11.6.09
الفارق والشتان
26.4.09
فسيفساء العالم القديم-02
- العرب ويمثلون 90% من تعداد السكان
- الأكراد ويشكلون قرابة السبعة بالمائة
- التركمان السوريون وعددهم أقل من مائة ألف
- السوريان وعددهم حوالي 700,000 نسمة، ولهم أهمية خاصة في التاريخ المسيحي إذ مثلت الكنيسة السوريانية الشرقية مذهبا مستقلا عن الكاثوليك والأرثوذكس معا منذ المجامع المسكونية الأولى واحتفظت لنفسها بشخصيتها المستقلة دينيا وعرقيا
- الأرمن ويمثلون أكثر من 150,000 نسمة، وهذه عرقية وافدة وليست أصيلة، إذ لجأت هذه الأقلية لسوريا مع الشتات الأرمني الذي أعقب المذابح العثمانية للأرمن
الأديان والطوائف
- المسلمون السنة يمثلون حوالي 70% من السكان
- العلويون ويمثلون حوالي 15% من السكان، واسم الطائفة ينتسب لسيدنا "علي بن أبي طالب" وتسمى كذلك بالنصيرية نسبة لمحمد بن نصير، وقد تأسس المذهب العلوي في تقديرنا نتيجة الالتقاء الفكري بين الشيعة الاثنى عشرية والمسيحيين السوريان من جهة ثانية ثم الاحتكاك بالصليبيين من جهة ثالثة، ونتج عن هذا معتقدات دينية وفكرية تمزج بين الإسلام والمسيحية والديانات الشرقية القديمة قبلهما
- الروم الأرثوذكس ويشكلون 5% من السكان
- الدروز ويمثلون أيضا قرابة 5% من السكان
- المسيحيون السوريان النسطوريون والشيعة الاثنى عشرية النزارية ويمثلان معا 5% من السكان
اللغات الحية
- العربية
- الكردية
- التركمانية
- الآرامية السوريانية
22.4.09
فسيفساء العالم القديم-01
- المسلمون الشيعة وأكثرهم من الاثنى عشرية ويمثلون 63% من السكان، وكانت أحد إشكاليات النظام السابق في العراق هي فرض مذهب الحاكم السني على هوية الدولة ومناصبها الرئيسية برغم وجود تلك الأغلبية الشيعية الواضحة، ويتميز المذهب الإثنى عشري كما هو معروف للجميع بمبدأ الإمامة، والذي يقول بتوارث القيادة الدينية بعد الرسول عليه الصلاة والسلام في إثنى عشر إماما من عترته أولهم "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه وآخرهم "محمد المهدي" أو المنتظر صاحب الزمان كما يطلقون عليه، والذي ينتظرون بعثته في نهاية العالم ليقيم العدل في الأرض ويقودهم ضد قوى الضلال
- المسلمون السنة ويمثلون 32% من تعداد السكان، وعقيدة هؤلاء معروفة لنا جميعا، وأكثر المذاهب الفقهية شيوعا بين العراقيين من العرب هو المذهب الحنفي، والمذهب الشافعي بين الأكراد، وهؤلاء كما هو معروف يؤمنون بعودة المسيح عيسى بن مريم في نهاية العالم ليقود جيشا منهم ويوحد العالم تحت ملكه بعد أن يهزم المسيخ الدجال
- المسيحيون السوريان
ويمثلون 3% تقريبا من السكان، وينقسمون إلى ثلاثة طوائف تحتية، هي المسيحيون النساطرة وهم أقل من واحد بالمائة من السكان، ثم اليعاقبة وهم كذلك أقل من واحد بالمائة، وأخيرا الكاثوليك الكلدانيون ولا يمثلون نسبة مئوية تذكر، وجدير بالذكر أن من هؤلاء الرجل الصالح الذي يأتي ذكره في السيرة النبوية باسم "يوسف بن متى" ومازال النساطرة حتى اليوم يتركزون حول نينوى التي سكنها الرجل الصالح كما ورد في السيرة النبوية، والسوريان بكل طوائفهم يؤمنون بالملك الألفي للمسيح بعد عودته، إذ يملك لمدة ألف سنة يلعب فيها الذئب مع الحملان ويعم السلام والأمن ربوع الأرض - اليزدانيون
