي هذا طبعا، ولكن أي عمل مما يتاح لمراهقة جميلة في مدينتنا الساحلية،
حكت له وهي تشرب ثمالة كأسها كيف أخذتها جارة لها من نفس عمرها للعمل في مطبخ البار الشهير في لوران، وكيف لاقاها كبير الطهاة رجل مهزوم الملامح مفرط السمنة، نظر نحوها بود قليل وهو يختبرها من شعرها لأخمص قدميها قبل أن يقول وكرشه المدلى أمامه يهتز مع كلماته
- المهم أن تعمري في المطبخ، ولا تخرجي منه سريعا، فمطبخنا هذا هو الجرة وعبر هذا الباب هو "برة" وكم منكن كانت في الجرة ثم خرجت لبرة، عبر الدور الثالث بالطبع، سنرى على كل حال
ثم أمرها أن تنظف أرضية الثلاجة الضخمة وأن تمسح تحت طاولة التقطيع الرخامية، لم تفهم ما قصده بالخروج لبرة والدور الثالث، لكنها همت في عملها، بحثت عن الثلاجة فلم تجد شيئا مثل ما تعرفه من ثلاجات، حتى أشاروا لها نحو غرفة لها باب من معدن في نهاية الممر المؤدي للمطبخ، حين ولجت إليها ارتعدت من البرد، كانت الغرفة هي ثلاجة المطبخ، وفيها رأت قطع اللحم الضخمة التي لم تتخيل وجودها إلا في محل الجزار، حتى جزار حارتهم الضيقة في الورديان لم يكن محله يحوي الكثير من اللحم الحقيقي، فالإسم جزار والفعل تاجر لحمة رأس وكوارع وسقط، كان أول ما فكرت فيه في تلك اللحظة، هل سيعرف أحد لو قطعت قطعة لحم من هنا أو هناك واصطحبتها لمنزلها؟


