2.8.08

لآليء القرآن-06

قال تعالى "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" الأنعام:125
لهذه الآية و لصحة فهمها دور كبير في فهم صحيح الدين، و هو ما سنستوفيه في باب الأمانة و الإختيار الحر من الجزء الثاني من عملنا هذا، لكننا هنا أردنا التنويه سريعا على نوع الإرادة الإلهية بالهداية و الضلال، و عن أساسها و وسيلتها حتى لا يقول قائل: لو كان الله يهدي بمشيئته و يضل بمشيئته ففيم العذاب؟ و لقد أضل هذا اللبس خلقا كثيرا، و إن كان شطر الآية الثاني يبين لنا أساس الإرادة الإلهية و وسيلتها، و بداية نقول، أنه سبحانه قد شاء لنا المشيئة و الاختيار، فلم يجعلنا مسيرين و لا مجبولين، و من هذا قوله تعالى "وما تشاؤون الا ان يشاء الله ان الله كان عليما حكيما" الإنسان:30، و بعد هذا، و باستخدام نعمة العقل و الضمير، يمكن للإنسان أن يهتدي لطريق الخير و الحق لو سمع لصوت الحق داخل عقله، فيكون للإيمان أقرب، و يجوز له ألا يفعل، فيكون للضلال أقرب، و هنا يساعد الله من سمع صوت الحق بداخله بأن يهيأ عقله للوصول للحقيقة بصورة أكمل و أوفى، و من قوله تعالى "يشرح صدره" و العكس بالعكس، و دلالة ذلك ، قوله تعالي "كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون" فالرجس لغة هو كل سلبي من الماديات أو المعنويات، فهو القذارة و هو الضلال و هو النجاسة المادية، و ما إليها، فهنا يوظف الله السلبي من الأفكار و الطروح لتسيطر على عقل من أهمل صوت الحق في ضميره أولاً، و لا يفعل الله هذا مع كل إنسان على حدة، و لكنه وضع آليته هذه في الكون و في خلق الإنسان، فتجد من يجد في طريق الخير، يسهل الخير عليه مع الوقت، فيهون عنده المال مثلاً ينفقه في وجوه الخير و البر، و تجد من تغلبه الأثرة بقراره الشخصي في البداية، تسيطر عليه المادة بآليات الحياة، فيصبح مسخراً لها، و الله لا يفعل هذا بصورة انتقامية من فرد بعينه، تعالى الله عن ذلك، و لكنه يحقق القاعدة من خلال قانون التراكم
قانون التراكم
من يرتاد علب الليل يتكون له أصدقاء مع الوقت من روادها، و مرحلة بعد مرحلة، يصبح مجتمعه كله على شاكلته، او أدنى، اما من هو أفضل فينفر من سلوكه هذا، و مع الاحتكاك بالأسوأ، يسهل على الفرد أن يرتكب الأسوأ من الأفعال، فلا يقتصر على السكر مثلا و يضيف إليه معاشرة البغايا، و هكذا، تتراكم عليه الانحرافات، و ينغمس فيها حتى يعتادها، فتحكمه بحكم الشهوة و حكم العادة معا، بعد أن كانت تحكمه بالشهوة فقط، و هكذا من سيء لأسوء في أغلب الأحيان ، و الأمر ذاته ينطبق على طريق الخير و النماء، و هذه هي الآلية الربانية التي جعلها الله في الكون لتضل من يرد لنفسه الضلال، و تهدي من سعى للهداية، فالله يضل هذا بما أراد و فعل، و يهدي هذا بما أراد و فعل، و هذا ما نجده واضحاً في الآية التالية من سورة الأنعام ذاتها "وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ" الأنعام:126، فالله قد فصل لنا معالم طريق الصلاح بحياتنا، و جعل صراط الحق و الخير و الجمال جليا واضحا، ينتهجه من أراد، فيعينه الله عليه بتعود الخير و مراكمة عناصره و مواطنه مع الوقت، كذلك نجد الآية التالية تقول "لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" فالله ولي من يعمل الخير، يعينه عليه، و الله أعلم ، و لا شك أن مبحث الجبر و الاختيار أوسع من أن نحتويه هنا

الحجة البالغة
تعضد سورة الأنعام معنى الاختيار للإنسان بين الضلال و الهداية، في آيتين لاحقتين، فيبين الله الفارق بين الفهم الخاطيء لهداية الله و إضلاله للمرء، و الفهم الصحيح لها، فيقول تعالى "سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا" فهذا الفهم ، بأن الله يضل المرء إجبارا بمشيئته تعالى هو فهم الشرك، لكن الفهم الصحيح يكون كما تبينه الآية التالية، و هي أن الله بيده الحجة البالغة، فقال تعالى "قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ" و هذه الحجة البالغة هي إكراههم على الهداية لو أراد جميعا، أو الإتيان بمعجزة لا جدال بعدها، فكل هذا في قدرة الله اللا-محدودة، لكنه سبحانه أراد لنا الاختيار، فهدي من هدي و ضل من ضل بهذه المشيئة، و جعل في طبيعتنا قانون التراكم كما سلف، ليساعد كل من المهتدي و الضال في الطريق الذي يختاره لنفسه

قال تعالى "وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ" الأنعام: 133

قلنا سابقاً أن الله تعالى قد استخلف الإنسان في هذه الأرض ككائن مبدع خلاق، و خلافته تعالى تكون بإعمار الأرض، و هنا يقول لنا الله تعالى ما يفيدنا بأننا معشر الإنسان ، و إلينا يتجه الخطاب في الآية السابقة، لسنا أول و لا آخر حلقة متحملة لمهمة الخلافة في تاريخ الكون، فالله أبدي أزلي، و الكون بلا حدود و بلا نهاية، فمن الحمق أن نعتقد أننا غاية هذا الكون وحدنا من الأزل و إلى الأبد، و في هذا الكون ذي العوالم المتعددة، و لقد فسرت التفاسير القديمة الآية بأنها خطاب لقريش ، و هذا ينقضه أمران ، الأول أن الخطاب في الآية الاسبقة لها، و التي تستمر هذه الآية لتتم معناها، موجه لمعشر الجن و الإنس ، و ثانيهما أمر لغوي بلاغي، فلو أراد سبحانه معنى استخلاف قوم من البشر بعد قريش، لاستقامت الجملة بلاغيا كما يلي: "و يستخلف من بعدكم من يشاء" لأن من هي للعاقل المعلوم كنهه من الإنس و الجن ، أما "ما" فتستخدم لغير العاقل، أو للمجهول كنهه و طبيعته، كقوله تعالى "و يخلق ما لا تعلمون" ، و لما كان الحديث هنا عن الاستخلاف في الأرض، فالحديث عن غير العاقل مستبعد، لأن غير العاقل لا يكون خليفة لله في أرضع بالعمران ، فلا يبقى إلا أن يكون عاقلاً من غير الإنس و الجن، مجهول الكنه و الطبيعة لنا نحن البشر، و قد سبب الخلط هنا نهاية الآية التي تقول "كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين" فاستدل بها المفسرون أن الحديث عن قوم محل قوم، لأن بداية الإنسان كانت آدم و هو لم يأت من ذرية قوم آخرين ، و لهذا حديث يضيق به المقام هنا، و نتحدث عنه في حينه من كتابنا بإذن الله


قال تعالى "وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ" الأعراف: 46
العرف في اللغة هو كل مرتفع عما يحيط به، فهو الأرض المرتفعة أو المكان المرتفع، و الآية تخبرنا عن حجاب بين النار و الجنة في أولها، و قد يكون هذا الحجاب أي شيء يحجب رؤية الجنة و طبيعتها عن أهل النار، و العكس صحيح، و ليس بالضرورة السور التقليدي الذ تخيله المفسرون القدماء، فقد يكون سوراً أو لا يكون، ثم تخبرنا الآية عن قوم على الأعراف أو المرتفعات، و قد ربطت التفاسير القديمة الأعراف بهذا الحجاب، فقالت أن الأعراف حجاب بين الجنة و النار، و هو ما نراه غير متوافق مع البناء اللغوي للآية الكريمة، فإما أن تكون الأعراف كمنطقة وسطى بين الجنة و النار من حيث ساكنيها، جزء محدد من الحجاب، أو لا تكون على علاقة بهذا الحجاب، لهذا لزم تحديدها، و لو كانت مرادفا له ما حددت في اللفظة التالية، و لكان السياق الأقرب "و بينهما حجاب و عليه رجال" فالإطناب و آلياته ليست معتادة في لغة القرآن، و كل لفظة لها معناها اللغوي و البياني ، و الغالب في أهل الأعراف أنهم قوم تساوت موازينهم بين الخطأ و الصواب، أو قاربت من التساوي، فلم يستحقوا في حكمه تعالى عقاب النار أو ثواب الجنة ، و هناك حديث نبوي شريف يقول عنهم "هُمْ آخِرُ مَنْ يُفْصَلُ بَيْنَهُمْ مِنَ العِبادِ، وَإذَا فَرَغَ رَبُّ العالَمِينَ مِنْ فَصْلِهِ بينَ العِبادِ، قال: أنْتُمْ قَوْمٌ أخْرَجَتْكُمْ حَسنَاتُكُمْ مِنَ النَّارِ وَلمْ تُدْخِلْكُمُ الجَنَّةُ، وأنْتُمْ عُتَقائي فَارْعَوْا مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتُمْ" فهو تعالى يغلب جانب الرحمة فيعتقهم من النار و يدخلهم الجنة
و لهذا، فما جاء في القرآن من المصائر للناس يوم الدين، هو إما عذاب لمن غلب الشر على الخير في عمله، و من الشر الكفر بالله استكبارا بعد أن يقتنع المرء و يسمع صوت الحق بداخله، أو الثواب لمن غلب الخير الشر في عمله كمجمل أعمال، فكان أثره على الدنيا و على الخلافة في الأرض موجباً، و إما الأعراف لمن تساوت سيئاته و أعماله، أما منطق قضاء عقوبة مؤقتة في النار ثم العتق و الإفراج و دخول الجنة، و هو اعتقاد شائع لدى الكثيرين، فهو ما لا نجد عليه في كتاب الله شاهدا، إلا ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى "ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً" و هذا حديث عن الصراط و ليس عن النار ، فلا يدخل النار إلا آبد فيها و لا يدخل الجنة إلا آبد فيها، فكلاهما دار بقاء ، و أما القول بالعذاب المؤقت هذا فهو قول المشركين حين حسبوا أن العذاب لا يمسهم إلا أياما معدودات، فكذب الله زعمهم، و ذلك في قوله تعالى "وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" البقرة: 80