وتتمركز غالبيتهم حول الموصل وأغلبهم من القومية الكردية، ويحجون إلى مرقد "عدي بن مسافر الأموي" وهو من نسل "مروان بن الحكم" لأنهم يؤمنون بتجسد الخالق الأول في شخصه، وخالق الكون لديهم هو "ملك طاووس" والذي كان ملكا هوى في الخطيئة ثم تاب وبكى وظل يبكي لسبعة آلاف عام، وأنشأ الكون بعد ذلك، ويتجسد هذا الملك في بعض البشر من الصالحين وفق عقيدتهم، ولهذا فهم ينتظرون عودة "ملك طاووس" مجسدا في بشر في نهاية العالم - الآليفيون وعقيدتهم مزيج من العلوية والزرادشتية، واللتان يأتي تفصيلهما لاحقا، ويبلغ تعدادهم حوالي المائة ألف، ونلاحظ أن اسم العقيدة شديد القرب من العلوية عند نطقها باللهجة الفارسية، ولهذا يخلط الكثيرون بينهم وبين العلويين، وإن كانوا هم يرفضون هذا ويرون أنفسهم عقيدة مستقلة
- المندائيون
أتباع "يوحنا المعمدان" أو النبي "يحيى بن زكريا" كما ورد في القرآن الكريم، وهم مشهورون بالتطهر بالماء ولبس الثياب البيضاء، ويعيشون في مجموعات قرب مجاري الأنهار، إذ يمارسون طقس المعمودية بالغمر الكامل في الماء الجاري يوم الأحد من كل أسبوع، والأنبياء الحقيقيون عندهم "آدم" و "قابيل" و"إينوخ" و "نوح" و "سام بن نوح" و "رام بن سام" وآخرهم " يوحنا المعمدان"، ويرجح البعض أنهم الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن كأحد الطوائف الموحدة بالله، وهم ينتظرون عودة "،يوحنا المعمدان" والذي سيمحو التوراة من الأرض لأنهم يعتبرونها كتابا مزورا ويدعو للشر ، وعددهم قرابة الستين ألف، وقد نزحت منهم أعداد كبيرة لسوريا هروبا من اضطهاد عرقي بعد غزو العراق والانفلات الأمني فيه - الزرادشتيون أتباع الفلسفة الدينية لزرادشت، ويسمون كذلك بالمزدائيين نسبة إلى "آهورا-مازدا" خالق الكون في عقيدتهم والمتحكم في مصائره، ويؤمنون بعودة "زرادشت" للحياة من جديد في نهاية العالم واستقراره فيه لعدة قرون تعيش الأرض فيها بسلام، ويقدر عددهم في العراق بحوالي الثلاثون ألف نسمة معظمهم من الأكراد
- الشاباك ويعدهم البعض فرقة من اليزدانيين وإن كانوا هم يرفضون هذا ويعدون أنفسهم ديانة مستقلة
الأعراق والأجناس العراقية
- العرب ويشكلون 60% من إجمالي سكان العراق، وهؤلاء كلنا يعرف عنهم ما ينبغي، أو ربما أكثر مما ينبغي
- الأكراد
وهو ثاني المجموعات العرقية ويمثلون 20% من السكان تقريبا، وهي أمة عريقة سكنت المنطقة المعروفة بكردستان والواقعة بين أراضي العراق وتركيا وسوريا وإيران، وهي جماعة احتفظت بتماسكها ونقائها العرقي إلى حد بعيد رغم وجودها في خضم سكاني يحيطها من جميع الجهات، وأكراد العراق هم ثاني تجمع سكاني كردي بعد أكراد تركيا البالغ عددهم خمسة عشر مليونا، وأشهر شخصياتهم في تاريخنا "صلاح الدين الأيوبي" وأسرته التي تبدأ من والده "نجم الدين أيوب" وعمه "أسد الدين شيركوه" ثم إخوته وأبناءهم، وكذلك