(2) ثقافة الاختلاس
استأذنت للحظات حتى تغتسل "علشان تفوق وتكمل الحدوتة" كما قالت، شرد بخياله مبتسماً لتفكيرها في اختلاس قطعة من اللحم من ثلاجة المطعم، لماذا تسيطر علينا دوماً عقلية الاختلاس؟ لماذا يسعد الكثير من المهمشين حين يختلسون ما ليس لهم؟ مضى يفكر في سيطرة عقلية الاختلاس على المجتمع حوله، صبي مقهى "دندشة" الذي يجلس عليه مع الأصدقاء حين يختلس "المونة" من الشاي والسكر والبن المغشوش، وصاحب المقهى الذي يغش البن بحبوب الفول السوداني المحترقة بعد طحنها، جاره موظف القطاع العام على المعاش المبكر، والذي يركب الأتوبيس من ميدان "سعد زغلول" حتى جليم في موعد ذهاب الموظفين، أو بالأحرى الموظفات، ثم يجلس على المقهى حتى موعد عودتهن، ليختار كل يوم مؤخرة أنثوية عامرة يختلس منها لحظات من الدفأ اللين في الذهاب والإياب، "زين" الفكهاني على الجهة الأخرى من شريط الترام أمام منزله، يزن له التين البرشومي على الميزان ثم يضيف تينتين "إكرامية" وعندما يشرع بإغلاق الكيس يسقط ما لا يقل عن خمس أو ست تينات بخفة يده، سائق التاكسي الذي دائما ما تصطدم يده بفخذ الزبونة الراكبة بجواره عفوا مع كل نقلة بالفتيس، فلو نزلت وركب رجل مكانها تراه وكأن صالون التاكسي الفيات 124 موديل 1973 قد اتسع فجأة فلا تصطدم يده أبداً، وزوجة صديقه التي كانت تختلس من مصروف البيت كلما تيسر لتدخر بدفتر البريد كما أوصتها أمها نظراً لأن الرجال لا أمان لهم، حتى اكتشفها صديقه فاستقرت بجوار أمها، والتي قالت لها أن ظنها صدق فيه، فلن ينفعها غير ما اختلسته، كأن الاختلاس لم يكن سبب طلاقها نفسه! صديقه هذا لم يكن أحسن حالا، فكم حكي له عن اختلاسه النظر إلى نهدي الخادمة عندما تقدم له قهوة السابعة مساء، وكيف حاول مرة أن يختلس ما هو أكثر من النظرة، فأطاحت البنت ذات التسعة عشر عاماً بيده بضربة قوية، أعقبتها "شدة" اسكندرانية أصيلة من حلقها وهي تحذره لو طالت يده ثانية، فهي حرة بنت حرة، وخطيبها "شادي" لو عرف يقطع يد "البعيد" التي تمتد إليها، لكن صديقه "الدني" مرر الموقف ثم عرف كيف يلين دماغها برعايته لخطيبها ذي الدماء الحارة في عمل رشحه له، فنال منها ما هو أكثر من اللمس!
الكل يختلس، ويزيد اختلاسه كلما زاد احباطه وزاد اعتقاده بعدم عدالة الحياة معه، لأنه بذلك يجد شماعة يعلق عليها ضعفه البشري، صبي المقهى يرى أنه "شايل القهوة على راسه" ويتقاضى ثمانية جنيهات فقط في اليوم والليلة! أما الأفندي الذي ورث القهوة عن والده فهو "عويل" ولو ترك له المقهى لخربت فوق رأسه "المسبسب"، أما الأستاذ "عادل" مدير الإدارة بالقطاع العام سابقاً، فقد أوقفت إدارة شركته ستة خطوط إنتاج من أصل ثمانية خطوط عن العمل، فخسرت الشركة بعد أن كانت تحقق أرباحاً بالملايين لعشرات السنين، وبالطبع كان الهدف هو البيع، وما أدراك ما البيع وبركات البيع على الكبار، أما هو فكان مصيره معاش مبكر ومع السلامة، ليعاني وحدته بعد أن ماتت زوجته ورفيقة عمره ولم تترك له بنت ولا ولد، يقول لمن يمسك بخناقه من ركاب الأتوبيس لو حدث أن وجدت إحدى ضحاياه الجرأة في نفسها فاحتجت على تحككه الغير بريء
- وماذا أفعل في ضيق الأتوبيس؟ وهل أكلت منها قطعة؟ هاهي سليمة، اطمئنوا، غدا يبيعون الأتوبيسات فتصبح مكيفة ولا يركبها غير البهوات حتى ترتاحوا
أما الفكهاني الصعيدي فمنطقه أبسط، تسمعه في جلسات الصفاء على المقهى يقول
- حين أتيت من قريتي كنت أبيض من "مترد" اللبن الحليب، فأخذت فوق رأسي حتى قلت "جاي"، الآن انقضى هذا الزمن، ولم يعد أحد يأخذ معي حق ولا باطل
أما صاحبنا سائق التاكسي فأغلب من الغلب ذاته، مصاب بعنة مزمنة لم تجد معها الحبة الزرقاء ولا الصفراء، و"الولية" – كما يسمي زوجته "كوثر" - قليلة الأصل و"كاسرة نفسه" في الحارة كلها، تحدث من هب ودب بحاله، فيشعر بنظرات "نسوان" الحارة تكويه وهو خارج في الصباح، بينما هن يدلقن "طشوت" الماء والصابون أمام بيوتهن يوم الجمعة، إعلانا عن ليلتهن الساخنة مع رجالهن، فيتذكر عبارة "كوثر" حين قالت "حسرة علية"، قال له أصدقاؤه أن هذا يحدث بسبب الملل أحيانا، لهذا يتحكك بالزبونات حتى "يسخن"، "حاكم المواضيع دي تحب التسخين برة الجراج عشان الماتور يشد معاك في الجراج"، هكذا نصحوه، غير واعين بدور السكر اللعين الذي أفنى أعصابه وعروقه في غفلة الزمن وفي ظل اختفاء الإنسولين المدعوم "أبو سبعين صاغ، و"أما زوجة صديقه المختلسة فما زالت تذكر ذل أمها حين طردت من بيتها الذي ورثته وباعه أبوها لنفسه بتوكيل منها، وأحضر أخته المطلقة لتعيش فيه هي وأولادها، وزوجها الدنيء، صديقه المتحرش بالخادمة كانت أولى تجاربه مع مربيته الرقيعة في مراهقته، لهذا يحن لهذه اللون من النساء، خاصة و"أم العيال" كانت قبل طلاقها "ملهية عنه بعيالها"
الجميع يجد المبرر دائماً لنفسه حتى يختلس المال والمتعة الحسية، فلو أوتي الإنسان واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً، وحتى لو كان للرجل في الجنة أربعين زوجة كما يقول دعاة الفضائيات لنظر إلى واحدة من الأربعين اللائي لجاره، فلا يملأ عين ابن آدم غير التراب