قال تعالى "قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" الأعراف: 188
في هذه الآية الجليلة، يأمر الله سبحانه و تعالى نبيه و رسوله و المصطفى من خلقه صلوات الله عليه و سلامه، أن يجيب من يسأله عن علم الساعة و تحديد موعدها، برد ذلك لله كما في الآية السابقة، ثم الاقرار لذاته صلى الله عليه أنه بشر مجرد من كل قداسة أو خصوصية تنفي بشريته و تقيده بعلم الشهادة ، و بلأنه كبشر أمره و حياته و نفعه و ضره بيد الرحمن سبحانه، و لا يملك من أمر نفسه شيئاً ، فلو كان هذا هو حال النبي، فهل لنا بعد هذا أن نثق بكلام كائن من كان من أرباب الطوالع أو قراءة الكف أو الودع أو غيرها من الخرافات التي تروج في العالم عامة و لدينا خاصة؟ كل ما هو مستقبلي، يخرج عن اطار علم البشر، كل البشر، و لا يعلمه إلا الله، لأنه سبحانه و تعالى خارج منظومة الزمان، فهو خالق الزمان و آلياته النسبية، و الله ليس متزمنا بزمن، لذلك لديه علم الغيب ، فلا يؤمن بهذه الآية الكريمة من يؤمن بقدرة دجال على معرفة شيء غير ما يشهد من الحوادث مثله مثل غيره ، كذب المنجمون و لو صدفوا، ثم يعطينا الله دليلا عقليا على استحالة معرفة بشر لعلم الغيب، بقوله تعالى "وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ" و هو أن من يعلم الغيب يستطيع أن يستأثر بخير الدنيا لنفسه دون غيره، فلو كان هناك من يعرف المستقبل و يتكهن به، و بدأ بعدة مئات من الدولارات في البورصة العالمية، أفلا يصبح مليارديرا خلال فترة وجيزة من الوقت؟ فلماذا يضطر من يدعون هذه القدرة لإرهاق أنفسهم بتقديم خدماتهم الغيبية لقاء بضعة جنيهات أو حتى آلاف الجنيهات؟

قال تعالى " خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ" الأعراف:199
في هذه الآية الكريمة، يأمر الله رسوله بثلاثة أمور، أولها أن يختار العفو على الناس، و العفو على من أساء ما كان للعفو طريق، فلو خير بين أمرين يأخذ أقربهما لروح العفو صراحة أو ضمنيا، كلياً أو جزئياً، و هذا يفسر تسامحه صلى الله عليه في أمر من جاءه يقر بالزنا، فأخذ بسأله "لعلك قبلت ..... لعلك كذا و كذا" و كذلك المرأة التي جاءته محصنة مقرة بالزنا فأخرها لتلد، ثم لترضع ابنها، ثم لتربيه حتى يشتد عوده، و كان بكل مرة يعطيها فرصة لتذهب فلا تعود، لكنها تابت توبة تسع أهل الأرض، فأصرت على العقاب كفارة لذنبها، فهذه كانت خلق النبي في تطبيق الشريعة، و لو أننا نعلم ان خلق غيره اليوم ستتسع لهذا القدر من العفو لرحبنا بدعوة دعاة تطبيق الحدود، فلم يكن نبي الله متعطشا لغير العفو، أما من يطالبون اليوم بالحدود فلا يتعطشون لغير الدم و الرجم ، و مثل العفو في الحدود، يكون العفو و التسامح في المال، فالعفو في تحصيل المال هو التسامح فيه و في اقتضائه، سواء كان المال هو مال الزكاة، أو مال مقترض، أو غير ذلك ، ثم يأمر الله نبيه أن يأمر بالعرف، و قد سبق أن شرحنا قاعدة المعروف و المنكر النسبية في القرآن و بينا أن المعروف في زماننا هو القانون الذي تعارف عليه فقهاء الأمة من القانونيين و نواب الشعب، فكأن الآية أمر للرسول أن يأمر باحترام القانون كواجب ديني ، ثم يأتي الأمر الأخير من الله لرسوله بالاعراض عن الجاهلين، و لما كانت الآية تأمر بالتسامح و العفو و احترام ما تعارف عليه الناس من خير، فلا نحسبن الجاهلين في هذا الموضع، الا المتشددون فيما يرونه الحق، و هواة المخالفة للناس و المجتمع لمجرد المخالفة، فترى الجاهل منهم يرتدي زيا بدويا سعوديا، أو زيا باكستانيا أو أفغانيا!! و هو أمر لا هو من الدين، و لا هو من العرف، و لا هو من الانتماء و التناغم مع المجتمع ، أو تراه ينقب زوجته بتغطية وجهها، و هو جهل لأنه ينفي المسئولية الجنائية ، بطمس الشخصية و الهوية ممثلة في الوجه، فلو ارتكبت منتقبة أو منتقبا جريمة نكراء أمام الناس و فر أو فرت، لن يكون هناك شهود على أوصاف الجاني ، و طمس الهوية و المسئولية الجنائية بالتبعية هو أمر منكر و من الواجب منعه قانونا في أي بلد يحترم القانون، و للمرأة أن تغطي عدا وجهها ما شاءت، و عموم القول أن الجاهل هنا هو المخالف لمجتمعه في غير الحرام، فالمخالفة في الحرام واجبة، أما المخالفة للمخالفة فهي شذوذ منكر، و المتنطع البعيد عن العفو فيما يخص خلق الناس و أعمالهم

قال تعالى " وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ" الأعراف: 205
الآية واضحة غنية عن الشرح ، و فيها أمرنا بالإكثار من ذكر الله في أنفسنا، و ليس على الملأ من الناس أو أمام العدسات و أضوائها المبهرة ، و أن نفعل هذا صباح مساء، بدون الجهر مثلا بقولنا "سبحان الله" بين كل كلمة و أخرى كلازمة إعلامية تسويقية يقصد منها الارتباط بالداعية في ذهن السامع ، و إظهار شدة الورع و التقوى ، حتى نقبل من المتحدث أي كلام هش و متداع يصدر منه، دون تمحيص و تدقيق، لانه يخضعنا بهذا لمؤثرات نفسية هستيرية تغشى على عقلنا، و دلالة الآية واضحة جلية، الله يريدنا عبادا مخلصين و لسنا أفاقين منافقين إعلاميين ، و ذكر الله منه بالطبع البسملة و الحوقلة و التسبيح و الحمد، و لكنه ليس بقاصر على هذا، فالتفكر في كتاب الله ذكر لله وجوبا، و النظر في كونه و في أنفسنا ذكر لله بتأمل بدائع خلقه ، و في هذه الآناء مع التفكير العميق، تخرج الحوقلة و الحمد منا عميقة أشد العمق، مع لحظة اكتشاف معنى جديد يكمن في آية، او عبرة في مشهد من الحياة




قال تعالى "إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" الأنفال:22
تحدثنا الآية عن فئة من الناس، لو أردت أن تحاورها فيما فيه صلاح أمرها، لا تنصت إليك و لا تسمع و لا تحاور، و لكن تتصلب على رأيها كأن بهم صمم ، و لا يقولون جديدا إلا تكرار كلمات حفظوها كالأبكم يكرر حرفاً أو حرفين، و منهم اليوم، الجامدين في فهمهم لدينهم على ما وجدوا عليه آباءهم، فلو قلت لهم هلموا للحوار العاقل، لا تخرج من حوارهم بشيء إلا ترديدهم ما حفظوا عن ظهر قلب، ثم تسوق لهم الدليل تلو الدليل، فلا تجد منهم أذنا صاغية، أولئك شبههم الله أفضل تشبيه و هو تشبيههم بالدواب، ذلك أنهم ألغوا الميزة الإلهية التي منحها الله جل و علا للإنسان، و هي العقل الناقد الذي يفرز ما يسمع فيكشف منه الغث من السمين

