17.11.08

Who is Who?

Standardizing Terminology in Animal Health Business


When the immortal Chinese philosopher Confucius was asked; What shall you do if you became the Emperor someday? he replied with his inspiring statement; I shall standardize the meaning of words and terms! In animal health business, we all face a repeated problem of confusing terms and usage of words. For instance, who is the end-user of an animal health product? Biologically it is the bird or the animal. Nonetheless, the last sane user is the producer. Then, can a feed mill be considered as end-user or not? The mill sells feed to producers, therefore it is not the last hand. However, the products sold to a feed mill will not be sold unchanged! It will be sold as an ingredient of feed, thence the feed mill was the last handling station of the unchanged product! So, shall we consider it an end-user or not? This confusing nature of the term makes it of good sense to avoid it completely. I have met people who consider the retailer selling to producer as an end-user!

Hereunder, I tried to frame my minor contribution toward standardized animal health terminology. Such a simple process that will essentially increase the value of databases and improve perceptual capacity of all of us understanding each other in presentations, papers and researches. All readers’ contributions are surely more than welcome in this regard

N.B. When it comes to capacities and customers classification from its perspective, the no. here are intended to describe the case of Egypt only.

Poultry Industry
  • KOL: Key Opinion Leader is defined as any customer of scientific or practical status perceived by other customers to be qualifying for a reference role in the industry. Accordingly his practice affects other customers’ behavior toward a product. Scientific status is usually linked to university professors and experienced field practitioners. We prefer the term KOL more than the currently used term i.e. Key Consultants. Mainly because and KOL can sometimes be an agriculture engineer or a resident vet in one of the key accounts, in these cases the term "consultant" does not apply
  • Prescriber: Field practitioner vets, vet consultants, vet labs or any other individual who possess the capacity to prescribe animal health products to producers.
  • Wholesaler: Commercial entity buying the product with the intention of reselling it unchanged to other commercial entities (to retailers). We prefer the term wholesaler more than the term distributor to avoid confusion with agents directly authorized by manufacturers as distributors. Also because distributionship requires a structure and facilities that most of the wholesalers will come short to.
  • Retailers: Commercial entity buying the product with the intention of reselling it unchanged to producers.
  • Feed mills: producers of mashed feed at industrial scale i.e. feeding more than 20 tons/day
  • Pelleting Factories: Producers of pelleted and / or crumbled feed.
  • Hatchery: Hatching facilities with automated incubator and hatcher i.e. Native primitive hatchery excluded
  • Key Accounts: poultry producers holding one or more of four qualities:
    1. Capacity represents ≥ 2% of its sector
    2. Fully or partially integrated = multi-stage production
    3. Reference role among other producers
    4. Hub of a coordinated production cluster
  • Medium Sized Poultry Producer: Capacity ≥ 100,000 Broiler Birds/ Cycle
  • Poultry Small Holder: Capacity > 30,000 <>
  • Medium Sized Layers Project: Capacity ≥ 2,000,000 eggs/ annum
  • Small Layers Project: Capacity > 500,000 <>

Livestock Industry

  • KOL: vide supra
  • Prescriber: vide supra
  • Distributor: vide supra
  • Retailers: vide supra
  • Feed mills: vide supra
  • Key Accounts: Farming projects holding one or both of two qualities:
    1. Capacity represents ≥ 0.1% of its sector
    2. Reference role among other dairy or beef farming projects
  • Medium Sized Beef Farming Project: Holding ≥ 300 heads
  • Small Beef Farming Project: Holding ≥ 100 <>
  • Medium Sized Dairy Project: Milk production ≥ 300 Liters/ Day

Copyrights© 2008. Eyad Harfoush

16.11.08

مملكة الشيطان

و قضية الطبيب المصري
أبدأ فأقول أن عنوان المقال لم يقصد به المساس بالشعب العربي في المملكة السعودية، و الذي أعرف الكثيرين من أبنائه ممن لا يقل سخطهم و نقمتهم على النظام الحاكم السعودي عن سخطي و نقمتي، و إنما عنيت بمملكة الشيطان هنا البيت الحاكم و حلفاءه الوهابيين فقط، أما سخطي و نقمتي فتتعدد أسبابه و تتشعب، لكنني لو حددت أهمها لكانت
  1. النظام السعودي كان و مازال الذراع الأولى للإستعمار في المنطقة، في كتابه أوراق الحرب العالمية الثانية كتب "ونستون تشرشل" نصيا: أريد أريد أن أرى ابن سعود سيداً على الشرق الأوسط، و متى أمكنني التنسيق مع روزفلت لتحقيق هذا فليس هناك شيء مستحيل حين نعمل لتحقيقه معا، و في مجموعة كتب البريجادير البريطاني "جون فيلبي" الذي قاد القوات الانجليزية التي وحدت المملكة، ثم صار مستشار مؤسس الأسرة لثلاثين عاما كاملة، نجد الرؤية الكاملة للعلاقات بين الامبريالية العالمية و آل سعود، قبل أن ترث أمريكا هذا النظام فيما ورثته من تركة بريطانيا التي كانت عظمى
  2. التعاون الثابت بالوثائق المخابراتية الأمريكية مع اسرائيل في حرب اليمن، حيث أرسلت اسرائيل خبراء لتدريب القوات السعودية في اليمن من جنود القبائل و المرتزقة البلغار على السلاح الأمريكي، حدث ذلك عام 1965م و بالتعاون مع السافاك الإيراني على عهد الشاه كما نشر في الوثائق الأمريكية المفرج عنها عام 2004م
  3. مباركة "فيصل بن عبد العزيز" للعدوان الاسرائيلي على مصر و سوريا و الأردن في يونيو 1967م، و قد عرف به خادم الحرمين في مايو قبل العدوان بثلاثة أسابيع كاملة و باركه في اجتماع مع مدير وكالة المخابرات المركزية و "كمال أدهم" مدير المخابرات السعودي، و نشر محضر الاجتماع في الوثائق المذكورة سلفا
  4. التحالف مع الوهابية المتطرفة لفرض حالة التدين الظاهري و الفساد الباطني الشهيرة، و التي عانى منها المجتمع السعودي قبل أن يبدأ تصديرها لمصر بفضل خضوع النظام المصري للسعودية منذ عهد "أنور السادات"، بصفتها الوكيل الرسمي لأمريكا في المنطقة، ففسد المجتمع المصري و شوهت صورة الإسلام عالميا لتصل إلى ما هي عليه اليوم
اليوم يا سادة نجني ثمرة جديدة من ثمار هواننا على الناس، طبيب مصري يحكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات و 1500 جلدة في مملكة الشر السعودية، ثم يستأنف الحكم الصادر في أول درجة فيزيد قاضي الاستئناف الحكم إلى 15 عاما مع تنفيذ الجلد بألف و خمسمائة جلدة! في سابقة لا تحدث إلا من وهابي جهول و ليس قاضيا! يزيد العقوبة في الدرجة الثانية خلافا للقاعدة القانونية بألا يضار المتهم من محاولة الاستئناف! و لكن منذ متى تحترم السعودية الأعراف القانونية العالمية؟ و هي الدولة التي تعيش خارج حدود الزمن، و ليس للمتهم فيها الحق حتى في محام يدافع عنه! لأن الشرع في رأيهم لم ينص على هذا الحق! ألا ساء ما يحكمون، و الأسوأ أنهم ينسبون خبالهم هذا لدين الله سبحانه و تعالى