(3) حدث في الدور الثالث
أفاق من خواطره على صوت أقدامها، أو بالأصح "شبشب" الحمام الذي يبدو أنها وضعت أقدامها فيه إلى المنتصف فقط على عادة النساء في تراثنا الشعبي، حيث صوت قرقعة "الشبشب" على البلاط يعد من علامات الأنوثة الحتمية، دخلت عليه الحجرة وهي تلف على جسدها بشكير الحمام الخاص به، فتغطي بها المسافة من نهديها إلى ركبتيها، نظرت بوجهه فور دخولها لترى رد فعله على منظرها المثير وهي طازجة بعد اغتسالها والماء البارد يتقاطر من أطراف شعرها، لم تجد أي أثر على وجهه للإثارة، فأدركت أن الرجل ليس من النوع الذي يهوى النساء كمرض مزمن ولكنه يستجيب فقط لداعي الغريزة حين يلح عليه، علمتها الأيام والليالي أن تفرق بين أنواع الرجال من نظرتهم للحمها العاري، جلست بجواره وأشعلت سيجارتها وقالت
- تأخرت عليك؟
- لا أبداً، هل أفقت الآن؟
- عنب
- فحدثيني، ماذا فعلت في موضوع اللحم في ثلاجة المطبخ؟
- خفن ولم أفعل شيئا، لكن بمرور الأيام، وحين ألفت الناس والمكان، بدأت أختلس من اللحم، ولكن بطريقة أخرى، كنت أضع ورقة جورنال في درج نصف مفتوح أسفل طاولة رص الأطباق، كانت أطباق الأوردوفر التي تقدم مع الخمر ضخمة بما يكفي لاختلاس قطعة لحم أو إصبع كفتة من كل سرفيس دون مشكلة
- وتأخذيها لأسرتك حين تعودين
- لم يحدث هذا أبدا، كنت ألتهمها عن آخرها في الأتوبيس في طريق العودة، حرمان "بعيد عنك"، لكن دوام الحال من المحال
حكت له كيف اكتشف المتر "بهاء" في البار أن الأوردوفر يقدم ناقصا، فقام بكبسة على المطبخ واكتشف الجرنال وفوقه قطع اللحم وشرائح صدور الدجاج، فأبلغ صاحب البار وكان يوما، يومها رأت صاحب المطعم "مراد" بيه للمرة الأولى، ومهما رأت رجالا أو مرت بتجارب فلن تنساه ولن تنسى ما حدث لها في ذلك اليوم، دخل عليهم المطعم وخلفه المتر "بهاء" ومدير البار، كان في الخمسينات من عمره، وشعره مصبوغ بلون بني داكن لا يناسب بياض بشرته المشرب بحمرة، بدين يفوق وزنه المائة وخمسين كيلوجراما، يرتدي قميصا مشجرا مفتوح الصدر فوق بنطال أبيض وحذاء أبيض لامع، وفي عنقه سلسلة سميكة من الذهب، تباري في لمعانها الخواتم في أصابعه والسوار حول معصمه، كانت ساذجة، وكشفوها بسبب سذاجتها، فقد وجه "مراد" سؤاله للمتر قائلا
- متى لاحظت نقص الطلبات لأول مرة؟
- منذ ثلاثة أيام
توجه "مراد" بنظره للطباخ سائلا في حدة
- من الجديد هنا؟
فرد الشيف مضطرباً
- بنت وولد يا باشا
ثم نادى عليها وعلى الغلام الذي التحق بالمطبخ قبلها بأيام، فدعاهما للوقوف بين يدي البيه الذي كان يقف منتفخا كأنه إله في ملكه، نظر "مراد" لها وللغلام ولم تمض ثانية حتى قال
- ليست عملة ولد، فهذه دماغ حريم، لو أراد الصبي أن يسرق لسرق شيئا كبيرا مرة واحدة وفر هاربا، لكن شغل "الخنصرة" هذا شغل "نسوان"
لم يكد ينتهي من قوله حتى كان الارتباك يعصف بها ظاهرا على وجهها كأنها تقول خذوني، اسودت الدنيا في عينيها وكاد يغشى عليها وهي تسمعه يسألها
- ما اسمك يا بنت؟
رد الشيف قائلاً:
- خدامتك "اعتماد" يا باشا
- لم أسألك أنت يا رمة