31.7.08

انهيار برج بابل- 13-14

(13)
البحث عن فلك نوح

الشمس ساطعة في السماء، تلمع صورتها على صفحة الفرات كالذهب، وعلى ضفته تلاحمت بيوت من الآجر، مدينة من مدن العراق التي بنيت بعد الفتح إذا، فقبله كانت المباني الحجرية هي الأكثر شيوعا على ضفاف الفرات، أرى منازلها تنتظم في قطائع متقاربة كأنها تتكئ على بعضها بعضاً .. فكأني بها تصنع في مجملها دائرة! هذه هيئة الكوفة في نهاية القرن السابع للميلاد، الكوفة .. مركز الدعم اللوجيستي لجيش المشرق، لم تكن هذه الأرض مأهولة حتى أراد قائد جيش المشرق "سعد بن أبي وقاص" أن يبني نقطة انطلاق وإمداد لجيوشه المغيرة على المدائن عاصمة الإمبراطورية الساسانية، وتكون كذلك مثابة لهذه الجيوش إذا عادت للكر، حيث كان القادة يفضلون البعد بمعسكراتهم عن المدن المفتوحة حفاظا على انضباط الجنود وحدا من المظالم وانتهاك الحرمات التي قد تحدث عرضا من راغبي الدنيا بين الجند، فعهد "سعد" لسلمان الفارسي باختيار موقعها وبنائها لتكون "كوفة الجند"، أي معسكرهم .. اختار "سلمان" هذه البقعة طيبة الهواء على ضفاف الفرات وخط مدينته، ثم بدأ فبني بها المسجد الجامع وداراً للأمير "سعد"، ثم دورا للجند في قطائع تتحلق حول المسجد، وها هي دار الإمارة هناك، يلتصق بها بيت المال من ناحية، ومن الناحية المقابلة نهدة من الأرض عليها بيت منتظم البنيان هو .. هو بيته .. بيت "علي بن أبي طالب" حين سكن الكوفة، البيت الذي مازال قائما حتى اليوم كواحد من أهم المزارات الشيعية في العراق، ففيه قضى الإمام الثلاثة أيام الأخيرة من حياته جريحا كليم الفؤاد، وفيه غسل جثمانه الطاهر وجهز للدفن، ويح قلبي يا ابن عم رسول الله .. في المدينة المنورة "علي" .. وهنا في العراق "علي" .. فإلى أين ستأخذني في المرة القادمة يا أمير المؤمنين؟
ها هو مسجد الكوفة يبدو صغيرا بسيط البنيان، فنحن في نقطة زمنية بين عامي 630 و650م قبل توسعته، كم شهدت يا مسجد الكوفة من الأحداث؟ وكم عرفت من عظام الرجال؟ ومن صغارهم أيضاً؟ أسير حتى أبلغه فأقف بالباب، فأرى المنبر الذي خطب فوقه أمير المؤمنين يوما، هذا هو الباب الشمالي للمسجد إذن؟ باب الثعبان؟ حيث ادعى البعض أن جنيا دخل منه ليسأل "علياً" في أمر من أمور الفقه، فدخل في هيئة ثعبان حجمه كالفيل![1] كم يعشق المهمشون حشيشة الأحلام التي يلوكونها صباح مساء! الأساطير تسعدهم وتربت على عقولهم النائمة في حنان بالغ، لهذا يحبونها ويرفضون الاستغناء عنها، أما صوت العقل فيطرح إشكاليات تصدع رؤوسهم المصدعة بالفعل من هموم السعي على الرزق، لهذا يرفضونه ويكرهونه .. أهم بخلع حذائي لأدخل المسجد، فأجدني حافياً! فهل هي إشارة لموتي كذلك؟ أخشى أن أنظر لجسدي حتى لا يفاجئني مشهد كفن يلفني! أدخل لأرى في صحن المسجد مصطبة مرتفعة عن الأرض قدر شبر، يصر العوام أنها القاعدة التي بنى عليها النبي "نوح" سفينته، وقد ظنوا هذا لأن الفرات عودهم أن يفيض كل عام بمائه القادم من تركيا، فيغمر بيوتهم وزروعهم، حتى احتاج المسجد لرفع مستواه أكثر من مرة حتى لا يغمره الماء، واليوم تحتاج لأن تنزل بسلم حلزوني من صحن المسجد لتقف على تلك الأرض التي أقف عليها أنا الآن .. الآن .. واليوم .. هل يعرف أحد وهو في حلم أنه كذلك؟ أدركني يا الله، أنا في حلم وأعرف أنه حلم، فلماذا لا أستيقظ؟ هذا الصداع كم أكرهه
أذكر كيف يبدو المسجد من الداخل في عصرنا تماما كأني أراه أمامي، فقد تعددت زياراتي له خلال بحثي في العراق .. ما أصعب العيش في عصرين .. اليوم يظهر في منتصف المسجد سلم حلزوني يهبط لأرضية المسجد القديمة، وعليها المقامات الأصلية، ومصطبة السفينة، ومازالت قصة سفينة "نوح" تلك تردد على آذان أطفال الكوفة حتى اليوم، فيحكى لهم كيف كان فناء بيت "نوح" في موقع المسجد، وكيف بنى فيه الفلك التي حملته وذريته ومن اتبعه على الحق واثنين من كل زوج من الطير والحيوان لبر الأمان
...
يتبدل المشهد .. ويخفت الضوء .. أرى قاعة محاضرات مظلمة وشاشة عرض بلازما عليها صورة للمسجد بسلمه الحلزوني، فهل هو حلم داخل حلم؟ هل يعرف من يحلم أنه يحلم أم أن هذه أعراض الجنون؟ خلف البوديوم الخشبي يقف الدكتور "سلمان العقيبي" أستاذ التاريخ الإسلامي بتلك الجامعة الخليجية الشهيرة، وهابي عتيد، يضايقني الانطباع الذي يتركه عن الأكاديمي المسلم حين نكون بمحفل عالمي، تذكرت الآن .. لقد حضرت هذه المحاضرة منذ سنوات، أذكر تماما أقواله المرسلة عن سفين "نوح" عليه السلام، والتي خلط فيها بين العقيدة الدينية والنص التاريخي والموروث الشعبي، محاولا الخروج بنتيجة محددة سلفاً، وهي انطلاق السفينة من فناء بيت "نوح" في الكوفة لتستقر فوق جبل تندوريك في تركيا، والذي أصر "سلمان" على تسميته بالجودي وفقا للنص القرآني[2]، آخر ما يصلح له هذا الرجل أن يكون مؤرخا معاصرا، فهو يحتذي أسلوب "المقريزي" و"ابن كثير" و"ابن خلكان" في عصر تجاوز هذا كله! وهاك صوته يرتفع وهو يشير لشاشة العرض بيمينه التي يتألق فيها خاتم فضي مطعم بالماس، ويقول: نعم، بحثنا يعيد الثقة لنظرية جبل الجودي المسمى بالتركية تندوريك، فالتكوين هنا ليس تكوينا طبيعيا كما يدعى السادة "دافيد فاسولد" و"آلان كولينز" في تقرير عام 1996م[3]، تقرير تحيطه الشكوك من كل جوانبه، نعم
يكرر "العقيبي" لفظة نعم كثيرا في حديثه، ابتسم وأنا أتصور الإعلانات المدفوعة التي ستنشرها مؤسسات تمويل أبحاث الإعجاز العلمي بصورة مقالات في أعرق الصحف العربية حول الموضوع، وكيف ستجد الجرائد الوهابية من لندن للرياض مادة جذابة في البحث المتهافت، فتنشره تحت مانشيتات من عينة "عالم مسلم يثبت بالأدلة القاطعة صحة الرواية القرآنية لقصة "نوح" عليه السلام وخطأ رواية الكتاب المقدس" بينما الحقيقة كالعادة أنه لا توجد أدلة ولا قرائن ولا يحزنون! .. أرى أحد الحضور يرفع يده ليستأذن في النقاش، بدا لي من هيئته يومها أنه بريطاني، وأكدت هذا لكنته الرصينة المنمقة وهو يتحدث الفصحى بطلاقة نسبية، فقال: عذرا بروفيسور "سلمان" ولكن هل لديك تصور واضح للإطار الزمني للحدث؟ أعني حدث الطوفان؟
أعجبني دوما في الأوروبيين قدرتهم على مناقشة حتى أسخف الأطروحات بجدية، وبغير أن تلح على وجوههم ابتسامة السخرية، ولا أنكر أنها فضيلة أفتقدها في نفسي، فهاأنذا أغالب ابتسامتي بينما يشرع "سلمان" في الإجابة وهو يحرك شماغه[4] الأبيض الأحمر ويعدل من وضعه فوق رأسه باهتمام، ثم يقول: سيدي نحن نتكلم عن عصور سحيقة القدم، نعم، عشرات القرون قبل بداية الكتابة في سومر القديمة أو مصر، في مثل هذه الحالات يستحيل تحديد إطار زمني إلا من الحفريات ذاتها، والتي لم تكتشف بعد!
- هذا يعني أنك تصطاد حيوانا لا تعرفه! لنفرض أنك وجدت مجموعتين من البقايا تصلح لتكون فلك "نوح" المنشود، وفحصتها بالنظائر المشعة فتبين لك أن واحدة ترجع لعام 30 ألف قبل الميلاد والثانية لعام 60 ألف، أيهما سترجح؟
- مركبين على قمة جبل؟ عن جبل نتحدث أم عن قاع الأطلسي؟ سبحان الله!
- ما تسميه اليوم قمة جبل اليوم ربما كان وهدة من الأرض عام 60 ألف قبل الميلاد، بل ربما كان قاع المحيط كما قلت أنت مازحا
يتقدم "سلمان" نحو محدثه البريطاني بضيق واضح في خطوته وتعبيرات وجهه، وإن حاول أن يحتفظ بنبرته هادئة وهو يقول: لماذا كنتم تبحثون إذا عن نفس القطعة فوق جبل آرارات منذ بضع سنين؟
- عفوا؟ من تعني بقولك كنتم؟ لم أبحث عن أي شيء هناك
حتى البريطاني فقد السيطرة على سخريته! كالعادة نتكلم عن الأمريكيين والأوربيين فنضعهم في سلة واحدة نسميها الغرب، ثم نتوهم حربا يتجدد أوارها بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، بينما العالم المسيحي ذاته تخلى عن مسمى كريستيندوم[5] هذا منذ قرون!