يقلل من تعاطفي مع الدكتور "رؤوف" حقيقة التحاقه بالعمل كطبيب خاص للأمير، لو صدقت، على غرار نطاس الخليفة، لكن هذا لا يمنع تضامني معه كزميل مهنة و مواطن مصري، و سأفترض أن الطبيب المصري الدكتور/ رؤوف أمين قد ارتكب خطأ مهنيا رغم غموض المعلومات و تخبطها، فالعرف العالمي أن الطبيب لا يعاقب إلا لو ارتكب خطأ مهنيا يتعارض مع المعارف الأولية لممارسة مهنة الطب، و ليس علاج الآلام المزمنة من هذه المعلومات من الطب بالضرورة، فضلا عن ورود احتمالية تعرض من يعالج من الألم المبرح بالمواد المورفينية "أوبيويدز" أو مشتقاتها للإدمان لو طال أمد العلاج، و يتعين على المريض أن يخبر طبيبه لو بدأ يشعر بلهفة غير طبيعية على جرعات العلاج، فلو حدث الإدمان يتم التعامل معه بالتخفيف التدريجي و الاحلال و تقليل الاعتماد النفسي على المخدر، و يكون العلاج أسهل كثيرا من علاج المدمن عمدا لغياب الخلفيات النفسية المؤدية لهروب الفرد للإدمان، فليس الأمر إذن جنائيا لنبحث عن كون العقوبة مناسبة أم لا، و حتى نعرف أن العقوبة التي حكم بها قضاة الوهابية السعودية فاسدة، يمكننا مقارنتها بحكم حكمه القاضي نفسه، على سعودي خطف طفلا عمره تسع سنوات و اغتصبه حتى تهتكت أعضاءه و أصيب بنزيف فألقاه في الطريق، فحكم عليه بالسجن ثمانية سنوات و ألفي جلدة! خطف طفل و اغتصابه حتى النزف .. أقل فداحة من خطأ طبي لو كان هناك خطأ من الأساس! أم أن في الأمر تسترا على فضيحة أسرية من نوع ما بتشويه الأبرياء؟ و بادعاء أن "الشيخة" كانت ضاربة مورفين؟

مسخرة اسمها القضاء السعودي
أورد هنا بضعة أحكام منشورة للقضاء الوهابي في مملكة الشيطان، التي تدعي الحكم بالقرآن و ما أنزل الله، و الله و القرآن منها براء، لنرى و نضحك معا ضحكا كالبكاء

الحكم بجلد موظفة فلبينية في مدرسة سعودية بالخبر ضربت طفلة بريطانية، و نفذ الحكم الإداري!! في المدرسة أمام الطالبات، كذلك لدينا خبر عن فتاة سعودية واعدت صديقها السابق بعد ان هددها بصور لها على هاتفه المحمول، و في الموعد خطفها الصديق مع ثمانية من الكلاب و اغتصبوا الفتاة جميعا، فبماذا حكم القاضي الوهابي؟ حكم بحبس المغتصبين لمدد تتراوح بين عشرة شهور و خمس سنوات، أما المجني عليها فجلدت تسعون جلدة لأنها واعدت أجنبيا في خلوة غير شرعية! و هكذا أحكام مخففة للمغتصب الذكر و جلد للفتاة المغتصبة لأنها أنثى، فهي في نظر القضاء السخامي سبب كل بلاء! صدق الفاجومي يوم قال: و ساد قانون البتاع و لا علة و معلول .. و القاضي تبع البتاع فالحق ع المقتول! نقلا عن سي إن إن العربية، ثم نجد حكما بالسجن لمدة عامين و أربعمائة جلدة على سعودية شوهت زوجها بماء النار! فهل لو شوه الدكتور رؤوف وجه المريضة بماء النار أكانت العقوبة تقل؟ أم أنه ليس غامدي و لا شمري و لا عتيبي مثل هذه الزوجة! التي لابد أن تكون ابنة بارم ديله في المملكة حتى تحصل على حكم مخفف؟ و يكتمل العجب بقضية بنت مغتصبة من القطيف حكم عليها بالجلد لأن الجناة حبسوها مع شاب حاول انقاذها في مكان يعتبر خلوة غير شرعية، أما الجناة فالحبس فقط لأن أركان تهمة الحرابة غير متوافرة! عيطي يا بهية على القوانين، و حتى يتم المشهد الهزلى، دعت منظمة العفو الدولية السلطات السعودية الى اطلاق سراح عضو هيئة تدريس بجامعة سعودية صدر ضده حكم بالجلد والسجن لمقابلته امرأة ليست من اهله وتناوله القهوة معها! قهوة غير شرعية، و نفس الحكم حظى به مطرب سعودي و فتاة سعودية قبض عليهما متجردان من ملابسهما في سيارة لكن بغير مواقعة! يعني قهوة في مكان عام لا فرق بينها و بين خلوة حقيقية طالما لم يدخل فيها كدخور المرود في المكحلة! هل هذا هو فقهكم للأحكام يا قضاة الوهابية؟