تحول نحوها "مراد" بجسده السمين المرتج، فلاحظته وهو ينظر لنهديها وساقيها، كأنه ينزع عنها ملابسها، ثم التفت لبهاء الذي كان كسكرتيره الخاص وكاتم أسراره فضلا عن كونه كبير المتر الكبير في البار، وقال
- تلحق بي بنت "الشر....." هذه في الدور الثالث
هز "حسن" رأسه حين وصلت لهذا النقطة في قصتها وقال
- طبعاً ما حدث في الطابق الثالث مفهوم
ضحكت "اعتماد" بغير رقاعة هذه المرة، وكأن حكايتها أعادتها لزمن صباها الغرير، وقالت
- خمن إذن ماذا حدث
- اغتصاب تحت التهديد أو تحرش أو اغواء بالمال، شيء من هذا القبيل
- حدث تحرش واغواء، ولكن ليس من قبل "مراد"
- من إذن؟
- زوجته
نظر "حسن" في وجهها بدهشة بسيطة، فلم يعد هناك بعد هذا العمر في حياته ما يدهشه بشدة، فاستأنفت "اعتماد" لتشرح بقولها
- بغير إطالة، زوجته مدام "مارتينا" خواجاية يونانية عجوز هي صاحبة العز الذي يعيش فيه، كانت شاذة وتهوى البنات في ربيع العمر، وكان يعمل عندها محل المتر "بهاء" ويجلب لها الفتيات لمتعتها الشخصية، قبل أن تتزوجه لتحصل على الجنسية، هذا ما شرحه لي "بهاء" حين صعدت للطابق الثالث قبل أن يوضح لي مهمتي، المطلوب مقابل عدم تعرضي لقسم الشرطة والبهدلة أن أقضي اليوم حتى موعد العودة لمنزلي مع المدام وأفعل ما تريد بعد أن يتم تهيئتي لذلك، ساعتها ضربت على صدري مفزوعة وأنا أقول: يا فضيحتي ، ده كل عشان حتتين لحمة؟ لكن المتر "بهاء" حسم القضية كلها في كلمتين، هي عجوز وما تفعله بي سيكون أهون كثيرا مما سينالني على يد أمناء الشرطة في قسم البوليس حتى أعرض على النيابة في الصباح
حكت له كيف رضخت يومها، وقدموها لمارتينا العجوز النحيفة في الستين من عمرها، والتي خطت معها الخطوات الأولى في عالمها السفلي، وكيف اختتم اليوم بعد طول "البهدلة" مع العجوز الشمطاء بلطمة من "مراد" وهو يقول لها
- لو تكررت ثانية يا بنت "....." سأقطع من لحمك وأطعم الكلاب
وكيف فتحت باب الشقة في الطابق الثالث من العقار المملوك للخواجاية لتجد "بهاء" في انتظارها، يسألها لو كانوا أمروها بالصعود ثانية، ولما أجابته بالنفي قال لها
- يا لخيبتك القوية، لم ترض المدام إذن عن أدائك، ولو رضيت لتسلمت منذ الغد نوباتشية معنا في البار كنادلة، ولقسمت معنا فضلا عن راتبك البقشيش وخلافه
شعرت بالهوان في ذلك اليوم كما لم تشعر قبلها ولا بعدها، فقد التهمت العجوز لحمها مقابل قطعتي لحم ولم ترض عنها مع ذلك، لكنها لم تبك بعد ليلتها تلك أبدا، حدث لها ما هو أفظع لكنها لم تبك بعدها، كأنها استنزفت ماء عينيها في ليلة واحدة لتواجه دنياها أكثر جفافا وجفاء


(4) الحب في أرض النفاق
- هل تعتقدين أن تلك الواقعة هي ما غير ميولك الجنسية ووجهها لبنات جنسك من الفتيات؟
صعقها سؤاله، بهتت للحظة ونظرت إليه بملامح فارغة ثم أطرقت، مررت يدها في شعرها بعصبية وهي تدلك رأسها بينما وجهها تتجاذبه مختلف الانفعالات، نظرت إليه ثانية وبحدة هذه المرة وهي تقول
- أنت مباحث أم عراف أم ماذا في هذه الليلة السوداء؟
- لماذا؟
- من أين عرفت؟ هذا الأمر لا يعرفه عني سوى ثلاثة، بنتان يحافظان على السر بروحهما فضلا عن "منال" الكوافيرة، فمن أين عرفت؟
قال مبتسماً
- عيناك
- اشمعنى
- نظرتك في الفراش نظرة رجل أو امرأة تعودت القيام بدور رجل

ضحكت برقاعة جعلتها الخمر أكثر طبيعية من ذي قبل وقالت
- "خضتني يا معلم"، على هذا تكون مصيبتي أتتني "في أكل عيشي" كما يقولون، فلو رأى الزبائن مني ما رأيت لن يعجبهم الأداء إطلاقا
- اطمئني، تلك أمور لا تراها كل عين، ولكن ما دور "منال" هذه؟ لا أظن لها دور مع البنتين اللتين تهويهما، في الأغلب دورها جلب سيدات مجتمع ممن لهن نفس الميول، وعلاقتك بهن تكون مدفوعة الأجر قطعا، فموضوع السر بين ثلاثة هذا مقولة لم تختبر
- "يخرب بيتك"
- اعتبريني عرافا
- "اسم الله"، وأين بنورة العراف؟