يقلب الدكتور "سلمان" يده ناظرا في ساعته وقد حلا له إنهاء اللقاء قبل المزيد مما يعده سفسطة، لكنني حلت لي مداخلة سفسطائية، فطلبت الكلمة وطرحت سؤالي قائلاً: لماذا تفترض أن الجودي في القرآن وآرارات في التوراة مختلفان؟ لماذا لا يكون الجودي بالعربية هو الاسم المعبر عن ذات الجبل المذكور في التوراة السريانية باسم آرارات؟
- الفارق اللفظي أبعد مما يحتمل التصحيف
- لفظة آرارات ليست أبعد عن الجودي من تندوريك، وهو اسم الجبل في كل الخرائط، والذي يعرفه به سكان المنطقة جميعا، لكن الأسماء لا تعني شيئا، وهاك المثال: كانت مصر على عهد قدماء المصريين تسمى "كيمبيت"، أي الأرض السوداء، ثم أطلقوا عليها صفة "ثاميرا" - أي الخصبة - فيقال "كيمبيت ثاميرا"، ثم استخدمت "ثاميرا" وحدها كاسم، ثم استخدم الهكسوس اسم الإقليم الأكبر في الوجه البحري الذي احتلوه وهو "هيكوبتاح" - أي أرض الإله بتاح – كاسم لمصر كلها، فحورت مع الوقت إلى "كوبتا"، فأسماها اليونان حين احتلوها "كوبتاس" بإضافة المقطع اليوناني التقليدي "us" ومنها أصبحت "آيجيبتاس" ثم "إيجيبت" اليوم[6]، فما علاقة هذه الأسماء ببعضها؟ تباعد الأسماء ليس قرينة على اختلاف المسميات؟ وهل كان أحد يسمي الجزيرة العربية قبل الحرب العالمية الثانية والمخطط الإنجليزي الشهير باسم السعودية؟
يجيبني متصنعا الفكاهة بينما يظهر الضيق عليه من حركة ساقه العصبية تحت الثوب الأبيض: متخصص في التاريخ الفرعوني أم الإسلامي دكتور؟ ولكن ماذا عن لفظة مصر؟ نعم .. ما مصدرها؟
- هناك رأيان، الأول أن "مصر" تعني الحضر المتمدن في لغة عرب الشمال، دعوها بهذه الصفة حين صعبت عليهم الأسماء القبطية واليونانية، أما الرأي الثاني فهو للدكتور "عبد الحليم نور الدين"، ويقول بأنها اشتقت من الأصل المصري القديم "مِجِرْ" بمعنى محمية[7]، وكان يطلق على "كيمبيت" فيقال "كمبيت مجر" أي "مصر المحروسة"، تعبير مصري ضارب في القدم مازال مستخدما لليوم، ثم استخدمت "مجر" وحدها، وصحفت إلى مصر مع الفتح العربي
وهنا سألني "سلمان" بشغف من وجد غفلة ينقض منها على فريسته: ولكن القرآن الكريم ذكرها باسم مصر
- القرآن نزل بلسان عربي، وبلسان قريش تحديدا، فسميت باسمها الشائع بينهم، ولو أنزل الله كتابه بالقبطية لسميت فيه "كوبتا" كما أطلق عليها أهلها في الحقبة القبطية
يعود ليسأل مجددا أمله في تفنيد المثل الذي ضربته فيقول: وماذا عن "مصراييم بن نوح"[8]؟
- رواية توراتية بلا أساس تاريخي، رددها رواة مسلمون نقلا عن اليهود، فشاعت في الكتب التراثية
- حسن جدا، لنرجع للموضوع
- ملحوظة أخيرة دكتور "سلمان"، النسخة الآرامية من التوراة سمت الجبل الذي رست عليه السفينة باسم كاردو، أي جبل الأكراد
- نقطة ممتازة
هكذا علق البريطاني الذي بدأ الحوار على ملحوظتي، بينما هز "سلمان" رأسه في عدم اهتمام ثم استدار عائداً نحو البوديوم، فأقوم أنا وأتجه لباب القاعة متحسسا جيوب سترتي بحثا عن سجائري وولاعتي، إلى متى يحاولون إثبات ما لا يحتاج لإثبات؟ إلى متى خلط الأوراق؟ أما اكتفينا من البقاء في موقعنا المفضل في ذيل العالم؟ .. أشعل سيجارتي بعد أن أغلقت باب القاعة خلفي ثم أقطع الممر الطويل الذي يصل باب القاعة بالبهو الخارجي حيث أقداح القهوة الساخنة، ها هي "ريما نمر" أستاذة الدراسات الشرقية في المعهد الألماني بلبنان تدخن سيجارة مع قهوتها، تماما كما رأيتها تقف يومها، يا إلهي ماذا أسمي هذا؟ حلم أم فلاش باك لأحداث حياتي؟ أم لأحداث حياتي الحالية وحيوات سابقة؟ أستغفر الله العظيم، لو استمر بي الحال هكذا فسأنتهي كراهب بوذي في التبت! ما علينا من هذا .. ما زلت حلوة وفياضة برواء الشام التاريخي يا "ريما" كأن الزمن لا يمر ببابك، رقيقة برغم النظارة والبدلة الرسمية ذات اللون الرمادي الوقور؟ أتجه نحوها مبتسما لأحييها: صباح الخير "ريما"
- أسعد الله صباحك، كيف حالك بعدما سمعت بالداخل؟
- مازلت حيا
مدت ذراعها مصافحة وتحدثت بلهجتها اللبنانية التي تختلط فيها عذوبة الجبل بسلاسة البقاع، فقالت: توقعت أن أجدك هنا حين خرجت لأدخن، لم أتوقع أن تحتمل هذا الهراء طويلا
أوميء برأسي موافقا ومبديا امتعاضي وأجيب: عمر البشرية العاقلة على الأرض مائتي ألف عام، و"نوح" كان ثاني الأنبياء بعد آدم بفارق لا يزيد عن عشرة قرون، معنى هذا أنه يبحث عن سفينة بنيت منذ تسع وتسعين ألف سنة! دهر مرعب يكفي لتحويل السفينة إلى رماد تذروه الريح
- المبدأ ذاته ليس مقبولا، توقف العالم منذ مائة عام عن القول بتاريخية التوراة، فمتى نتوقف نحن عن خلط الدين بالتاريخ؟
- العالم لم يتجاوز هذا السخف تماما، في 1993 خرج علينا أحد مهاويس تاريخية الكتاب المقدس بقصة التكوين الجليدي فوق جبل آرارات في تركيا، فأثبت البحث الجاد أنه تكوين طبيعي، وكذلك الحال مع ظاهرة "دوربينار"[9] التي يتكلم عنها "سلمان"، تكونت بعثة وفحصت كل شيء وقررت أنه تكوين طبيعي يشبه قاع سفينة، حتى الأثقال الحجرية التي كانت تستخدم لحفظ اتزان المراكب في البحر الهائج - والتي وجدت غير بعيد من الجبل - أثبتت الدراسات أنها حديثة جدا[10]
- هذا لا يغنينا عن إعادة الكرة، فربما خدعنا الأمريكيون! تعلم أننا فطنون فوق العادة
هكذا قالت "ريما" ضاحكة وهي تطفيء سيجارتها في المنفضة العمودية المثبته على الأرض، قبل أن تستأنف قائلة: متى تتناول غداءك؟
- سأرد على بريدي الإلكتروني أولا، ربما في الثانية عشرة والنصف
- هاتفني بغرفتي لو أردت لنتغدى سويا
- بالطبع، تقبريني "ريما"
...
صوت قوي يلقي السلام، كأنه يلقيه على جمع كبير، وتتغير الصورة أمام عيني قافزة للماضي، فأفقد صورة "ريما" ويظهر أمامي مسجد الكوفة ثانية، أتذكر الصوت الرخيم، إنه صوت "علي"، وها هو فوق المنبر يتكئ على سوره الخشبي بيمناه، زاد الشيب في شعره ولحيته كثيرا، حتى بدا وكأنه في العقد الثامن من العمر وإن كان بعد في أول السابع، يتبدى على محياه كرب شديد، أراه يعقد حاجبيه الكثيفين، ويزفر زفرة تحمل لهيبا من صدره العريض وهو ينظر للجموع أمامه، ثم يبدأ بمأثورات استهلال الخطبة بصوت هادئ، كأنه هدوء يسبق عاصفة، وتبدأ العاصفة بالفعل مع ارتفاع حاد في صوته حين انتهى من الدعاء المأثور فقال: "أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، ألا وإنني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، سرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان .. فيا عجبا! يا عجبا!"
يصمت برهة كمن يكظم غيظه ثم يقول وهو يرمق القوم أمامه بنظرات تلتهب كمداً: "يميت القلب ويجلب الهم اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم .. فقبحا لكم وترحا .. صرتم غرضا يرمى؟ يغار عليكم ولا تغيرون؟ وتُغزَون ولا تَغزُون؟ ويعصى الله وترضون؟ ويعصى الله وترضون؟ ويعصى الله وترضون؟"
قال جملته الأخيرة مجلجلاً، لعلهم يفيقون، أراه الآن يطيل النظر فينا، نعم .. فينا .. فأنا جالس بين أهل الكوفة، أتفرس بوجوه من حولي، فمن هؤلاء من كانوا جنده يوم عسكر قرب الكوفة بعد النهروان، كان عازما أن ييمم صوب الشام للقاء "معاوية"، ليحسم أمر والي الشام المتمرد على الحاكم الشرعي، لكن مطلبا شاع بين الجند بالراحة، فلم يجد بدا من الموافقة وعسكر بهم خارج المدينة، وطلب إليهم ألا يدخلوها فينفرط عقدهم ويغلبهم التراخي، وحدث ما خشي منه، فأقام هناك ليرى جنده ينسلون من معسكره رجلاً فرجلاً حتى لم يبق في معسكره إلا نذر يسير لا يصلح لزحف