لقد بح صوت الفقيه القانوني المستشار "محمد سعيد العشماوي" ليبين لهم أن الشريعة حتى تطبق اليوم تحتاج إلى خضم من القوانين الاجرائية و إلى تقنين حكم التعزير المطلق، و إلى اجتهادات على الوتيرة التي سنها الرسول (ص) و الفاروق من بعده لمراعاة مقتضى الحال، و سينتهي هذا كله بنا إلى ما يطابق القانون المصري اليوم تقريبا، فليس العيب في القانون و لكن في تطبيقه و مساواة الجميع أمامه، وضع الدكتور "عشماوي" في هذا الموضوع العديد من الكتب و المصنفات، فما فقهوا و لا فهموا، بل أوعزوا لأذنابهم في بلادنا ليضعوه على قمة قوائم الاغتيالات! حماه الله من شرورهم و ضغائن قلوبهم، فقيها قانونيا حقيقيا، و مسلما مستنيرا يضع الأمور في نصابها

أيها الشعب العربي من أحرار السعودية، أما حانت الثورة على دولة الظلم و الهوان؟ و حكم الشيطان باسم الإيمان؟

أيها الأطباء المصريون في مملكة الشيطان، حي على الاضراب، و إلا قال بعضكم غدا و هو يجلد كالبهيمة: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، و إن كنت أعلم أن النداء بلا مجيب، فمن استمرأ مرعى آل نحوس لا دواء له من إدمانه

يا علوج الوهابية المستأسدين على الغلابة و الأطفال و النساء، و المستنكحين لجنود المارينز في القواعد الأمريكية .. شاهت الوجوه