أشار الى رأسه وهو يقول
- هنا، أعظم بنورة في الدنيا، ولكن لم يعرف كيف ينظر فيها
تأملت وجهه قليلا وقالت متسائلة
- رجل مثلك هناك ألف من تتمناه بغير أجر، والهاويات في الشوارع صرن أكثر من المحترفات حتى ضاقت أرزاقنا بسببهن، فلماذا تحتاج واحدة مثلي؟ لست عجوزا يريد من "تشد عصبه" ولا رجل بشماغ جاء ليصيف في الإسكندرية، ولا رجل أعمال ممن ليس لديه وقت إلا للحظات في الفراش يلقينا بعدها كورقة الساندويتش، فلماذا تلجأ لمثلي؟
- الصراحة
- طبعا أريد الصراحة، "أمال عاوزاك تشتغلني"
ضحك بشدة مع بخار الخمر الذي بدأ يصنع طبقة رقيقة على ذهنه وقال
- الصراحة هي الجواب، هي ما يجعلني أفضل علاقتي بمثلك على غيرها من أشكال علاقة الرجل بالمرأة
- كلام المثقفين هذا يسبب لي إمساكا حادا
- الحكاية بسيطة يا "اعتماد"، رأيت فيلم "أرض النفاق" ليوسف السباعي
- من "يوسف" هذا؟ مطرب؟
- ما علينا، علاقات الرجال بالنساء في حياتنا صارت حافلة بالنفاق، هناك رجل يقول لامرأة "أحبك" وهو لا يحبها لأنه يراها أما مناسبة لأبناء يريد أن ينجبهم، وآخر يخدع أخرى باسم الزواج رغم يقينه باستحالة زواجه منها، لأنه لا يحتمل بعدها برغم هذا اليقين، وهناك من يقول "أحبك" لامرأة يطمع في مالها أو حسبها، وهناك من يقول "أحبك" لامرأة لها ظروف خاصة لأنه يريد الزواج منها في السر وبغير تكاليف
- رجال يستحقون حبل المشنقة، يالحيرتنا معكم نحن النساء
- النساء لسن أفضل حالا، ولا أقل كذبا، هناك من تقول لرجل أنها تحبه بينما الحقيقة أنها تحب فيه العريس اللقطة، وهناك من تحب رجلا بصدق وتتزوج بآخر، وهناك من تتحدث في النادي والعمل عن حقوق المرأة واحترام الرجل لها، ولو احترمها الرجل تراه ضعيفا، لأن بقايا عصر الجواري بداخلها تقرن الرجولة بالقسوة والبطش

قالت وملامحها قد زادت غباءً وفراغاً بفعل الخمر وصعوبة حديثه معاً
- و"المزة" خاصتك أنت .. كانت من أي نوع
- الأخير لو كان هذا يهمك
- كانت تحب الضرب والسباب في الفراش وما إلى ذلك؟ مثل البنت "منال"؟

ضحك بشدة وانطلاق وهو يقوم ليجلب ثلجا من فريزر الثلاجة، وحين عاد أجابها قائلا
- ليس بالضبط، كانت تحب من الرجل تكبره عليها وإهماله لها، أن يشعرها بدونيتها وإهماله لها، مشكلتي أني عاملتها كملكة متوجة
سيطرت على قسماته مرارة من وقع الذكرى الثقيلة على نفسه وهو يقول
- انتهى أمرنا ونالت من يرضي بداخلها خضوع الجارية، المشكلة أني لم أجد مليكتي، ولم أجد امرأة بغير قناع كقناعها الذي كانت تخفي تحته هوانها
- وهل تحسب أن المومس بغير قناع؟
- لو قصدت قناع أكل العيش، ابداء إعجاب بوسامة كل زبون ولو كان شبيها بالقرد، وانبهار بفحولته ولو كان عنينا، أو المبالغة في الأداء العاطفي والانفعالي، فهذه مهارات أكل عيش، هدفها ارضاء العميل وكسب علاقة ممتدة معه كأي عمل، لكنها في النهاية علاقة صريحة وواضحة كالشمس، هي تعرف يقينا أنه يريد جسدها ليتخلص من ضغط الرغبة على أعصابه، وهو يعرف مهما فعلت أنها لا تريد غير أجرها، وتود لو مات بعد خمس دقائق لتمضي فتنام في بيتها، أليس كذلك؟
- أنت غريب جدا يا "حسن" بيه، صدقني فأنا لا أغازلك لأرضيك، لكن لم يمر بي مثلك قبلا على كثرة ما دقت على رأسي من طبول
- لماذا؟
-
فلتصنع لي كأسا ثانية من خمرتك النظيفة تلك لأقول لك لماذا


(5) أكثر من وجه للحقيقة
- ها هو الكأس يا ستي، يبدو أني لن أفيق غدا قبل صلاة الجمعة وسيكون ذنبي في عنقك
قالها "حسن" وهو يبتسم ابتسامة فاترة خالية بفعل الخمر، فانفجرت "اعتماد" في ضحكة ساخرة جلجلت في هدأة ما قبل الفجر قائلة
- شي لله يا شيخ "حسن"، هلا أتيت لي بحرام آخر لأغطي به شعري حتى تكون جلستنا شرعية؟
- تتعجبين لأني أصلي الجمعة؟
- ألا تجد هذا غريبا وأنت تمرر لي كأس "المنكر" هذا؟ وأنا على حالتي تلك؟
- كنت أمازحك، وإن لم أجد في الأمر غريبا، عرفت زميلة لك كانت إذا أذن الفجر تهرع للحمام وتغتسل ثم تصلي وتكتسي ملامحها بالجد قبل أن تتقاضى أجرها باقتضاب وتخرج للشارع، وعرفت شبابا يدخنون الحشيش قبل الذهاب لدرس أحد شباب الدعاة حتى تكتمل السلطنة ويبكون بحرارة مع ترديد الدعاء خلف الداعية الشهير في نهاية الدرس، ورأيت ربات بيوت الحسب والنسب يزين بناتهن قبل أن يمضين معهن لصلاة التراويح في رمضان، لعلهن يلفتن نظر من يكون لها أخ أو ابن يبحث عن عروس مهذبة
- صدقت، نحن المصريون نريد كل شيء، دنيا وآخرة
- من قال أن الازدواجية قاصرة على المصريين؟ العالم كله بألف ألف وجه، هناك من يحرم الصلاة في المرسي أبي العباس لأنه بني على ضريح، ويستحل عرض خادمة فلبينية أو إندونيسية على أنها ملك يمين! وهناك من يجاهد ضد السوفيت والأمريكان بعدهم، ثم يمضي لحقله ليرعى زراعات الأفيون التي يكسب منها قوته، وقد يختم يومه باللواط مع صبي، والأمر ليس قاصرا على المسلمين بالطبع، فبين جدران الفاتيكان من يرددون "طوبى للمساكين" وهم غارقون في الذهب، وسندات بنك الفاتيكان من أكثر وسائل غسيل الأموال شيوعا في العالم
- الفاتيكان هذا مصمم الأزياء الذي مات العام الماضي؟
يطلق "حسن" ضحكة عالية ويضرب "اعتماد" على فخذها الأيسر قائلا
- لله يا زمري ... لماذا قلت أني غريب؟
- هناك مثل شائع بين بنات كارنا يقول "اللي تبقى معاه المَكَنَة والمُكنة ومايدُرش يبقى طافي مكن" وأنت لست "طافي مكن" لكنك ما لبثت أول الليل أن حولت الأمر لدردشة، أشعر بصداع .. هل لديك أسبرين؟
- زجاجة المياه بجوارك، اشربي قدر استطاعتك، فالأسبرين يضرك مع الخمر