يطيل الإمام النظر فينا، ينتظر ليرى وقع كلامه علينا، أو عليهم، فلا يجد غير التواني في وجوههم وهم يشيحون بأعينهم من مواجهة عينيه الثاقبتين، يزم شفتيه في أسى مرير، قبل أن ينطلق صوته هادرا كالرعد يقول: "يا أشباه الرجال ولا رجال! قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيظا وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن "ابن أبى طالب" رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب .. لله أبوهم! وهل أحد منهم أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وهأنذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع .. لا رأي لمن لا يطاع"[11]
كم قرأت هذه الخطبة وأنا أتصورك بموقفك هذا يا أمير المؤمنين؟ موقف الحق المخذول من أشباه الرجال؟ وكم بدنيانا من أشباه وأقزام! ما زالوا كما هم يا أمير المؤمنين، ما زال العرب كما هم، خذلوا كل داعٍ للحق بعد أن خذلوك، وحشدهم للباطل كل أفاق بعد أن حشد "معاوية" من أهل الشام مائة ألف جندي على الدرهم والدينار، على هذا كان دأبهم حتى صاروا قاع العالم ومهزلة التاريخ! نعم سيدي، فأصحاب الرؤوس المنحنية أمامك اليوم هم أنفسهم من قبلوا بصاحب القرد "يزيد بن معاوية" خليفة! وهم من خذلوا الثائر "عبد الله بن الزبير"[12] حتى صرعه "الحجاج بن يوسف" ثم مثل به بعد أن قصف الكعبة بالمنجنيق[13]، هم بذاتهم من تركوا دم المظفر "سيف الدين قطز" يذهب هدراً وأقسموا يمين الولاء لقاتله[14]، ومن ظهورهم خرج "حسن بن مرعي" الذي خان "طومان باي" وسلمه لعدو الوطن تقربا وزلفى![15] ومن أحفادهم انحدر من خذلوا "محمد كريم" في محبس الفرنسيين، بعد أن حكم عليه بفدية قدرها ثلاثين ألف ريال أو الإعدام بالرصاص عقابا على مقاومة المحتل! فوقف الزعيم الذي بذل ماله في المقاومة يهيب بالناس من محبسه، ويقول "اشتروني يا مسلمين .. اشتروني يا مصريين"[16]، ولكن .. لا حياة لمن ينادي، وهم من خانوا بعد هذا فرصة الوحدة العربية الأخيرة في الخمسينات والستينات لضعفهم أمام دولارات البترول[17]، هم من صالحوا اسرائيل ليفرغوا لقصف ليبيا[18]! هم بذاتهم في كل حين وكل قطر، في مصر أو الشام أو العراق أو الجزيرة، أشباه الرجال أمة واحدة، مهما تباينت الأسماء والأزمان والأماكن!
...
والآن، ألا يكفي هذا حلما ليوم واحد؟ أشعر بثقل فوق صدري .. أتمنى لو أفيق من هذا النوم المرهق كالسفر الطويل، لكن المشهد يتبدل لأرى مجلسا لوجوه تعرف بسيماها، هو مجلس لصحابة رسول الله وإن لم أميز شخوصهم، لكنني أحسهم، وأشعر بمجلسهم كأنه يضاء بنور الحقيقة، لا أسمع ما يتناجون به، حتى يدخل عليهم رجل سمين عظيم البطن مائل للطول، وعليه رداء من حرير قرمزي مذهب الأطراف، إنه "معاوية بن أبي سفيان"، نعم ومن غيرك يا "أبا يزيد"؟ من غيرك فض هذه المجالس النورانية للأبد؟ أراه يصافح الجمع الكريم فردا فردا، ثم جلس بينهم، وها هو يميل تجاه أحدهم، فيقول بصوت جهوري قصد به أن يسمع الجميع وإن وجه الخطاب لأحدهم: "يا عمار، إن بالشام مائة ألف فارس يأخذون العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليا وقرابته، ولا عمارا وسابقته، ولا الزبير وصحبته، ولا طلحة وهجرته، ولا يتقون سعدا ودعوته، فإياك أن تقعد غدا في فتنة تنجلي فيقال: هذا قاتل عثمان وهذا قاتل علي"
أتهدد بقتل "علي" لو قتل "عثمان"؟ فمالك لا ترسل بعضا من آلافك المائة لتنقذ الخليفة الذي حاصره الثوار وتثبت الأمن في المدينة لو كنت تحرص على دمه؟ أم أن الدرج الذي نويت اعتلاء كرسي الحكم عليه يحتاج لدم الرجل الصالح، الصحابي الكريم الذي حجبتم عنه الناس والحقائق؟ أتراك أردت دمه لتحصل على شرعية بين مرشحي الخلافة؟ شرعية ولي الدم المطالب به؟ .. مائة ألف فارس! مرحى يا أبا يزيد، أسمعتهم رنين الذهب وقرع السياط وملكت جنود المال وعبيد العصا فدانت لك الأرض، ألا رحم الله من لم يتألف بمال ولم يهدد بسطوة .. لماذا؟ لماذا ينتصر الضلال فيك يا دنيا على الحق؟ ولماذا لا يعتدل في أرض العرب أمر إلا لينحرف؟ لماذا كتب على أرباب الحكمة والعدل أن يبذلوا أرواحهم لمجرد إثبات موقف شريف، بينما يرث الدنيا أصحاب العصا والجزرة؟ لماذا لم تستمر دولة الكفاية والعدل التي أسسها رسول الله على التقوى، ولم يقدر لدولة الشيخين "أبي بكر" و"عمر" أن تتوالى حلقاتها الراشدة؟ لماذا قتل "عمر" بعد أربعة ليالٍ من عزمه على رد فضول مال الموسرين إلى الفقراء؟ ولماذا وصلت الخلافة لعلي بعد أن انفرط العقد واحتلت الدنيا قلوب الناس؟ لماذا لم تستمر دولة خامس الراشدين إلا بضع سنوات كحلم جميل تخلل كابوسا أمويا؟ لماذا لم يقدر لثورة "مصدق" في إيران أن تستمر؟ ولثورة "ناصر" في مصر أن تعيش بعده؟ لماذا انتصر الملكيون مع الأمريكان والصهاينة في معركة الستينات وقتل حلم الوحدة العربية؟ لماذا لكل نبي في أرضنا ألف مسيلمة؟ غفرانك اللهم، لا راد لمشيئتك، ولكن النفس على الفرص الضائعة لتدمى، والقلب على كبار الرجال ليبكي أحر البكاء .. القلب .. ما هذا الألم بصدري؟ أطعنة غادرة أم قلب ينفطر؟ آه
...
يفيق من نومه مقطب الجبين عابس الوجه غارقاً في عرقه، ليجد منامته القطنية التي يرتديها بدون أزرار .. لقد مزق أزرار ملابسه وهو نائم! وذراعه الأيسر قد التوى متشنجا بينما كفه اليسرى المضمومة تضغط على صدره بقوة لبرح الألم .. يمد يده إلى زجاجة مياه بجوار فراشه ويرفع رأسه ليجرع منها جرعات قبل أن يصب الماء صباً على رأسه ووجهه وعنقه، ثم يسقط الزجاجة من يده على الأرض، يشعر بنبضه وضربات قلبه كأن شياطينا تطاردها، ماذا؟ أهي أزمة قلبية؟ لقد أصيب والده بجلطة الشريان التاجي وهو في مثل سنه تقريباً .. لا .. بل كان في الخمسين حين حدث هذا، لا يذكر، ويهمس لنفسه قائلا: أهي النهاية يا "علي"؟
فكرة أنها النهاية جعلت نبضه يتسارع أكثر .. لا .. اهدأ .. لا تجعل الخوف يفكر لك .. أنت تحتاج لرعاية طبية عاجلة فقط حتى لا يتطور الأمر وتسوء العاقبة، ولكن .. بمن تتصل الآن؟ هكذا فكر محاولا تهدئة نفسه حتى لا يزيد الجزع حالته سوءاً، يمد يده فيلتقط المحمول ويستدعي قائمة الأسماء، يضغط الحرف (s) ليستعرض الأسماء حتى يصل لاسم "شريف الإمام" ابن عمومته وصديق طفولته السكندري، يضغط الرقم وينتظر ليسمع رسالة محبطة: الرقم الذي طلبته ربما يكون مغلقاً، يحاول ثانية لعل وعسى، ولكن بلا فائدة
"ماري" إذن؟ لكن كم الساعة الآن؟ يمد يده لساعة اليد التي خلعها على الكومود قبل نومه، يلتقطها ثم تسقط منه على الأرض، فيلتف بجزعه ليلتقطها ثانية .. يشتد الألم نتيجة لحركته تلك، لهذه الدرجة؟ مجرد حركة تزيد الألم؟ هكذا فكر وهو ينظر للساعة اليدوية المضيئة فيجدها الحادية عشرة وأربعين دقيقة قبل منتصف الليل، غالبا هي في سابع نومة، هكذا حدثته نفسه، فتمنى ألا تكون معتادة على إسكات أجراس المحمول عند النوم مثلما يفعل هو، يبحث عن الاسم الحبيب ويضغط الرقم، بعد عدة رنات يأتي الصوت العذب كأول الغيث، لابد أنها كانت نائمة: أليس من حقي أن أحلم مثلك؟
خف الألم قليلا وسرت بجسده رجفة انتعاش حين أتاه صوتها، يحاول الرد فيجد صعوبة في أن يخرج صوتا، يحاول ثانية لتخرج الجملة وببدايتها حشرجة لا تخطئها الأذن: لا تفزعي .. أحتاج لزيارة طبيب قلب في منزلي .. فورا
- "علي" ماذا بك؟
هكذا قالت والانفعال يملأ صوتها الذي استيقظ بلمح البصر حين سمعت جملته، أجابها: عرق .. ألم بصدري وصعوبة في التنفس و .. أحتاج طبيبا
- فورا حبيبي، سأرسل إسعافا لمنزلك من مستشفى قريب منك وألحق بها على الفور
برغم الألم ترسم كلمة حبيبي بسمة على شفتيه ويرد: لا أحتاج لإسعاف، فقط طبيب
- فورا.. "علي" .. تماسك أرجوك ولا تتحرك، سأكون عندك ومعي الطبيب فورا، ثم ننتقل لمستشفى لو نصح بهذا
- تمهلي في القيادة .. أرجوك
حين أتاه صوتها عبر المحمول أحس أنها ليست النهاية، فهدأ قليلا، قصتهما لم تنته بعد .. هكذا كان قلبه يحدثه: قصتنا لم تنته بعد، ولا أحسبها ستنتهي في بئر الحرمان هذا ، فلابد لطول الليل من صباح
...