15.11.08

انهيار برج بابل- 38


(38)
يوم الظلمات

الأحد، الثالث والعشرون من سبتمبر
بعد منتصف ليلة السبت، الثاني والعشرين من سبتمبر، أقلعت من مطار دمشق الدولي طائرة خطوط الزوراء العراقية من طراز يوشن-18 روسية الصنع، متجهة نحو كردستان العراق، حاملة على متنها خليطا متباينا من مختلف الجنسيات والأعراق، كان هناك عراقيون يتحدثون اللغة الكردية، وآخرون يتحدثون العربية بلهجة جنوب العراق، واثنان في نهاية الطائرة تسمع منهما السريانية، فضلا عن عدد من المواطنين السوريين بدو كمجموعة واحدة في مهمة، وفي الصف الثالث من صفوف الطائرة متوسطة الحجم جلس "علي" على الكرسي الخارجي جهة الممر وإلى جواره زوجته، كلاهما ممدد ومغمض العينين في هذه الرحلة الليلية، نامت "ماري" ورقدت فوق ساقيها رواية بوليسية، من نوع خفيف سلس تفضله في السفر لتزجية الوقت مع عدم إرهاق العقل، وإلى يسارها جلس "علي" مغمض العينين، مستيقظا كما هو ظاهر من تمتمة شفتيه بغير صوت كعادته إذا اندمج مع أغنية يطرب لها، إذ كانت سماعات جهازه الصوتي في أذنيه، وصوت "أم كلثوم" يتدفق بقوة في وجدانه وهي تشدو: "بغداد يا قلعة الأسـود .. يا كعبة المجد والخلود .. يا جبهة الشمس للوجود" .. اختلجت عيناه لذكر قلعة الأسود التي يزورها اليوم محتلة، إنها زيارته الثانية للعراق تحت القتام، ومازال عقله منذ أقلعت الطائرة يسترجع كل حلقات المأساة منذ عام 1991م وحتى اليوم، إذ نجحت أمريكا في التسعينات ثم في الألفية الثالثة فيما فشلت فيه في الستينات، يوم حاولت توريط العراق في غزو الكويت عام 1961م، تحت حكم "عبد الكريم القاسم" الداعم لسياسة الأحلاف، فطالبت العراق يومها بضم الكويت رسميا وبدأت حشود عراقية تتحرك صوب الحدود الكويتية، ونشطت معها أساطيل أمريكية في المتوسط لتكون على مقربة من الأحداث تماما كما حدث في 1991م، لكن في الستينات كان للوطن العربي قائد ذو رؤية نافذة ونفوذ قومي، فمنع الكارثة قبل وقوعها، تدخل "جمال عبد الناصر" بثقل زعامته الشخصية وثقل مصر الذي كان إقليميا فحسم الأمر، مثنيا "القاسم" عن عزمه الأخرق ثم مسقطا نظامه الموالي للإمبريالية العالمية بيد الشعب العراقي نفسه، تدخل "عبد الناصر" لأنه كان يرى بعين القائد كل الكوارث التي حدثت فيما بعد منذ غزو الكويت وحتى اليوم، وأولها تواجد عسكري أمريكي مباشر في خضم النفط العربي من الخليج للعراق
هكذا حدث نفسه وهو يخرج من حقيبته السوداء الصغيرة علبة لبان النيكوتين، يتذكر تعليق "ماري" على هذه العلبة فينظر لوجهها الحالم المستلقي بجواره في وداعة طفلة، فهو يذكر أنها قالت له حين ابتاعها: لا أحب هذه العلبة، تجعلني أراك ضعيفا متلهفا على جرعة من عقار
- التدخين هو الرفاهية الوحيدة التي سمحت لنفسي بها
- ليس رفاهية بل لعنة، ثم لماذا تمنع نفسك من الرفاهية، وأين يتبخر دخلك من الجامعة ومن إرثك وعائد بيع كتبك ومقالاتك؟
نظر إليها يومها مبتسما، ثم أطرق بوجهه نحو الأرض، واضطر أن يلمح لها عن الحقيقة حتى لا تظن به الظنون، فقال بتورية ظاهرة المعنى: من ملك الله في ملك الله
فهمت ما يعنيه يومها، فربتت على كفه بحنان، فقد كان المناضل الاشتراكي حريصا على تطبيق أفكاره على نفسه بأقل تقدير، تذكر "علي" ذاك الحوار وهو يمضغ لبان النيكوتين ليهدأ الصداع برأسه، ذلك الصداع السخيف الناجم عن سحب النيكوتين من خلاياه، ثم داعب أزرار جهازه ليبدل النشيد الوطني بموسيقى هادئة تناسب الاسترخاء وتمدد في كرسيه، ومرت دقائق بطيئة سمع فيها نبض قلبه المنتظم، حتى شعر بثقل في جفنيه، فرحب بالكرى لقتل الوقت، لكن النوم لم يقتل الوقت وحسب!
...
أرى عسكرا فيه الراكب والراجل، يتقدمه فارس في وجهه شبه بمالك الأشتر، أكاد أقسم أنه "ابراهيم بن مالك" دون غيره، فعدا وجه أبيه وبسطة بنيانه، ورث الولد من والده هيبة تجلله في غير كبر، وأرى بجواره راجلا يأخذ بمقود فرسه ويجد السعي بخطوات حثيثات، توحي ملابسه بتقشف زاهد، لكن اتقاد عينيه يوحي بذكاء السياسي، يمر بي الركب فأسير قرب الرجلين، وأسمع الفارس يدعو الراجل لركوب فرس أو العودة، فيجيبه الراجل بعبارة مميزة: "أحبُّ أن تَغْبَرَّ قدمايَ ساعة في نصرة آل محمّد"[1]
إذن فالراكب هو بحق "إبراهيم بن مالك" والراجل بجواره هو "المختار بن أبي عبيد"[2]، الثائر الذي أنصف آل بيت النبي مضطلعا بثأرهم، هكذا تخيلتك دائما يا "مختار"، هكذا رأيتك بعين خيالي كلما قرأت عنك .. ليث حزين، كانت حركتك ثورة للحق والحقيقة، وغضبة على الجور والبهتان، فكافأتك الأقلام المؤلفة جيوبها بالنكران حينا وبالتشويه أحيانا! زعموا أنك ادعيت النبوة ودعوك بالكذاب! وزعموا أنك قمت طمعا في حكم الكوفة، وافتروا عليك أنك من السبئية! والله عليم بالقلوب رغم ما يفترون، ويذكر الزمان لو نسوا يوم فجع المسلمون بقتل سبط النبي وآله في الطَّف، وكنت أنت يا ربيب حجر "علي بن أبي طالب" سجينا في الكوفة، سجنك "عبيد الله بن زياد" مع من سجن من الموالين للحسين ليمنعكم من الخروج لنصرته، وأتاك في سجنك نعي "الحسين"، فزلزل النبأ المشئوم قلبك، وقهرك الغبن حتى النخاع، ويذكر الدهر لو نسي البشر قسمك ألا تهنأ بعيش حتى تنهض بثأر السبط المغدور، وتخرج من محبسك بوساطة صهرك "عبد الله بن عمر"، فتقيم في مدينة النبي ترتقب الفرصة لتبر بالقسم، لكن قدر الله كان أعجل "ليزيد بن معاوية" من ثأرك، فمات ورفض ابنه "معاوية" الثاني ولاية عهده واعتلاء كرسي خلافة جاءه ملوثا بدم آل البيت[3]، واستقل "عبد الله بن الزبير" بالحجاز والعراق، وولى على الكوفة "عبد الله بن مطيع"، فخرجت يا "مختار" إلى أصحابك وثقاتك فيها، ووافقته في ذلك يا "ابراهيم بن مالك"، طلاب ثأر لا طلاب حكم، فعزمتما على القيام لثأر الحسين، بعد أن أخفقت ثورة التوابين[4] في النهوض به، وفي تلك الليلة الحالكة من عام 687م، صحت الكوفة من نومها على الثوار يحملون المشاعل ويجرون في شوارعها يدعون الناس بدعوة الحق، هادرين بشعار ثورة "المختار" الذي رحبت به القلوب: يالثارات الحسين .. يالثارات الحسين، وتمكن الثوار من الكوفة وغلبوا حاميتها، وقامت دولتك يا "مختار" فيها، وأنصفت الموالي من من الفرس والترك وغيرهم من الجور الأموي الذي ميز العربي على الأعجمي بنعرة قومية، فاتبعك الموالي من العجم والمهمشون من العرب، وخرجت من قاعدة الكوفة لتبر بالقسم الكريم، فقتلت "شمر بن ذي الجوشن" الذي ضرب عنق سيد الشهداء، وقتلت "أبجر بن كعب" الذي كشف ستر السيدة "زينب" في كربلاء وشرم أذنها ليسلب قرطها، وكذلك ذبحت "إسحاق بن حوية" الذي سلب قميص "الحسين" بعد موته، وهأنذا أراك و"ابراهيم" على رأس جيش جيشته للنيل من "عبيد الله بن زياد" فأمكنكم الله منه بفضله فأرديتموه