العائلة التيمورية الشهيرة في حياتنا الأدبية والفنية المعاصرة، وقد عانى الأكراد من الاضطهاد في زمن البعث العراقي الذي كانت قوميته ذات نعرة إثنية على عكس القومية الناصرية القائمة على التحالف الاستراتيجي بين العرب - التركمان ويمثلون حوالي 12% تقريبا، ويتجاوز عددهم الثلاثة ملايين، وقد ظهرت هذه التسمية في القرن العشرين حين فصلت بريطانيا إقليم كركوك عن تركيا وضمته للملكة العراقية الوليدة، وتعرضوا للاضهاد منذ زمن الحكم الملكي في العراق، نظرا لأن الملك فيصل الهاشمي كان ينتقم من الترك ممثلين في هذه الأقلية، وذلك لمعاصرته ومشاركته في الثورة العربية المدعومة من بريطانيا ضد الدولة العثمانية
- السوريان ويبلغون خمسة بالمائة من السكان، وهم ينتسبون للدولة الأكادية القديمة، ويدين معظمهم بالمسيحية وينقسمون للثلاث طوائف سالفة الذكر
- اللوريون أقل من ثلاثة بالمائة
اللغات الحية
- العربية وهذه كذلك نعرفها جميعا
- الكردية بلهجاتها المختلفة وأهمها اللهجة السورانية في الشمال، والكيرمانجية في الوسط والكيرندية في الجنوب
- الآديغية القوقازية ويتحدث بها قرابة العشرين ألف عراقي، وهي أحد اللغات القوقازية الشمالية
- السوريانية أو الآرامية الحديثة وهي لغة 30 ألف عراقي، وهي ذات اللغة التي تحدث بها المسيح في القرن الأول للميلاد بتطورات طفيفة في لكنتها
- الأرمينية ويتحدث بها 60 ألف نسمة في العراق
- الدومارية وهي أحد اللغات الهندو-أوروبية ويتحدث بها ثلاثمائة ألف نسمة
- الفارسية وهي لغة ربع مليون عراقي كذلك
- الشاباك ويتحدث بها أقل من عشرة آلاف
- الجورانية وهي الأخرى أقل من عشرة آلاف
ونحن هنا نتحدث عن لغات متباينة تفرعت من أصول غير حية، وليست لهجات متفاوتة لأصول حية وإن كان بين بعضها وبعض تقارب لأنه معظمها خرج من اللغات الهندو-أوروبية، ولكل هذا، صار العراق هو مصيدة اليمين المتطرف الأمريكي والعالمي الذي دخلها ليصطاد المال والبترول، وقد نال ما أراد، لكن حمام الدم اللانهائي هو ما لم يحسب له حساب بالطبع
21.3.09
سبع شرقاوي

منين أجيب ناس لمعنات الكـــلام يتلوه

وقد علمت من زوجتي مؤخرا أن اسم النبي حارسه وصاينه الفنان "محمد رجب" الذي أهابت به "هيفاء وهبي" أن يتكرم فيحوش صاحبه عنها، قد تطورت بطولته ما شاء الله ليمثل النسخة الثالثة من دراما أدهم الشرقاوي بعد نسختي "عبد الله غيث" في الستينات و"عزت العلايلي" في مسلسله في الثمانينات، وعموما التدرج بين غيث والعلايلي ورجب يناسب انتكاساتنا من الستينات للثمانينات للألفية الجديدة
أما عن بطلنا الشرقاوي، فالمفارقة الأولى فيه أنه لم يكن شرقاويا، أو بالأدق لم يكن شرقاويا مباشرا، فقد ولد وعاش في قرية من قرى مركز إيتاي البارود هي قرية زبيدة، أي أنه كان بحراويا، لكن البادي من لقبه أن له أصول شرقاوية نزحت من تلك المحافظة ذات الأصول العربية إلى البحيرة ذات الأصول العربية كذلك، والتصاهر والهجرات بين المحافظتين ذات العرق العربي كانت متصلة، فهو برأينا شرقاوي مستبحر أو بحراوي ذو أصول شرقاوية، وقد ولد كما تقول مراجع الشرطة عام 1898م، وقتل برصاصات الغدر عام 1921 وعمره 23 عاما فقط لا غير، فما حكاية البطل الشعبي "أدهم عبد الحليم عبد الرحمن الشرقاوي"؟ الذي جعل منه التراث الشعبي المصري آخر ملاحمه؟