(14)
راعية الفـــؤاد

"علي" جالس في فراشه تحيطه الوسائد وقد بدل البيجاما الممزقة بأخرى، في يده كوب من شراب الكركديه الدافيء، و"ماري" جالسة على حافة الفراش تجفف قطرات العرق على جبينه بمنديل ورقي وتقول: اتصلت بالجامعة وأبلغتهم، وجدت رقم زميلك الدكتور "مراد هاشم" وأمام اسمه الحروف الأولى من اسم الجامعة، عادتك في تسجيل الاسم مع الجهة التابع لها كانت مفيدة، عذراً لانتهاك الخصوصية، لكن كان لابد من ترتيب الموقف
قال وهو ينظر لها بنظرة حملت الشكر والامتنان فضلا عن الحب المعتاد: فعلت عين الصواب
- صحيح، لماذا الحرفين أمام اسمي المسجل في محمولك؟ (ML) .. فكرت كثيرا ولم أفطن لماذا يرمزان؟
- رغم أنها شفرة بسيطة ومباشرة للغاية، (ML ) تعني My Love .. حبيبتي، وهل هناك صفة أهم من تلك؟
ابتسمت ونظرت بعيدا للحظة في خفر لذيذ، قبل أن تنظر نحوه فتحتوي وجهه بنظرة رائعة، جمعت حبا وتقديرا وحنانا، ثم مدت يدها تربت على خده وأعلى عنقه، وأطالت النظر بعينيه، زمت شفتيها لحظة كمن قررت أمراً، قبل أن تهدي بشفتيها قبلة طويلة لخده الأيسر، ثم تعتدل لتقبل طرف سبابتها اليمنى وتضعها على صدره فوق القلب تماما، وتقول: ليسلم قلبك اللؤلؤي الجميل
- لا تخافي .. عمر الشقي بقي
- لكنك لست شقيا، ولهذا يجب أن نخاف ونتصرف بحرص، لنشكر الرب أنها ليست جلطة في شريان تاجي، لكن لا يمكنك الاستمرار في حياة الدخان والقهوة والشاي والتفكير والأحلام حتى تحدث الجلطة، لاحظ أن هناك ضيق في الشريان أدى لقصور طفيف مع الإرهاق، لا يمكن إهمال هذا، لقد أبلغت زميلك أنك في إجازة مرضية لمدة أسبوع ووعدني أن يدبر الأمر، وأنا أيضا انتهزت الفرصة وحصلت على إجازة رعاية طفل .. لأرعاك
- كلمة شكرا تبدو بلا معنى ولا قيمة أمام ما فعلت وتفعلين
قالها وهو يلتقط كفها فيقبلها بإجلال وامتنان، ثم نظر في عينيها لحظة ثم قال: حين سمعت صوتك على الهاتف، شعرت بشريان جديد يفتح بقلبي، بدأت في التعافي فور سماعي لصوتك وتيقني من رؤيتك بعد لحظات، ربما تكون الرغبة في الحياة التي يتحدث عنها الأطباء
ردت ممازحة فقالت: لا، بل صوتي به نيتروجلسرين موسع للشرايين
مدت يدها فتناولت الكوب الفارغ من يده واستأنفت قائلة: لقد ندبت "مادلين" لزيزينيا لتجلب لي بعض أغراضي، فقد قررت القرار المت.. المتطفل التالي (دائما ما تجد صعوبة في تتالي حرفي التاء والطاء في العربية)، توجد غرفة إضافية هنا، وسوف أستعملها لمدة أسبوع حتى تتعافى، والاحتجاج بحديث الرجل والمرأة والشيطان[19] غير مقبول في هذه الظروف
كان وجودها قريبة منه أكثر مما يتمنى، للحظة خطر له أن هذا القرب قد يذيب جليد الوعد الفاصل بينهما، فأجابها: بالعكس، كنت أفكر كيف أبلغ الخبر لعزة حتى تأتي لترعى أخاها طريح الفراش، وكنت قلقا من فكرة إبلاغها بالهاتف، أعرف أنها ضعيفة الأعصاب بلا حدود، تعرفين الظروف التي مرت بها، فشكرا لك يا حلالة العقد
- صحيح .. كيف تفهم حديث خلوة الرجل والمرأة؟
هم أن يجيب وقد أخذه الحماس، فوجدها تضع يدها على فمه وتقول: كم أنا غبية، قال الطبيب أنك يجب أن ترتاح حتى من الكلام لبضعة أيام
- للطبيب أن يقول ما شاء، لا أستطيع الحياة بغير كلام، بغير الحديث سيتوقف قلبي تماما
- اليوم على الأقل؟
- لا بأس، لكن بعد أن أجيب سؤالك، الحديث رواه الإمام "أحمد" و"الحاكم" وصح عندهما بإسناد قوي، ولو نظرنا للموضوع بنظرة عملية بعيدا عن مثاليات المثقفين، لوجدنا الواقع أن اجتماع رجل وامرأة .. بينهما ألفة أو ميل متبادل، يمكن أن يكون .. موحيا بعض الشيء، أليس كذلك؟
قامت "ماري" ممازحة من جانب الفراش لتجلس على الفوتيه المقابل له وهي تضحك وتقول: مادام موحيا فالفوتيه أسلم من طرف الفراش
ضحك لرد فعلها وقال: حتى لو جاء شيطان .. لا يصلح الشيطان ما أفسده الدهر
- الدهر لم يفسد شيئا، لا تتحدث وكأن عمرك مائة عام أيها الأربعيني المتشيخ! نعود للحديث
- هذا هو مضمونه، المقصود بوجود الشيطان هو الجو الموحي في رأيي، وليس معنى هذا حتمية حدوث علاقة لمجرد أنهما انفردا ببعضهما، فكما أن هناك شيطان هناك وازع خلقي وديني وإرادة إنسانية، مع ملاحظة الاختلاف الزمني، ففي الزمن الذي قيل فيه الحديث كانت المرأة عند أغلب الرجال أحادية المضمون والجوهر، ومرتبطة حتميا بالفعل الجنسي، لكن الأمر اليوم يختلف، وهاك الدليل، ها نحن وحدنا نناقش حديثا شريفا
هكذا شرح قبل أن يقف لحظة ثم يواصل مبتسما: لكن هذا لا ينفي أن الشيطان موجود معنا، أراه يحرك ذيله بخبث برغم الضباب في عينين أرهقهما المرض
ضحكت لدعابته، ثم اتخذت ملامحها سمتا جادا وهي تقول: خطير أن نبرر كل شيء بالفارق الزمني، سيأتي يوم ويقول أحدهم: لو أن الدين لم يعد قابلا للتطبيق في زماننا، فلماذا نحتاجه؟ لماذا لا نفكر بعقولنا وحسب؟ التبرير الزمني قد يفرخ فكر الاستغناء عن الدين بالقيم الحضارية والعقلية
- الدين ليس محدودا في الأمور الخلافية، نحن نتكلم في الخلافيات أكثر مما نتناول الأفكار السامية والرؤى الفلسفية الخالدة لأنها لا تحتاج للنقاش وليست محل خلاف، وهذه الأفكار هي صلب الدين، فجوهر العقائد هو تأسيس شخصية إنسانية تفهم هدفها وطريقها في الحياة وتتمسك به
قالت وقد قامت من جلستها لتسدل الأستار على النافذتين المتقابلتين في حجرة نومه: الموضوع يحتاج نقاشا أطول، سأضعه على جدول أعمال أول جلسة على البحر بعد أن تتعافى، أما الآن فتصبح على خير، وأنا أيضا سأخلد للنوم، فنحن لم ننم ليلة أمس تقريبا، سأستعير كتابا من المكتبة في الصالة لأقرأه قبل النوم
- تصرفي كأنك في بيتك، المكتبة كلها لكتب والدي رحمه الله، كتبي آتي بها معي وأعود بها
- أحلام سعيدة
- كفاني من الأحلام وما تجلب الأحلام! تمني لي نوما معتما بغير أحداث ولا أحزان

27.7.08

يا موت كفاك


لم أقرأ سوى منذ لحظات خبر موت المبدع السينمائي المصري الأول ، و مربي جيل المبدعين، و الرجل المتمرد على المألوف و المكرس في حياتنا ، و الثائر على الظلم و القهر بلا حدود، مات "يوسف شاهين" مات النقي كقطرة ماء، المبدع كتصاريف الدهر، الثائر كبركان، و خمدت الرأس الصلبة في وجه القبح الذي يغزو حياتنا ، و أغلقت العين التي كانت تعد أجمل اللوحات في تاريخ السينما المصرية ، مات عميد الفن السابع المصري، في غضون أسابيع قليلة من موت الكبير الجليل "عبد الوهاب المسيري" فمالك بنا يا موت؟ هناك في بلادنا على المزاود شرار البقر بلا حصر، في السينما كما في الفن عموما كما في السياسة كما في الأدب و الفكر ، فمالك لا تخطف إلا أروع الجياد؟ مالك لا تنتقي إلا من نحب و من بهم نثق؟ اللهم لا اعتراض ، و كل نفس حتما تذوق الموت، لكن كما قال "صلاح جاهين" يوما "بس الفراق صعب و احنا شعب قلبه حنون" لقد كان هؤلاء في حياتنا أقمارا، و كانت معاصرتنا لهم شرفا نشرف به و نفخر، فمن للأحياء من مفكرين و مبدعين بعدما تختفي أجمل الجياد في صحرائنا؟ و أسطع النجوم في سمائنا؟ الموت حق على كل حي، و ليست المأساة فيه، لكن في عدم ظهور كبار جدد ليحلوا في حياتنا محل الراحلين، فما عدا فلتات متناثرة مثل "علاء الأسواني" أو "خالد يوسف" أو "محمد منير" أو "خالد الصاوي" و غيرهم من المبدعين، لا يخرج لنا الكبار بذات الزخم الماضي في فن و لا أدب ، فرحمة الله لك يا "يوسف" يا مبدعنا الجميل ، و رحمة الله لنا في هذا الزمان الضنين بالمبدعين