...
تتغير صورة الراكب فوق الفرس، فأرى "المختار" معتليا جوادا وهو في زي من جلد مدبوغ غير ما كان عليه منذ قليل، لا يبدو في معركة، فليس في يده سيف ولا رمح، لكن أمامه جمهرة من الرجال كأنهم تكالبوا على رجل وسطهم، والرجل يصرخ طالبا الرحمة، ثم يندفع من وسط هذه الجمهرة والنيران تشتعل في ثيابه، يكاد قلبي ينخلع من صراخه المحموم، ثم تصل لأنفي الرائحة الخانقة لاحتراق جلد بشري، فأشعر بانقباض يعصر معدتي، وتجتاحني رغبة في القيء، لابد أنه "حرملة بن كاهل"، الرجل الذي أحرق قلب "الحسين" على فلذة كبده "عبد الله" الرضيع الذي لم يبلغ العام، فرماه بسهم وهو على ذراع أبيه في كربلاء[5]
...
تهبط على عيني غشاوة سوداء، بل هو الليل قد أرخى على الصحراء سدوله، أرى على بعد خطوات مني جماعة من الرجال تحلقوا حول نار، وحين أقف على بعد خطوات منهم، أرى وسطهم وجها وضيئا أعرفه بسيماه، النبل والكرامة والجلد وقد تجسدت تمشي على الأرض، هو سبط رسول الله، وخيط دمه في الأرض، "الحسين بن علي" سيد الشهداء، فلابد أنها تلك الجلسة في صحراء كربلاء ليلة المأساة الكبرى، ليلة الطف وما جرى فيها، ويالهول ما جرى فيها! هو اجتماع السبعين رجلا من آل "الحسين بن علي" على ظمئهم ليلة المعركة، بعد أن منع عنهم جيش "عبيد الله بن زياد" الماء، أقترب فأجلس على مرمى حصاة من الجلسة المباركة، لم يسمع وقع أقدامي على الحصى أحد ولا رآني أحد، لقد اعتدت هذا على كل حال، يصلني صوت سيد الشهداء رخيما مطمئنا، كأنه لا يوقن أن موعده مع جيش البغي هو الغد، وأنه مقتول فيه لا محالة، فأسمعه يقول "لا أعلم أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً، إني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو أصابوني للهوا عن طلب غيري"[6]
- ولم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً
قالها صوتٌ فيه فتوة وحزم، أنظر لصاحبه الجالس على يمين "الحسين" فأرى رجلا فارع القامة، جميل الوجه، يعتم بعمامة خضراء فيها ريشتان، هو قمر بني هاشم إذن، "العباس بن علي بن أبي طالب"، أخو "الحسين" لأبيه من زوجته أم البنين، الفارس الملقب بساقي العطاشى، من اقتحم الماء مع عشرين رجلا يوم الطف، فسقى "الحسين" ثم حمل قربة من ماء ليسقي آل البيت، لكن جيش البغي تكالب عليه حتى قطعوا كفيه وضربوا رأسه ضربة ألحقته بركب الشهداء
أرى "الحسين" يطرق قليلا ثم ينظر لنفر من الرجال أمامه ويقول: يا بني "عقيل بن أبي طالب"، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم
فيخرج من بينهم صوت يقول: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك
أي معدن من البشر أنتم يا بني هاشم؟ أي عترة مباركة يا بني عبد المطلب؟ أي نسل من أسود الشرى يا بني أبي طالب؟ .. وهاهو "الحسين" السبط يقترح خطة المواجهة المريرة فيقول "فإن شئتم فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فاحفروا حولنا وخيام أهلنا خندقا، فإذا كان الغد أشعلنا فيه نارا فلا يحيطوا بنا، ونحن بضعة وسبعون رجلا وهم فوق الأربعة آلاف، وما أحسب خندقنا هذا يدفع عنا الموت حتى غروب الشمس غدا، لكن علينا الجد في قتال الباغين لو قاتلونا، حتى نهلك دون الحق ولم نقصر فيه"
هكذا قال الإمام "الحسين بن علي"، صاحب أشرف ثورات الأرض، ثورة ضد البغي والظلم الذي طال، فقد خالف "معاوية" عهده لأخيه "الحسن"، وكانا قد اتفقا في عام الجماعة أن يلي "معاوية" الخلافة، فإذا مات عاد الأمر شورى بين المسلمين، يولوا أمرهم من أرادوا، لكن "معاوية" أطمعه موت "الحسن" –وقيل أنه هو نفسه من دس له السم - فأخذ البيعة لولده "يزيد" حيا، وأصحاب رسول الله بعد على وجه الأرض يمشون! ويتألمون من هذا الواقع الغريب الكئيب، حين يلي من كان كيزيد منصبا تولاه الراشدون الأربعة ويجلس مجلسهم، حتى ندم بعض من اعتزل الفتنة منهم وقال: "ليتني نصرت عليا على الفئة الباغية" .. ثم أصبح "يزيد" خليفة، فأيقن "الحسين" أن الغمة الأموية التي حلت بالأمة بعنصريتها ومظالمها لن تنزاح بغير القوة، فلا عهد لهم ولا ميثاق، فكان خياره الثوري أن يستجيب لأهل الكوفة، فيخرج إليهم بأهله ثائرا، يحسب أن عرب الكوفة اليوم كعرب يثرب أمس، أنصارا للعدل والحق ينصرونه كما نصر أهل مدينة النور جده المصطفى، ولم يعلم أن قلوبهم معه، لكن سيوفهم مع "عبيد الله بن زياد"، والي "يزيد" المخلص الذي هددهم حين علم بخروج "الحسين"، فخافوا سيفه وطمعوا في خزائنه إلا نفرا قليلا، فاعتصم ببيته منهم من اعتصم، والتحق بالجند الأموي من التحق طمعا في صلة أو منصب يصيبه بسفك دم آل محمد!
...
ظلام للمرة الثانية، لكنه ظلام دامس ليس به شبح من ضياء هذه المرة، يتناهي إلي صوت الحسين هادئا، ينساب في أذني كماء في غدير، فأسمع سبط النبي يقول " اللهم أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعُدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، شكوته إليك، رغبة مني إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، فأنت ولّي كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة"
ياللظلام، يالصولة البغي في الأرض وجولته، أهكذا يفعل بالحسين؟ أهذا ما وعيناه من قول الله في كتابه العزيز "قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ"[7] أهذه مودتنا لآل بيت نبينا بعرضهم على السيف والتكاثر عليهم في عزلتهم ووحدتهم؟