عصابته السطو على الأغنياء والمرابين، لكنه لم يسط أبدا على بهائم الفلاحين الغلابة، ولهذا فقد رد له البسطاء الجميل الذي أسداه بالكف عنهم، فحولوه من خارج عادي على القانون إلى بطل مناضل ضد الاستعمار، خاصة وقد ألهبت قصة هروبه من السجن واستيلائه على السلاح خيال الفلاح لأبعد حد، وفي عام 1921 تمكنت قوة بوليس مصرية من العاصمة من حصار أدهم وعصابته في الصحراء، وقتل أدهم برصاص هذه القوة البوليسية المصرية، وليست انجليزية، وكان هذا الاهتمام الزائد بالخارج الريفي عن القانون على إثر قتله لنسيب وزير الأوقاف وقتها لسبب غير معروفوسيبقى الجدل للأبد بين من يقولون أن أدهم كان بطلا ومن يرونه خارجا عن القانون حتى وإن اعتاد توزيع اللحم والمال على أهل بلدته في المناسبات الدينية والأعياد، والحقيقة أن أدهم في ذلك مثله كمثل "ياسين" الصعيدي الذي تمرد على السلطة الجائرة، ومثل "علي الزيبق" و"حسن المغنواتي" وغيرهم كثيرون، فكل من تمرد على التابو الاجتماعي أو بالأحرى على السلطة الجائرة التي اعتاد الفلاح المصري الخضوع والرضوخ لها إلى مالا نهاية، يرى فيه الفلاح المصري تعبيرا عن الثورة المكبوتة في صدره، ويراه بطلا خارقا لأنه فعل ما لم يفعله غيره من ملايين الخانعين من الرجال بطول الوادي وعرضه، وفي المقال القادم نتناول سيرة "ياسين" البطل الأقدم من أدهم في الخيال الشعبي، والصعيدي الأسمر الذي "قتلوه السودانية يابوي من فوق ضهر الهجين" كما غنت ليلى مراد في الزمن الجميل
14.3.09
حوار مع صديقي المؤسف
بينما كان "عماد" يتناول الباتيه ويرشف الشاي، دخل المقهى رجل ملتحٍ يرتدي جلباباً قصيراً يعلو كعبه بمسافة تبلغ عشرين سنتيمتراً على الأقل، وتغطي لحيته النصف الأعلى من صدره، بينما تغطي رأسه عمامة مكونة من طاقية حجازية لف حولها شالاً أبيض تدلت ذؤابتاه على كتفه، أشاح "عماد" بوجهه عن الداخل فنظر نحو البحر، لا يخفي امتعاضه من التطرف بكل أشكاله، سواء حمل المتطرف فوق صدره سواكاً في جيب جلبابه أو صليباً في سلسلة ضخمة، يحترم بالطبع حرية المظهر للجميع، ولا يريد لأحد أن يمنع المسلم أو المسيحي من ارتداء ما يشاء وقتما يشاء، لكنه يرى في هذه المظاهرات الدينية التي تسود البلد في الألفية الثالثة نذير شر مستطير، المسلم يرص فوق زجاج سيارته إشارات دينية مختلفة ويعلق مسبحة في مرآتها، والمسيحي يلصق سمكة على خلفية السيارة ويعلق صليباً في المرآة، مظاهرة يقول بها كل فريق للآخر "نحن هنا ونزداد عددا وقوة كل يوم" ، قرأ ذات مرة في جريدة الصباح عن قرار لوزير الداخلية بمنع الإشارات الدينية في وسائل النقل الخاصة والعامة، كان هذا القرار الحكيم منذ بضعة سنوات، لكنه لم، وبينما هو في هذه الخواطر المتتابعة ناظراً نحو البحر، أتاه سوط من يمينه قائلاً
- عماد عز العرب!