مشواره مع ملح الأرض
قالوا عن شاهين حينا أنه مخرج للصفوة المثقفة فقط و ليس مختلطا بالجماهير، و هذه فرية بينة ، فقد عاش شاهين بفنه و عطائه منحازا لملح الأرض ، للفقراء و المهمشين و البسطاء ، و للطبقة المتوسطة التي تفريها الحياة المعاصرة ، فلم يكن مخرجا نخبويا أبداً ، لكن ربما كانت مفرداته الإبداعية نخبوية إلى حد بعيد ، و في السطور القادمة سنرى معا كيف كان مشوار شاهين المستمر مع ملح الأرض ، مع البسطاء من الناس، فلشاهين رحمه الله مرحلة كان فيها مخرجا و حسب، قبل أن يصبح المخرج النجم في ظاهرة هي الأولى من نوعها في السينما المصرية، و ربما الوحيدة بخلاف "صلاح أبو سيف" و مخرج الرائعة الواحدة "شادي عبد السلام" ، فوحده شاهين كانت أعماله تعزى إليه، و ليس لممثليها، في هذه المرحلة ما قبل النجومية له، كانت أفلام مثل "بابا أمين" و "صراع في الوادي" و "ابن النيل" و غيرها من أفلامه التي و ان تميزت بالحرفية العالية اخراجيا مقارنة بزمانها، الا أن الفرس الجموح فيها كان بعد مقيدا بضوابط فنية ، و مع هذا نرى التيمة الأخلاقية في "ابن النيل" تجاورها التيمة الاجتماعية، بينما "صراع في الوادي" هو صراع اجتماعي بحت ، حقق فيه ابن الطبقة المتوسطة و الذي لعب دوره "عمر الشريف" الاستقلال لأرض والده ، على عكس خطط الانتهازي "فريد شوقي" و الملكي ، و حقق براءة والده، فقد كان الفيلم المنتج عام 1954م تأريخا للثورة التي عشقها شاهين و عاش معها دهراً ، قبل أن يكرهها مع عصر السادات الوخيم، أما "صراع في الميناء" و شخصية "رجب" فيه فكانت تمثل صراعا طبقيا مكتمل الأركان ، لكنني أحسب أن الحرية الكاملة لم تتحقق لشاهين الا في فيلم "باب الحديد" أحد روائعه الخالدة ، فحين نرى أنا أو أنت أحد المهمشين في حياتنا أثناء لقطة عابرة أو موقف طاريء في محطة القطار أو الشارع، لا نلبث بعد لحظات أن ننشغل بحياتنا تماما، و ننسى هذا المهمش و كل ما رأينا منه و من حياته ، و هذا هو الفارق بين المبدع الكبير و الإنسان العادي، فشخصية بأبعاد شخصية "قناوي" في "باب الحديد" ، لن تشغل غير عين مبدعة كعين شاهين ليرصدها، و يجعلها بابا لفيلم يتناول تيمة الطغيان على الفقراء و ملح الأرض ، و كفاح المهمشين و معاناتهم و احباطاتهم الممثلة في تطلعات "هنومة" و احباطات "قناوي" المعتل عقلا و صحة فضلا عن علته الاجتماعية ، و هي الفقر المدقع
ثم يأتي فيلمه العالمي المستوى "جميلة" عن المناضلة الجزائرية "جميلة بوحريد" في زمن كانت فيه القاهرة تحتفي بالمناضلين و يستقبلهم فيها رئيس الجمهورية، بينما لا يستقبل لاعبي الكرة و لا رجال الأعمال، و الفيلم أخرج عام 1958م بعد أن استقبل ناصر جميلة ضمن من استقبل من مناضلي الجزائر ، و كان الفيلم أيضا مع المكافحين ضد أحد أشكال الطغيان، طغيان شعب على شعب ممثلا في الاحتلال، و تمجيدا لطريق النضال قبل أن ترتد مصر عن طريق النضال ، و في حين أرخ فيه شاهين للنضال القومي العربي ، تجنب التطرف نحو الصرعات المعادية للغرب من خلال ابراز شخصية المحامي الفرنسي الشريف، ليلفت نظر المشاهد العربي أن المحتل الفرنسي لا يمثل كل شعب فرنسا ، و أن لكل شعب شرفاؤه بعيدا عن ألعاب السيرك السياسي، فلا توجد أمم شريرة و لكن قادة شريرون

ثم يأتي فيلم "الناصر صلاح الدين" الذي أبرز الروح القومية التي سادت مصر وقت انتاجه عام 1963 و قبل انكسار يوليو الأليم، عندما كانت مصر مع قائدها في عنان السماء اقتصادا و سياسة، و تتطلع لتكرار أكثر نضجا لتجربة الوحدة ، مع العراق و سوريا و لبنان هذه المرة، و للمرة الثانية ، يركز شاهين على الايجابي في شخصية "ريشارد قلب الأسد" ، حتى لا نكره الآخر، و يبرز امكانية اللقاء الانساني مع الغرب من خلال القصة المؤسطرة للقائد "عيسى العوام" مع "لويزا" الأميرة الصليبية ، و هي قصة تشير لمعنى انساني غاية في الرقي، كذلك جعل شاهين "عيسى العوام" مسيحيا ليس لأن شاهين نفسه كان مسيحيا كما قال بعض المأفونين، و لكن ليبرز من خلال معاملة السلطان و الآخرين له مدى مدنية الإسلام و احتفائه بالآخر ، سبحان الله ، تجد اليوم عددا لا بأس به من المواشي التلفية تقول أنه فعل ذلك حقدا على الإسلام ، و أنه دعى للرذيلة من خلال علاقة القائد بالأميرة الصليبية !!! و لكن ... ماذا علينا لو لم يفهم البقر؟
بعد حرب النكسة ، صام شاهين عن الابداع أربع سنوات تقريبا ، أما فيلم"الأرض" الذي أخرجه عام 1970م و قبل وفاة ناصر مباشرة، فكأنه كان نبؤة بالارتداد على خط الثورة، و الانحياز الساداتي للعثمانيين و الرشاديين من الوجهاء و الأثرياء، و الارتداد عن ما أنجزه الإصلاح الزراعي في مصر، فكأن شاهين كان يسجل مآسي إقطاع ما قبل الثورة و معاناة الفلاح البسيط، و العلاقات الاجتماعية البسيطة ظاهرا و المعقدة باطنا في مجتمع القرية المصرية، و قد ضاع بعض هذه المعالم اليوم و استمر بعضها، ليبرأ نفسه مما سيحدث من ردة اجتماعية في السبعينات بعد عرض الفيلم بسنوات، و الفيلم يبقى أقوى انحيازات شاهين للفقراء و البسطاء من الجموع الشعبية ضد عقلية الصفوة و سلوكياتها التي تتسم بالأنانية اللا-متناهية

فيلم "العصفور" عام 1974م صور فيه شاهين حالة التوهان التي عاشتها مصر عقب الهزيمة ، و التمسك بالرمز رغم الهزيمة في اندفاع "بهية" نحو الشارع مع سماع خطاب التنحي و هي تقول "مش معقول .. مش معقول" لتنادي الرئيس و الزعيم بالعودة، ثم و هي تهتف "حنحارب" تعبيرا عن مرحلة الصمود و التحدي، ستلاحظ بعد المرارة من الزعيم في الفيلم، لكنها مرارة مشوبة بالحب، أو حب تشوبه المرارة، فقد كانت سوءة الخليفة القزم بدأت في الظهور ، ثم ياتي العبور العظيم الذي دفع ثمنه الشهداء و تسلمه الأفاقين من رجال الأعمال و المطبعين ، لقد كانت "بهية" في الفيلم هي الرمز التقليدي لمصر، و ابنتها رمز الكادحين من هذا الشعب لآلاف السنين ، و قد كتب العديد من النقاد عن آخر أفلام شاهين و هو فيلم "هي فوضى" الذي أرخ فيه لفساد السلطة في مصر الألفية الثالثة ، و رأوا الفيلم كأنه الجزء الثاني من فيلم "العصفور" فهالة فاخر كانت بهية أيضا، التي ينتهك امين الشرطة الفاسد ابنتها بالاغتصاب، كما انتهك النظام شعب مصر المعاصرة، و يتنبأ شاهين بان السلطة القضائية بعد تمردها على الإطار التقليدي هي المحرر المنشود للوطن ، بعد أن عرضت "بهية" الأم مشكلة أمين الشرطة "حاتم" على عضو مجلس الشعب الإخواني، قبل أن يهولها فساده و كذبه، فتخرج من مكتبه و هي تخلع الحجاب من فوق رأسها، و لم ينقذ سمعة البنت و يحقق عقاب الجاني بنهاية الأمر الا رجل القضاء المتمرد الثائر، في فيلم رائع في رمزيته، و تبشيره بنهاية الفساد بإطلاق النار على نفسه حين تحاصره جموع الشعب في قسم البوليس، ليموت "حاتم" الذي كان يقول طول الفيلم "اللي مالوش خير في حاتم مالوش خير في مصر" في رمز لانصهار الفرد و الأمة في عقل السلطة الفاسدة