صوت الحسين يتردد ثانية، هادرا كالبحر هذه المرة كأنه يخطب في جمع، يقتحمني صوته من كل الجهات، يقول "فانظروا .. هل يصلحُ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيِّكم، وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين لرسول الله بما جاء من عند ربّه؟ أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أوليس جعفر الطيّار في الجنة بجناحين عمّي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي، هذان سيدا شباب أهل الجنّة؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟"
لا أسمع جوابا من جيش البغي الذي صاح فيه "الحسين" بهذه الكلمات الموجعات صباح المعركة، كأنه يخاطب الريح التي تصفر في خلفية صوته، فلا مجيب له غيرها! ثم أسمعه يسمي قوما بأسمائهم فيقول: يا "شبث بن ربعي"، يا "حجّار بن أبجر"، يا "قيس بن الأشعث"، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثِّمار واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جندٍ لك مجنّدة؟
ولا جواب غير عصف الريح، لكن .. ما هذا الظلام الدامس؟ ما أسمعه هو ما ورد في الآثار على أنه خطاب "الحسين" في العسكر الأموي صباح كربلاء، في وضح النهار، فمابال الظلام يحيط بي بلا نهاية؟ أسمع صليل سيوف وصهيل خيل وحمحمتها وهي تهلك، لكنني لا أرى قتالا، لا شيء غير الظلمة الحالكة! وأسمع صوت السبط النبوي يقول لصحبه "يا كرام، هذه الجنة فُتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتطلعون لمقدمكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه، وذبوا عن حرم رسول الله"
- نجعل القلوب فوق الدروع وندفع عنهن بصدورنا يا ابن بنت رسول الله
هذه الصيحة كانت عند الظهر، حين رفض جند "ابن سمية" أن يمهلوا سبط النبي للصلاة، واشتطوا في القتال، فسقط من عسكره القليل أكثره، حتى لم يبق حوله إلا خاصة أهله وولده، ما بال هذا الظلام لا ينقشع؟ أهو رحمة من ربي حتى لا أرى وقعة البغي؟ لا .. الله نور السماوات والأرض، والظلمات غياب النور، فهذا ظلام القلوب التي فارق نور الله حناياها لتحتلها ظلمات الطمع والجزع! الطمع في مال "يزيد" وسلطانه، والجزع من كلبه "ابن زياد" الذي سلطه على من خالفه
أسمع صيحة حسينية ملتاعة تتقطع لها نياط القلوب، سبط الرسول يصرخ قائلا "واولداه"
يختلج قلبي، لقد سقط "علي بن الحسين" إذن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما أعظم مصابك ومصاب الأمة فيك يا ابن سيد شباب الفردوس! قتل أشبه الهاشميين بجده المصطفى صلوات الله عليه! فطوبى لك وتعسا لنا أيها الشهيد بن الشهيد بن الشهيد! وهاهو صوت "الحسين" بين قعقعة السيوف كأنه مذبوح بألمه يقول "صبراً على الموت يا بني عمومتي، لا رأيتم هواناً بعد اليوم إن شاء الله"
نعم يا سيد الشهداء، لا هوان بعد يومكم هذا إلا لمن هان على نفسه، فقد بينتم طريق الشرف والكبرياء، ورسمتم بدماكم الزكية خطة العنفوان والإباء، حياة مع الشرف والعزة أو موت يطيب للكرماء، فلو أنكم يا عترة الهادي لم تضنوا بنفوسكم الزكية الطاهرة في سبيل الحق وعلى مذبح الحقيقة، فبأي نفوس نضن نحن بعدكم؟ سبعة عشر رجلا من رهط النبي وخيط دمه تساقطوا زهرة فزهرة، في يوم هو ربيع بني أمية، وخريف المسلمين جميعا! فأي بلاء نخاف بعدك يا كربلاء؟ يصك أذني صوت لم يغادر صباه بعد: يا عماه
إنه "القاسم بن الحسن"، سقط ابن الإمام الذي ترك الخلافة طلبا للسلام وحقن الدماء! أهذا عهد "الحسن" إليكم يا بني أمية؟ أهذا ما صالحكم عليه من أمر المسلمين يعود إليهم؟ فما لبثتم أن خيرتم ولده وشقيقه بين البيعة لسيدكم أو الموت في الصحراء؟ أسمع صوت "الحسين" تعركه بحة شديدة يقول "الآن انكسر ظهري يا عباس"
سقط قمر الهواشم إذن، رحمك الله يا ساقي العطاشى! يا عجبا من نجوم تسقط إذا سقطت نحو السماء، وسيوف ترتفع إذا رفعت للحضيض، يا عجبي من انتصار رهط "الحسين" بموتهم وهزيمتكم بحياتكم يا عبيد الدرهم والدينار! هم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنتم جيف تترمم فوق الأرض لا في بطنها، وهاهو سيد الشهداء ينشد أنشودة الشهادة الكبرى "القتل أولى من ركوب العار، والعار أولى من دخول النار، بسم الله وعلى ملة رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"
أراه بعين خيالي واقفا وسط القتام يزود عن حريم البيت النبوي وحيدا، والسهام تتكالب عليه من كل حدب وصوب، ولو وعت السهام ما أصابته، ولو كان لها فؤاد لكانت عليه بردا وسلاما، وأراه يسقط وما في جسده مكان لضربة سيف أو رشقة سهم! فرع النبوة يسقط، نجم يعلو نحو مكانه في سماء الحقيقة ليبقى أبد الدهر! أواه يا سيد الشهداء! يالغربة الحق والعدل بعدك بين الناس يا خيط دم النبي .. قتلك البغي عطشانا في أرضنا يا "حسين بن علي"، فاهنأ بشربة من كأس جدك في الجنان لا تظمأ بعدها أبداً .. أمكنهم منك خوف الجرذان في صدورنا! ووهن العناكب في سواعدنا! وخور المخاط في عزائمنا! نحن من قتلك بسيف البغي يا "حسين" يوم سكتنا عن نصرة الحق، قتلناك ألف ألف مرة في هذه الأرض، قتلناك في كل ثائر وكل مناضل وكل صارخ في برية الحق قبلك وبعدك .. فتبت أيادينا .. تبت أيادينا!
تنقشع الظلمات لأرى سيدة ترفل في ثوب فضفاض .. إنها .. إنها "ماري"! لماذا هنا؟ وكيف؟ وما هذا الثوب؟ أراها ترتدي ثوبا من كتان أبيض وعلى رأسها طرحة بيضاء مسدلة نحو كتفيها! ما أقربك من مريم العذراء على هذه الصورة يا ماريتي؟ أو ما أقربك من .. مريم المجدلية؟ أرى خلفها سماء وسحاب، كأنها تسير في السماء! من هذا الذي يقف أمامها؟ يعترض طريقها السماوي؟ كأنه رجل؟ لكني لا أميز منه شيئا غير ظلام! رجل من ظلال سوداء! تقف أمامه منتصبة القامة شامخة الرأس، ثم ترفع يدها وبها بيضة كبيرة تتوهج بنور أبيض، تضعها في وجه رجل الظلام، يقتحم نورها وجهه الظلامي كأنه يقشعه، ها هي ماريتي تنظر له نظرة حزم وبسالة أعرفها في وجهها وتقول "في اليوم الثالث يقوم من الأموات"