فالتفت و اذا بمحدثه هو صاحب الجلباب الأبيض واللحية الكثة نفسه، فأجاب والدهشة تعقد لسانه
- نعم، أنا عماد!
- أعرف أنك هو برغم ما فعلته بك السنون، يبدو أنك تزوجت وحملت الهم مبكرا مثلي
- يخونك البسكويت وقطع الشوكولاتة "بيمبو" من كانتين مدرسة طنطا الثانوية بنين، أم أنك صرت سكندريا ونسيت طنطا وأهلها؟
- ليست الهيئة وحسب، بل قلبا وقالبا والحمد لله، عقباً لك
- ياه .. والله زمان، كم وعشرون عاما مرت منذ كنا معا في الثانوية العامة؟ لقد دخلت أنت الآداب هنا في الإسكندرية وقتها، أليس كذلك؟
- نعم، وأنا الآن أستاذ مساعد في قسم الفلسفة بها، وماذا عنك أنت؟
ضحك "محمود" بدون صوت قائلاً
- تعرف أيام الشقاوة يا صاحبي لا أرجعها الله، لم ألحق إلا بالمعهد الفني التجاري المجاور لمدرستنا بالكاد، لكنه كان فاتحة خير بفضل الله، ففي المعهد شرح الله صدري وأبعدني عن صحاب السوء، ثم وجدت نفسي في العمل الحر فتركت المعهد وتفرغت للتجارة، فبها تسعة أعشار الرزق
جاء الجرسون فوقف بأدب خلف "عماد" الذي التفت إليه ثم إلى "محمود" سائلاً
- ماذا تشرب يا "محمود" بيه؟
- قرفة باللبن إن شاء الله
- وأنا سآخذ قهوتي
انحنى الجرسون في أدب قائلاً
- أتحب الشيشة مع القهوة يا دكتور؟
- ليس بعد
انصرف الجرسون فقال "محمود" معلقا
- تبدو عميلا دائما هنا؟ أنا لا أجلس في المقاهي عادة، لكن الجو المطير اضطرني لذلك، صحيح، فلتنادني "محمود"، ولو كان لابد من الألقاب فلتكن الشيخ "محمود"، لقد ألغى صاحبك الألقاب منذ عقود، أمازلت ناصريا أم هداك الله؟
- هدانا الله جميعا لما يحب ويرضى، لم أكن ناصريا أبدا، فبرغم تقديري للرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" وقناعتي بسياساته وتوجهاته، إلا أني لا أحب الانتساب لفرد، سواء كان "ناصر" أو "ماركس" أو "ماو"
- أي توجهات وأي سياسات، لقد راح على يد "عبد الناصر" هذا رجال يساوي ظفر أحدهم رقبته، رحم الله الشيخ الشهيد "سيد قطب" صاحب الظلال العظيم
إذن فقد كتب القتال على "عماد" في هذا اليوم المطير، في حوار لم يكن متحمسا له، لكن ولم لا؟ لقد كتب "مصطفى محمود" كتابه "حوار مع صديقي الملحد" حين ظهرت نبرة إلحاد محدودة مع التطور العلمي، أما اليوم، وبعد اتفاقية "سادات-تلمساني" في سبعينات القرن الماضي، فقد تبدلت الدنيا، وارتفعت نبرة التطرف الديني لعنان السماء، وهذا لا يقل خطرا، فلماذا لا يقيم حوارا يكتبه وينشره؟ حوار مع واحد من هؤلاء الرجال المؤسفين، والذين اختزلوا صورة المسلم كما أرادها الله عز وجل لهذه الصورة الممسوخة اللا-إنسانية التي روجوا لها، هكذا قال عماد في سريرته وهو يخرج سيجارة من علبته ويشعلها، سحب نفساً وهو يعتدل فوق كرسيه متأهباً للحوار، وقال