تناولت الزجاجة وعبت منها فسالت المياه على عنقها وصدرها، فتناول "حسن" منديلا ورقيا من علبة أمامه وأخذ يمسح لها صدرها وعنقها قائلاً
- ستصابين بالبرد هكذا، ارتدي ملابسك أفضل
نظرت له نظرة دهشة عميقة دامت للحظات، ثم استدارت بوجهها ليده التي فوق عنقها تقبلها قبلات متلاحقة، ثم أعادت النظر في عينيه وعلى وجهها ابتسامة عميقة المعنى لم يرها بوجهها منذ قابلها في أول الليل، أثار رد فعلها هذا "حسن" الذي علق قائلاً
- مالك؟
- الأغرب فيك أنك لا تشعر بغرابة ما تفعله!
- وماذا أفعل
- تعاملني كإنسانة من لحم ودم
- آه، أفهم أن زبائنك بالطبع ليسوا دوما هكذا
- "أحيه علي وعلى الشقا"، مرت بي ليال قبلت فيها قدم الزبون ليعتقني لأذهب لحالي ولا فائدة، وليال ضربني فيها الزبون بعدما قضى وطره ثم رماني من السيارة وهي تسير، لأنه بعدما "نقط" الراقصة بالآلاف أراد أن يأكل عرقي، وليال اتفقت فيها مع واحد لأجد ثمانية ثيران في انتظاري بشقته ولا حول لي ولا قوة، مر بي من يقسم ألا يتركني حتى أنزف، ومر بي من لا يسعد إلا إذا سب أبي وأمي لسابع جد وهو يقبلني، ومن يطلب مني لعق حذائه قبل أن يقضي مني وطره، يمكنك القول أن الليلة التي يكون فيها الزبون طبيعيا فيحصل على ما يريد ويعطني أجري كاملا ثم يوصلني لباب الشقة حتى لا أسرق منه شيئا كنت أحمد الله فيها أن الدنيا مازالت بخير، كل هذا ولا ترى ما تفعله غريبا؟
- ولم أكون أنا الغريب وليس هم؟
- كلهم مجانين وأنت وحدك العاقل؟
- ليسوا مجانين ولا حتى أشرار، هم معذبون، ويعذبوك بعذاباتهم، فهذا الذي لا يتركك إلا بخروج الروح إنسان يحب أن يعتصر كل شيء لآخره، لو أكل في مطعم يلوث ما تبقى من طعامه حتى لا يمكن لعمال المطعم أن يقربوه بعده، لأنه يكره الناس ويظن الناس يكرهونه، وهذا يعذبه، فيعذب الناس، ومن يلقي الآلاف على قدمي الراقصة في العلن ويأكل عرقك سرا هو رجل يهمه حديث الناس عنه أكثر من سعادته الشخصية، وفي هذا يكمن عذابه، فمتى رضي البشر عن واحد منهم؟ وهذا الذي يتفق على واحد لتجدي ثمانية إنسان يشبه "حرامي الحلة"، يقنص ما ليس له ولا يسعد إلا بذلك، ويسمي نفسه "ناصحا"، وهو يتعذب لأنه أبدا لا يقنع بما يقنصه من الناس، أما هذا الذي لا تسعده غير الدماء والصراخ في الفراش فهو فاقد الثقة في رجولته، ويحتاج لصراخك ليغطي على صوت الشك في ذاته بداخله، وهذا عذابه، وهذا الذي يسبك ويطلب منك تقبيل حذائه عادة ما يكون "ملطشة" في عمله وبيته، فلا يجد من يستأسد عليه غيرك!
- وأنت، ألا يوجد ما يعذبك؟
- قلبي ربما، أذكر رباعية لصلاح جاهين يقول فيها: قلبى رميته وجبت غيره حجر .. داب الحجر.. ورجعت قلبى رقيق
- ستسخر مني لو سألتك من هو "صلاح جاهين"
- دعك من هذه أيضا، يمكنك القول أنني رجل وحيد، فقدت أبوي مبكرا وليس لي إخوة، فتعودت أن أنظر للناس كأنهم أهلي، أتمرد على رقتي حينا، كإصراري على عدم تركك تذهبين أول الليل وبدايتي لهذا الحوار، وربما كنت للراحة أحوج، لكن هذا التمرد لا يبق إلا لحظات، ثم أعود ليؤلمني ما حولي، أكره الفقر والمرض والجهل، أكره البقع الفاتحة في وجه صبي مصاب بسوء التغذية، وأكره رؤية طفلة تلعب بدمية مقصوصة في ورقة صحيفة، أو مشهد رجل مكسور تحت حمله وأعباء جوع عياله، أو مشهد امرأة تمضي من بيت لبيت لتستر بيتها، تعرفين لماذا لم أتزوج؟ لأني لم أجد من تكره كل هذا مثلي
- أتعرف ماذا أثار عجبي منك أول الليل؟
- في طريقنا لهنا في سيارتك، وقفت حتى تمر امرأة عجوز بيدها طفل صغير، عادة ما يقف الرجال لتمر امرأة جميلة أو أي "جثة حريمي" أمامهم ليتأملوها من أمام ووراء، لكن المرأة كانت عجوزا واهنة ليس فيها موقع لعين
- دعك مني، لقد طوفنا بالحديث ومع هذا لم تخبريني كيف بدأت هذا الكار؟
- آه، في اليوم التالي، خاب ظن "بهاء" وانتقلت للعمل كنادلة في البار
- وهل مضيت للعمل في اليوم التالي لواقعتك تلك مع المرأة؟
- فكرت ألا أذهب، وألمحت لأمي أن السبب هو صاحب البار، وأن يده طالت علي بلمسات غير بريئة، فأمرتني بالبقاء، لكن أبي حين علم ثار ثورة عارمة، وصرخ بوجهي والشبشب في يده قال لي أني سأذهب ورجلي فوق رقبتي، وأنه لا يريدني "موسوسة" مثل أمي التي تترك بيتا كل يوم وتدعي أن صاحب البيت كان يغازلها وكأنها السفيرة "عزيزة" وعيرني بأن زوجات وبنات أصدقائه يأكلون أزواجهم الشهد، وأني بغير عمل لن أجد رجلا يستر علي ويتزوجني، فذهبت، وشيئا فشيئا دخلت عالمي الجديد