انهيار برج بابل- 37

(37)
دماء في جبل قاسيون

السبت، الثاني و العشرون من سبتمبر
انطلق الزوجان بعد الظهر ليبدأ برنامج اليوم، كانت ليلتهما السابقة حافلة، فقد حضرا حفلا ساهرا للفن الشعبي السوري، عزفت فيه موشحات من ألحان "صبري مدلل" وغيرها من ضروب الطرب الشامي الذي تساعده انسيابية اللهجة على النفاذ للقلوب، فلهجات بلاد الشام التاريخي على اختلافها ذات سحر خاص وموسيقى ظاهرة، ما عدا بعض مناطق شرق الأردن وطرابلس في لبنان، لهذا قامت "ماري" غير المعتادة على السهر للصباح من نومها على صداع عنيف احتاج لقرص من مسكن قوي حتى يرحل عن رأسها الرقيق، وبعد الفطور الشامي انطلقا بسيارة الجر الرباعي التي استأجراها نحو جبل قاسيون الشهير، والذي وصل تمدد دمشق إلى سفوحه، كانت "ماري" تحتفظ برخصة قيادة دولية، ففضلا إيجار سيارة تظل معهما طوال اليوم، مستعينين بخرائط المدينة التي حصلا عليها من الفندق، فحتى لو زار "علي" مدينة ألف مرة، فمن الصعب الوثوق بذاكرته فيما يخص الطرق والشوارع والاتجاهات، كانت تعرف هذا جيدا، في الطريق أخبرته بأن اسم الجبل هو صيغة الجمع من لفظة "قاسي" في الآرامية، خلافا للعربية التي يجمع فيها بلفظة قساة، فليس في الآرامية جمع تكسير .. وصلا عند سفح قاسيون من جهته الشرقية، لتبدأ جولتهما في معالمه بمسجد الأربعين ومغارة الدم الشهيرة داخله، والتي تقول الأسطورة أن "قابيل" قتل أخاه "هابيل" فيها، وبها حجر أحمر ترجع الأسطورة حمرته لدم ابن "آدم" الشهيد! ومحرابان ينسب أحدهما للخليل إبراهيم والآخر للخضر عليهما السلام! كانت "ماري" ترتدي جينزا أزرق وفوقه قميص سماوي طويل الأكمام، فأخرجت من حقيبة يدها ايشاربا أبيض غطت به شعرها، فقد تحسبت لزيارة عدة مساجد في برنامج رحلة اليوم، وهي لا تفضل إيجار العباءات التي تنتقل من جسد إلى جسد كما فعلت في المسجد الأموي
سألته بينما يصعدان السلالم الحجرية نحو المغارة: وفقا للكتيب السياحي معي، فمغارة الدم هي أقدم معالم الجبل، أليس كذلك؟
- الله أعلم
- معقول "علي" لا يعرف؟ ماذا أصابك يا عراب التاريخ؟
- "علي" في جبل قاسيون كأي تلميذ في الصف الأول الابتدائي، ليس متأكدا من أي شيء! فقاسيون مزار أسطوري وليس تاريخيا، وأنا لست متخصصا في الميثولوجيا
- لست مقتنعا بالطبع بمسرح جريمة قتل "هابيل"؟
- مقتنع فقط أن كرات الدم الحمراء يتحول لونها خارج الجسم للسواد بعد بضعة أيام، ومقتنع أن وجود مسرح لجريمة حدثت منذ مائتي ألف عام مستحيل
عندما دخلا المغارة الأسطورية، كان أول ما بحثت عنه عيناها هو فم الجبل، والذي قيل أنه فتحه هلعا على "هابيل" يوم قتل، فبقي مفتوحا، فقد بالغ الكتيب في وصف التكوين الصخري بأنه مطابق تشريحيا للفم واللسان والأسنان والبلعوم! كأنه من نحت فنان عبقري! لكنها ما أن رأته حتى أحبطت تماما، فقد كان نتوء صخريا يمثل اللسان، فوقه قوس صخري يمثل الفك الأعلى المفترض لفم الجبل! مشهد قد تراه في الصخور في أي مكان فلا تنتبه إليه، لهذا علقت قائلة: فعلا نحت لفنان عبقري، فقط نسي كاتب الكتيب أن يقول أنه فنان عبقري عمره ثلاث سنوات!
ضحك "علي" لتعليقها وهو يشير للحجر الذي تقول اللوحة أنه كان الأداة التي قتل بها الأخ أخاه، وعلق قائلاً: وهذا الحجر الملون بأوكسيد النحاس، من المنتظر أن نصدق أنه ملون بدم "هابيل"
سارا جنبا لجنب يراقبان سقف المغارة ليعثرا على آثار كف جبريل ولفظ الجلالة، فالأسطورة تقول أن الجبل كاد يتداعي يوما بينما نبي الله "إلياس" قد آوى للمغارة هربا من حاكم ظالم، فهبط جبريل عليه السلام ودعم السقف بكفه، وتركت أصابعه أثرها في الصخور! وقفا جنبا لجنب أسفل التكوين الطبيعي الذي يفترض أنه بصمات حجرية، وبجواره ما يقال عنه لفظ الجلالة، مرة ثانية لا هذا شكل كف ولا ذاك لفظ الجلالة! فعلق "علي" قائلا: كأن أي خطوط متوازية تصبح أصابعا لكف! ولو أنكرت هذا الخرف أمام البعض سيجفل منك كأنك تقولين كفرا! رغم أن هذه الأساطير هي عين الضلال وسوء الأدب مع الله
- الضلال مفهوم، فما سوء الأدب؟
- حين نعتقد أن المغارة كادت تقع فوق رأس نبي، فأرسل الله الروح الأمين حامل الرسالات ليسندها فنحن نعتقد ضمنا أنها كادت تتداعى من باب الخطأ! وليس بمشيئة الله، وأن كن فيكون لا تسندها وتقيمها! فاحتاجت لكف الملك! فتلك إساءة أدب مع الله، لا تناسب الإيمان بطلاقة قدرته وإحكام الكون وما يحدث فيه
- سيدعون أن الهدف من الحدث بيان القدرة الإلهية
- القدرة الإلهية ظاهرة في رسوخ الجبل لا في تداعيه
- لكن الناس يحتاجون المعجزة لكسر رتابة الحياة اليومية، واستعادة دهشة الطفولة ولو للحظات، ولهذا كانت المغارة مزارا مقدسا حتى من قبل الأديان السماوية[1]