- لكن "قطب" لم يعدم بسبب مؤلفه المتميز "في ظلال القرآن"، ولكن بسبب ضلوعه في مؤامرة عام خمسة وستين، فضلا عن تكريسه للإرهاب في كتابه المدمر "معالم على الطريق"، وضلوعه في المؤامرة ثابت باعترافه واعتراف غيره كما تعلم
- اعترافات تحت التعذيب
- و الكتاب؟ كتبه أيضاً تحت التعذيب؟
- كتبه وهو أسير في سجن النظام الكافر
- يدهشني ذلك، فالنظام الذي يعذب السجناء لا يوزع عليهم أوراقا وأقلاما سواء كان نظاما كافرا أو غير كافر
أسقط في يد "محمود" من هذه الملحوظة الذكية، فتبدلت ملامحه من الحدة والحماس إلى صورة حانية وهو يقول
- أقلقتني عليك يا صديقي القديم، أعرفك وأعرف طيب سريرتك، لهذا أخشى عليك من شدة يوم عظيم، فحبك لمثل هذا الرجل يجعلك تحشر معه يوم الدين، ومثله يكون محشره عصيبا
ضحك "عماد" وهو يعجب من مهارة الزميل السلفي في تحويل دفة الحوار ، ثم قال والابتسامة لا تفارق وجهه
- حذار يا شيخ "محمود"، فأنت بهذا تحدد مصير الرجل يوم الحشر، وهذا أمر نهانا الله عنه، والرجل بين يدي ربه، إن شاء عذب وإن شاء غفر، فلا تنذرني بما لا تملك لنفسك منه نجاة
ظهرت على "محمود" علامات الحماس ثانية، فقد أعطته الجملة الأخيرة دلالة على خلفية دينية لدى صديقه القديم أغرته بالدق على وترها، فاقترب بجزعه من الطاولة التي تفصله عن "عماد" قائلاً بلهجة ودود
- صدقت، لهذا أقول أنك خسارة، ولكن سبحان الله، "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ"، ماذا أقول لك يا صديقي، أسأل الله العلي القدير أن يهديك
كانت فكرة الحوار معه قد اختمرت برأس "عماد"، لهذا عاجله قائلا
- آمين، هل لديك ارتباطات اليوم؟
- أبداً، أتيت للثغر في عمل وانتهيت منه، وكان يجب أن أعود لطنطا لكن المطر حبسني عن العودة، ولا أحب العودة في الظلام، لهذا سأجد لي فندقا أقضي فيه ليلتي
- لك عندي إذن عرض لا يقاوم، مادمت متحمسا للدعوة لطريق الخير الذي ترى أنك تسلكه، ما رأيك لو قضيت الليل عندي ونتسلى بالحوار؟ هذا لو كنت مستعدا لحوار رجل حصل على الدكتوراة في فلسفة "ابن رشد" و"ابن طفيل"، ومن يدري، قد تقنعني
- أهلا بالحوار، لكن ألن يضايق هذا أسرتك؟
- لن يضايقهم لأنهم لم يوجدوا بعد
- لم تتزوج حتى هذه السن؟
- ولن أفعل، فما رأيك؟ أم تريد الانسحاب من المناظرة الودية؟
- لا يا سيدي، نبات شاكرين ونحاورك قادرين بإذن المولى عز وجل
- اتفقنا، نشرب القهوة والقرفة ثم نمضي للعشاء في المنزل ونمكل ليلتنا هناك
تعجب "عماد" لحماسه المفاجيء لاستضافة أحد الأصدقاء المؤسفين في بيته وإقامة حوار طويل معه! وهو من كان يرى في الحوار معهم مضيعة للوقت، ويتجنبه في الجامعة والمحافل البحثية والعلمية والأدبية التي يرتادها هنا وفي القاهرة، ربما أراد التأكد من نظرياته حول المحتوى الفكري لتلك التيارات التي تمور وتفور في مصر اليوم