حكت له كيف حصلت أول يوم على ثلاثة عشر جنيها كنصيبها من البقشيش، فطارت لمحطة الرمل واشترت جوربا غالي الثمن بثلاثة جنيهات، واشترت لأسرتها كبدة وسجق شرقي، فدللها أبوها يومها دلالا لم تعرفه منه قبلا، وناب أمها من الحب جانب فحصلت على لقب "أم اعتماد" بدلا من لقب "بنت الكلب" السابق، فطمحت لما هو أكثر، وتعلمت من زميلاتها كيف تحصل عليه، حافظت على نفسها "بنت بنوت" فترة من الزمن، بسبب حلم عبيط بعريس ينتشلها وما إلى ذلك من خيالات، لكن الحلم انتهى يوم صادفها عرض سخي مقابل بكارتها، طويل عمر من قطر عربي شقيق كان يهوى ذلك، فنقدها ثلاثة آلاف جنيه وحصل على ما أراد، ثم وسعت نطاق عملائها حين تعرفت على "منال" فضمت خدماتها النسوة الشواذ، فهؤلاء كن أريح وأنظف وأقل ميلا للضرب والبهدلة من الرجال، لكنهن لا يدفعن كالرجال في كل حال، قالت وهي تنظر في ساعتها
- أنت حنون وقد أحببت مجالستك، لكن الفجر يوشك على البزوغ وأنا هلكانة
شرعت في ارتداء مشد الصدر الأسود المقطوع، ليكشف عن إبط نمت شعيراته لتكسبه مظهرا منفرا، وسألته
- سأراك الأسبوع القادم؟
- لنترك هذا للظروف
- يبدو أن الليلة لم تعجبك اطلاقا
- لا يمكنني الآن أن أفكر في مرة قادمة، فكل مرة أقول أنها الأخيرة، وكل مرة أعود
تمت
القصة من مجموعة السيرة الذاتية لفتاة ليل، جميع حقوق النسخ والطبع محفوظة

12 comments:

ايوية said...