صعدا بعد ذلك لصحن المسجد المقام فوق المغارة لرؤية الأربعين محرابا التي تحتل جداره الأيمن و ينسب المسجد إليها، وتقول الأسطورة أنها محاريب للأبدال الأربعين، وهم من جاء في الأخبار أنهم من أولياء الله الصالحين وعددهم أربعون رجلا، كلما مات واحد منهم أبدل الله به غيره! وحين سألته "ماري" عما يراه في أمرهم، رفع كتفيه وهو يجيب: من قال لا أعلم فقد أفتى
لاحظ في تعليقها عندما كانا في المغارة أن المادية العتيدة تشتاق لدهشة الطفولة، فلم يرد أن يفسد عليها الجو المؤسطر لجبل قاسيون بمزيد من التفنيد المنطقي، وأوله أن مسجد الأربعين لا يتسع لصف من أربعين رجلا لو اصطفوا كتفا لكتف في جماعة
اتجه الزوجان بعد ذلك لجامع "ابن عربي" على سفح الجبل جهة الصالحية، والذي شيد على الطراز العثماني، الابن الشرعي للعمارة المملوكية بعد زواجها من العمارة البيزنطية على ضفاف البوسفور، وأسفل المسجد توجد غرفة الأضرحة وفيها ضريح شيخ الصوفية "محيي الدين بن عربي" وضريحان آخران لولديه، فضلا عن ضريح فارغ، كان للأمير "عبد القادر الجزائري"[2]، قبل أن تسترد الجزائر وديعتها بعد الاستقلال، فيحمل جثمانه لوطنه عام 1965م، كانت هذه هي الزيارة الأولى لعلي لمسجد ابن عربي كما هي لزوجته، فالتصوف وأئمة الصوفية لم يحتلا مرتبة متقدمة في اهتماماته إلا في السنوات الأخيرة .. أراد أن يداعب رغبتها الطارئة في سماع الأساطير، فحكى لها حكاية يرددها الناس عن خادم لابن عربي مات بعد مولاه، وحين اعتزم الناس دفنه في مكان بعيد عن ضريح "ابن عربي" طار نعش الخادم الوفي حاملا جثمانه ليستقر بجوار شيخه، علقت على حكايته قائلة: اليوم بحق يوم الأساطير؟
- اليوم خمرٌ .. وغدا أمر
هكذا قال مشيرا لسفرهما غدا للعراق، حتى الآن لا تكاد "ماري" تستوعب فكرة السفر للعراق في هذه الظروف، وإن كان التحدي الأكاديمي قد قضى على رفضها بضربة قاضية بمجرد سماعها عن مخطوطات من القرون الهجرية الأولى، أجابته بإجابة بعيدة عن شأن سفرهما في الغد قائلة: وهل تعتبر الأساطير خمرا؟
- مؤكد، ففي كل منهما خدر لذيذ أول الأمر لكن الإفراط في أي منهما يودي بالعقل
- وفيم تختلف الأساطير في هذا عن الغيبيات الدينية؟
لطالما تقبل الشك في الدين وحاور المشككين والمنكرين بصدر رحب، لطنه حين يسمع منها ما يوحي بعمق شكوكها يشعر بوخزة في قلبه، فقد اعتبرها مسيحية متشككة منذ كانا في المملكة المتحدة، ربما ليبقي على أمله في الزواج منها ككتابية، لهذا كان قلبه يخفق كلما سمع منها ما يوحي بغلبة الشك على اليقين في ضميرها، وحين أخبرته بحلمها بالمسيح وموافقتها على الزواج طار فرحا بالأمرين معا، فزيارة المسيح تلك حلت عقدة وعدها لأمها وعقدة تصنيفها دينيا، لكن عليه أن يتقبل مراودة الشك لليقين في كل حال، فهذا حال كل من أوغل في الشك يوما، ولا يعني هذا أنها منكرة، فهو يعلم أنها ترى الله في الكون بضميرها وإن لم تدركه بعقلها، تجاهل كل هذا وأجابها قائلاً: الغيب لله، والأساطير للبشر
مالت برأسها وقطبت حاجبيها مستوضحة وهي تنتظر المزيد، فتابع حديثه وهما خارجان من المسجد قائلاً: الغيبيات تمنحنا اضاءات إيمانية، تدور حول الخلق وهدفه ومآل الكون ونهاية الإنسان في هذا العالم، وكلها أمور خارجة تماما عن منظومة حياتنا البشرية، أما الأساطير فدنيوية جدا، تجدينها دوما مقترنة بشخص أو بمذهب أو فرقة وما إلى ذلك، وهدفها جمع العوام حول ذلك الشخص الذي تنسب إليه الكرامات والمعجزات حيا أو ميتا، أو ضم الأتباع لهذا المذهب أو ذاك من خلال تبهير تراثه المكتوب والشفوي بفيض من المعجزات الحادثة على يدي أقطابه، لإظهار تأييد الله لهم وأنهم الفرقة الناجية، وأحيانا تخترع الأساطير لهدف اقتصادي بحت هو في الغالب جذب التبرعات والنذور، والأمثلة كثيرة، منها موضوع الأبدال الأربعين هؤلاء والأحاديث المتهافته الإسناد التي تروى حولهم وتنسب للرسول عليه الصلاة والسلام، فدلالة هذه الأسطورة سياسية، وهي أن أهل الشام فيهم الأبدال، وعلى ذلك فمعاوية وجيش الشام هم الفئة الناجية في الفتنة الكبرى
- وبقية الميثولوجيا الصوفية كالنقباء والأوتاد والغوث[3]، هل كانت تهدف لجذب الأتباع كذلك ؟
- الصوفية بدأت فلسفة إسلامية، واشتق اسمها نفسه من لفظ الحكمة اللاتيني الذي اشتق منه اسم الفلسفة "صوفي"، وتأثرت بأفكار فلاسفة اليونان من جهة وبالميثولوجيا الهندية من جهة ثانية، فظهرت فيها مفاهيم مثل وحدة الوجود والغيب المطلق والحقيقة المحمدية[4] وغيرها، ثم دخلها عنصر الدروشة وانتشرت تحت مظلتها الدعوات الباطنية، وأقل الأساطير هي المنسوبة لمتصوفة بحجم "ابن عربي" و"ابن الفارض" و"الحلاج"، أما أكثرها فمنسوبة لمن يسمون الأولياء، مثل "الدسوقي" و"البدوي" وغيرهما، فالولاية بمفهومها المنتشر بين العوام هي التي قامت على التجارة بمشاعر البسطاء، وليس التصوف
عاد الزوجان للسيارة ليعودا لدمشق، وفي أثناء رحلة العودة بالسيارة، ألقى "علي" نظرة أخيرة على جبل قاسيون، وطالت نظرته كأنها نظرة وداع وهو يقول بصوت مسموع: دمشق بلد يحبنا ونحبه