جاء الجرسون بقهوة عماد وقرفة صديقه المؤسف كما سماه، ووضع كوبان من الماء المثلج على المنضدة، تناول "محمود" كأسه ورفعه إلى شفتيه بعد أن جمع لحيته الكثة وخفضها بيسراه، ولدهشة عماد بدأ صديقه يرشف الماء من الكأس بصوت مسموع، توقف بعد رشفتين وأبعد الكأس عن فمه ثم أخذ شهيقا عميقا وزفره، ثم أعاد الكرة ثلاث مرات قبل أن يضع الكأس على المنضدة وهو يمسح ما تسرب من خيوط الماء على لحيته، فلما رأى "عماد" ينظر اليه، ضحك وهز رأسه كالمتعجب من جهل صاحبه وقال
- مالك؟ أراك كالمشدوه
- ماذا كنت تفعل الآن؟ لماذا كنت تنفخ في الماء كأنك ساحر؟
- لا تتجاوز حتى لا تقع في محظور، فهكذا كان سيدك المصطفى يشرب الماء، ولم افعل إلا تحري سنته، حصلت على الدكتوراة يا رجل ولم تقرأ بديهيات دينك؟
- بديهيات الدين؟
- طبعاً فقد روى "البخاري" في صحيحه عن "أنس بن مالك" أن الرسول أمرنا بمص الماء مصاً من الإناء وأن نتنفس ثلاثاً أثناء الشرب، وقال (ص) أن هذا "أروَى وأمرَأ وأبرأ" وهذا من الإعجاز العلمي في الطب النبوي الشريف
قاوم "عماد" رغبة في الضحك حتى لا يشعر ضيفه بالسخرية وقال
- وما الإعجاز؟
- نصيحة الرسول تلك تقي من اتبعها من تضخم الرئتين وقصور الشرايين التاجية وتضخم الكبد والاستسقاء والعياذ بالله، وهناك طبيب ألماني عالمي أسلم حين سمع الحديث ووجده متفقا مع أحدث ما وصل إليه العلم الحديث، سبحان الله
- وما اسم هذا الطبيب العالمي؟ وفي أي جامعات ألمانيا؟
هكذا سأله "عماد" وهو يبتسم ابتسامة الواثق من كذب موضوع الطبيب هذا، وصدق حدثه إذ قال صاحبه
- وهل تتوقع أن أحفظ اسمه؟ يا أخي ما مصلحتي في الكذب عليك؟ سبحان الله
- عفوا، لم أقصد أنك تكذبني، لكنك تردد قول مرسل سمعته أو قرأته بغير مرجع موثق، فأمر طبيب عالمي يسلم بسبب حديث نبوي كان لابد وأن يردد في وكالات الأنباء عالميا
- أصبحت مشككا يا صاحبي على عادة الفلاسفة، رحم الله الإمام "الغزالي" حين كتب في تهافت الفلاسفة وفلسفتهم
ضحك "عماد" وهو يتناول رشفة من قهوته ثم يرد قائلا
- ورحم الله ابن رشد حين رد عليه وفند أطروحاته في كتابه القيم "تهافت التهافت"، هل قرأت "تهافت الفلاسفة" للغزالي؟
- لا، لكنني سمعت درسا عنه في المسجد
- مم .. مسجد "الوليد"، مستعمرة جماعتكم في طنطا
قطب "محمود" حاجبيه و هو يقول منفعلاً
- لا والله، بل دوحة الإخوان ودوحة الإسلام في طنطا بإذن الله، ولو كره الكافرون
- مالك يا رجل؟ تتحدث كأنك تخاطب أباجهل أو أبالهب؟
- أنت من قال عن مسجدنا مستعمرة