ممكن نعرف اية كمان قصتة هو ياريت يحكيها حاسة ان ممكن يكون وراها ازمة كبيرة
تحياتى

mohamed hassan said...

ممتاز ممتاز اكثر من رائع شكرا ممكن نسمع اكثر ......
تحياتي

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي أيوية
هو نفسه يائس يا عزيزتي، وقد عبر عن ماساته في حبيبة فقدها
تحياتي وتقديري وشكري للتعليق

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي محمد حسن
أحمد الله أنها نالت اعجابك، بس للأسف القصة القصيرة انتهت هنا، فهذه المجموعة كلها عبارة عن مواقف عابرة في حياة أشخاصها لا تتعدى القصة أحداث يوم واحد لأبطالها
تحياتي وتقديري

Anonymous said...

أحييك على قدرتك على سرد أدق التفاصيل كما لو كانت تقولها فعلا فتاة ليل

كما أن موهبتك قد تضاعفت وصقلت بالخبرة والسنوات الطويلة فظهرت واضحة من فصل لأخر فى رواية أحزان أمير المؤمنين وهاهى الآن تتجلى فى تلك القصة

أروع مافى قصتك تلك ياسيدى هى ليس فقط سرد لتفاصيل حياة نوع من البشر يحيا بيننا ونعلم بوجوده و نتناساه ونتحاشى أن تقع أعيينا عليه على الرغمن من أن المجتمع كله قد يكون مسؤل عمايحدث

وليس كذلك روعة سرد التناقضات من حولنا وملاحظة نظرية الإختلا س التى قد يعتبرها البعض منا كمجتمع فهلوة المصريين التى تميزهم

ولكن ماشد إنتباهى حقا هو قدرتك فى التعبير الصارخ عن معاناة البطل من خلال مايقوم به من أفعال

فلم تستخدم كلمات كثيرة ولاجمل طويلة عنه ولكن بمنتهى البساطة وحدته التى عبرت عنها كانت صارخة وموجعة
فلا أعلم أن كان ماسأقوله صحيح ام لا ولك إذا سمحت أن تصحح تحليلى لشخصية بطلك

هو يعانى من وحدة قاتلة بالرغم من أنه قد يكون وسط كثيرين وحتى نجم لمجتمعه ولكنه يفتقد من يكون معه كما هو بلا رتوش... يفتقد الصدق والإحساس بالإطمئنان لأحد والأنس بجواره

لا أعتقد أن علاقاته بفتيات الليل أصيلة ...أعنى أنه لايهواها ... وقد يكون بداخله تدين عميق ...ولكن طبيعته الشفافة التى ترفض الزيف ..والعنيدة فى نفس الوقت التى ترفض الإتصياع لسياسة القطيع تأبى عليه أن يظهر تدينه كما يفعل الأخرون

لذا فموقف مثل قيامه بإعطائها منشفة خوفا عليها من البلل لا يفعله شخص كان فى علاقة زنا منذ دقائق... أعنى أن الجانب الإنسانى واضح تماما...فلو وجد هذا البطل مايتمناه ويأنس به ومعه وفقا لما هو مقبول دينا وعرفا لما لجأ لفتاة ليل

وأعتقد هذا هو ما أوضحه فى أخر جملة ...كل مرة أقول لن أعود ولكنى أعود

ختاما ....قصتك لها جوانب كثيرة رائعة وتحتاج لأن نعيرها إنتباه شديد ...فما تناولته من أمور حولنا تحتاج لأن نراها بعين فاحصة لنعيد تقييم دور المجتمع فى ماحدث وكيف سيعالج

تحياتى

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزي الغير معرف
شكرا للتعليق الرائع والتشجيع الكريم، أما عن حسن بطل القصة، فلا أستطيع وصفه بالمتدين بالمعنى المتعارف عليه في ظل سلوكه هذا، لكني لا أربط رحمته وشفقته بتلك الفتاة بالدين بالضرورة، فالرحمة صفة شجع عليها الدين ليجتهد الكل في كسبها، لكن هذا لا ينفي وجودها كغريزة أصيلة في البعض تدين أم لا، ما رأيك؟

تحياتي وتقديري وشكري مرة ثانية

Anonymous said...

رأيى أنك رائع يادكتور

تحياتى

Dr. Eyad Harfoush said...

الله يكرمك
تحياتي وتقديري

bahaa said...

momtazza
ana 2aret7a
mareten wara ba3d ya harfoosuh
momtazza begad,,,
deh testahel teb2a ketaaab

Dr. Eyad Harfoush said...

Dear Bahaa,
أشكرك يا صديقي على تعليقك الكريم
توقعها قريبا في مجموعة قصصية سأسميها باسمها مع مجموعة قصص قصيرة أخرى
تحياتي وتقديري

Anonymous said...

Lovely state of the art short story that sums up the history of an Egyptian generation(late 20th century). Rasha Hilal

Dr. Eyad Harfoush said...

Thank you Ms. Rasha, I am honored with your comment that links the story to sufferings of our generations. Greetings