- لم أقصد المسجد، ولكن الشارع الذي انتشرت فيه مكتباتكم ومحلاتكم ونباتاتكم الطبية، عموما حقك علي في التعبير القاسي، لكن قل لي، هل فكرت في حديث النبي الذي رويته لي الساعة؟ ألم يلفت نظرك شيء فيه؟
- تدبرته طبعا كما يجب تدبر القرآن والحديث لاستلهام الحكمة من منابعها الصافية، ولم يلفت نظري فيه شيء
- أما لاحظت أن الرسول في العبارة التالية نهانا عن النفخ في الطعام والشراب، حتى لا يتأذى من يشاركنا الطعام والشراب وتأنف نفسه الطعام؟
- نعم، حكمة وأدب نبوي جليل
- فكيف تجمع هذه الوصية بالحديث عن طريقة شرب الماء تلك؟
لم يجبه صديقه ولكنه شرد مفكرا، فعاجله "عماد" قائلا
- ولو افترضنا صحة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، فبأي صفة قاله؟
- بصفته النبي الخاتم طبعا
- رويدك، ألم يسأل الرسول في غزوة بدر عن الموقع الذي اختاره، أهو موقع اختاره كقائد أم أوحي إليه به؟ فأجاب بأنه اختياره كقائد، وقبل بمشورة من اقترح أن يعسكروا أمام البئر ليكون لهم ويحرموا منه عدوهم؟ ومثل ذلك حدث في واقعة تلقيح النخل، وفي استشارة التجار له في مقدار ما يربحون، فقال في ذلك كله أنه من أمور دنيانا ونحن أدرى بها
- نعم، وبعد؟
- فقد كان الصحابة إذن يميزون بين أكثر من شخصية اعتبارية للرسول، فقد كان (ص) رسول الله المبعوث خاتما للأنبياء، وكان حاكم المدينة المنورة المبايع من أهلها، وكان القائد الأعلى للجيش، وكان الرجل والزوج لأهل بيته، وقد دلهم النبي في واقعتي النخل والتجارة أن سنته هي أقواله وأفعاله وتصديقه بصفته كنبي، وفيما يخص أمور الدين وتحسين وتنمية المجتمع الإسلامي، فليس كل ما قاله الرسول قد قاله بصفة النبوة
- أعوذ بالله، لقد أفسدتك الفلسفة، أنت تنكر معلوما من الدين بالضرورة في قوله تعالى "وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ" سأمضي لحال سبيلي
- لو كان كل حديث الرسول وحيا يوحى، فما الفارق بين الحديث النبوي والحديث القدسي؟ اقرأ للشيخ "مصطفى العدوي" كتابه "الصحيح المسند من الأحاديث النبوية" تعرف أن الفارق بينهما كبير، فالأول ينسبه الرسول لنفسه والثاني ينسب لله، أما الآية عن الوحي فتعني القرآن الكريم، فالقرآن وحده هو الوحي، وحتى الحديث القدسي قد يكون بالوحي أو الإلهام أو غيرها
أرتج على "محمود" مرة أخرى، وقد أيقن أن محاوره أعلم منه بعلوم الدين، فهو حتى لم يسمع بالشيخ "مصطفى" هذا، لهذا استغل فرصة توقف المطر عن الهطول فتراجع عن فكرة المبيت وودع صديقه خارجا، كان يردد في نفسه وهو خارج قول الله تبارك وتعالى "مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ" بينما كان "عماد" يدفع الحساب وهو يردد في نفسه قوله تعالى من سورة النحل "ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ"