بشارة العودة في الابن الضال

بعد هذه القفزة على المشوار التي اقتضاها تقارب "العصفور" مع "هي فوضى" آخر الأفلام، نعود للفيلم الذي أرخ لعهد السادات ، فيلم "عودة الابن الضال" من إنتاج عام 1976م ، و الفيلم هو من أروع رمزيات شاهين، فهو يمثل الصراع بين الشباب القومي الاشتراكي الممثل في شخصية "علي" الذي تمرد على أخيه "طلبة" الضابط السابق و رجل الأعمال الحالي ، المتدين ظاهريا و المغتصب في السر، و الذي يرمز لعهد السادات و تحالف السلطة مع رأس المال المستغل، و هو الذي يغتصب "سهير المرشدي" حبيبة الراحل المحبوب "علي" و خطيبته، التي رمزت لمصر الثورة، و قد تمرد "علي" على أخيه "طلبة" و خرج في رحلة خارج "ميت شاتورة" كما خرج الشباب المثقف و المبدعين الناصريين بعد عام 1974م ، و اسم القرية الذي يمزج اسم مصر و سوريا (ميت المصرية مع شاتورة السورية) هو أول الإشارات الوحدوية، ثم يبشر الفيلم بعودة "علي" و بانحياز الشباب (هشام سليم و ماجدة الرومي) له و لحلمه، و يمثل موقف كل من "علي" و "طلبة" من عمال المصنع موقف الفيلم الاجتماعي المنحاز للبسطاء ، كما يمثل شخص والد الفتاة الشابة السوري الذي عشق المصرية و تزوجها و أنجب منها، منهج الفيلم الوحدوي، و الحوار الغنائي الرائع في استعراض "الشارع لنا" يلخص رمزيات الفيلم كاملة، و فيه يقول طلبة: أبدا .. من ميت شاتورة مفيش خروج أبداً .. تقعد هنا و تباشر العزبة .. و يرد علي: انا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه ، انا حر في اللي يقول ضميري عليه .. و ان كنت تحكم جوة ملكوتك، الشارع الواسع فاتح ليا ايديه .. فيقول طلبة: الشارع الواسع ده ليا كمان .. و يرد علي: لا يا ابن ابويا حضرتك غلطان .. قولوا له يا اولاد الشارع لمين ؟ .. قولوا له ليكون البعيد غفلان .. فترد الجماهير: الشارع لنا ، احنا لوحدنا .. الناس التانيين دول مش مننا ، دول ناس انانيين في مكانهم واقفين .. ثم تتجه الجماهير لعلي قائلة: ياللي مشيت الشارع طوله و عرضه شمال و يمين .. خدك الشارع خدته و رحت بعيد عن الظالمين .. قولنا ايه اللي انت كسبته؟ ايه اللي لأصحابك جبته؟ .. احكي لنا و طول و اروينا .. دا احنا عطشانين و متشوقين .. و يرد علي المحزون: الشارع كان شووك ، و انا حافي و دمي عليه سيال، وورايا و قدامي سراب و باغرق في الرمال ... فيرد الصديق السوري قائلا: أبدا مش ده كلامك يا زين الرجال .. يا سيد العاقلين.. قول .. الشارع لمين؟ .. فيرد علي: مشوار مشيته و قلبي بالأمل مليان ، جمل الطريق عضني (و هنا اشارة لحرب النكسة التي هدمت الحلم الكبير مؤقتا) و رجعت انا خزيان ... احلى ما في الحلق طعم المر من الذكرى ... شوفوا المرار لما يبقى حلو يا جدعان .. فترد ماجدة الرومي عن الشباب المتطلع لوعود الثورة: كان وعد منك .. كان حلم منا .. قالت الشفايف .. شافت عيونا قوس الشتوية سبع الوان ، و بعد بطولة عابرة للبطل العائد في مساعدة بائع بطيخ جوال سقطت عربته، تهلل الجماهير له في شوق لزمن البطولة الجميل: أيوة ايوة ايوة و الله رجعت يا علوة ، لعهد الشطارة و الايام الحلوة .. ثم تتحد الجماهير و تغني الفتاة رمز الشباب: المرمر الأحمر .. ينشق ينور .. يتفجر رماد بالأمر يحضر .. لبن العصفور في ورق سلوفان .. و كمان كان منك وعد يا وش السعد تجيب السعد لأحبابك .. و تجيب الحل لكل ميزان اختل تشيل الذل عن أصحابك .. كان وعد منك ده النور في عيون إنسان غلبان ... فيرد علي الذي أعادت له الفتاة طاقته للخلق: جننتيني يا بنت يا بيضا ... و حيرتيني يا بنت يا بيضا ، قبل أن يظهر قمع ديمقراطية المخالب و الأنياب بظهور الشخصية البوليسية لتقول: بس انت و هو ... ضربة ف قلبك من جوه ... شارع ،مانع ، صحن كوارع .. جاوبوا النار رمز القوة ... مافيش لأ ، و لا شد ، و زق .. يلا كله يخش الشق ، مافيش بغبغة هنا ، و لا زقزقة هنا ، و لا فيه نق


الحرب ضد التلفيين
كانت هذه برأيي أهم ملامح مشوار شاهين الراحل قبل مرحلة رصده للمد الديني ظاهريا و السياسي الفاسد باطنيا، و التي رصدها في أفلام المهاجر و المصير و الآخر، فضلا عن رصده علاقة هذا المد الفاسد بأمريكا في هذا الأخير ، ففي فيلم "المهاجر" يقدم رؤية مغايرة لفهم الدين و القصص الديني، و كان قد قدم للأزهر الفيلم عام 1990م تحت اسم "يوسف و اخوته" و لكنه رفض، فعدل الأسماء و عدل في القصة، فقبل الفيلم و نفذ عام 1994م و الموضوع أن الفيلم يقدم تصور الدين كثورة اجتماعية، و ان نبوة سيدنا "يوسف" كانت ثورة ضد حياة الرعي الجافة، فذهب يطلب تعلم الزراعة في مصر ، و هناك كانت الثورة على الجمود و الخمول الفكري و الاجتماعي كذلك، و يتعلم "رام" الزراعة على حدود مصر و يخضر الأرض ، و الفيلم رؤية رمزية في أن النبوة و النماء و الخير و التقدم معاني متقاربة، لأنها تخدم هدف الله من خلق الانسان، التقدم و الخلافة في الأرض ، و لما منع الفيلم من العرض و رفع من دور السينما ، تفرغ شاهين في فيلمين متتاليين لضرب التطرف في مقاتله، فخرج للنور بأجمل روائعه، فيلم "المصير" الذي بعث فيه برسالة قوامها أن للأفكار أجنحة لا يستطيع أحد أن يقيدها، هازئا ممن منعوا فيلمه، و تحققت سخريته، فكلنا الآن يمكننا الحصول على الآخر من شبكة الانترنت
و المصير ضرب التطرف بكشف ازدواجيته و أهدافه السياسية الطامعة للسلطة و الهيمنة، و ذلك من خلال قصة الفيلسوف الإسلامي الأكبر "إبن رشد" الذي يعرفه كل دارس فلسفة في العالم ، و الذي شكل فكره الفكر المناقض للفكر الأشعري السائد حاليا و الذي كان رائده "أبو حامد الغزالي" الذي يهيم به كل التلفيين عشقا، لأنه منظرهم الأول ، و أغاني الفيلم أحد أجمل العلاجات الممكنة عندما تكتئب من وجود العناصر التلفية حولك ، فمنها: على صوتك بالغنى.. لسه الاغانى ممكنه .. ولسه يامه فى عمرنا .. و لو فى يوم راح تنكسر .. لازم تقوم واقف كما النخل باصص للسما .. ولا انهزام ولا انكسار ولا خوف ولا حلم نابت فى الخلا .. غنوتك وسط الجموع تهز قلبى من الفرح .. تداوى جرحى اللى انجرح ، و منها السخرية اللاذعة من عقلية التطرف و تقول كلماتها: يا ربنا ليس لنا من أمرنا إلا السكوت .. يا ليتنا نرضى بما يقضى لنا حتى نموت .. في عسرها أو يسرها ملعونة تلك الحياة .. لا نستطع ألا نطع أميرنا فيما يراه .. به نقتدي و نهتدي و رضاه من رضا الإله

ثم ختم حربه بفيلم "الآخر" حيث رصد علاقة التطرف الديني بعصر القطب الواحد و الهيمنة الأمريكية ، من خلال السيدة الأمريكية التي تنصب فخاً لفتاة يحبها ابنها ، من خلال أخيها المتطرف دينيا، و الذي تدعمه السيدة الأمريكية من خلال إحدى شركاتها، ثم تعتزم السيدة تدبير مصرع الفتاة مع أخيها الارهابي في مواجهة أمنية، لكن ابنها يكون من ضمن الهالكين مع حبيبته، و هنا تنبأ شاهين عام 1999م بالمصير الذي ينتظر أمريكا في 2001 بعد أن كثر لعبها بورقة بعث التطرف الديني عبر السبعينات و الثمانينات و التسعينات ، و على مر الفترة من 1979م و حتى 2004 أخرج شاهين سيرته الذاتية في أربعة أجزاء ، كانت في فصولها الأولى اضاءات على الطبقة الوسطى المصرية، ثم اضاءات على العلاقة المشتبكة بين العربي و الأوروبي و الأمريكي ، مع رصد دقيق لتحولات المجتمع عبر مساحة واسعة من الزمان و المكان


و ختاماً
رحمك الله يا يوسف .. يا ابن مصر البار .. و ابن الاسكندرية البار، و خريج فيكتوريا كوليج و معاهد السينما الأمريكية المصري جدا ، و ابن البلد جدا، و الجدع جدا، و الصريح جدا، و المؤمن بفنه الى مالا نهاية، و المتواصل العطاء عبر ما يقرب من ستين سنة في بلاط الفن السابع الجميل ، رحمك الله بقدر ما أسعدت و قدر ما علمت و نبهت، رحمك الله قدر ما حاربت من قوى الجهالة و الظلام ، رحمك الله قدر ما أحببت بلادك و أمتك، و قدر ما قدمت لهما من فن جميل

23.7.08

رأس و أغاني

كل عام و مصر بخير، في مثل هذه الساعات من يوم الأربعاء من يوم 23 يوليو عام 1952م قام الضباط الأحرار تحت قيادة خالد الذكر و طيب الذكرى "جمال عبد الناصر" بحركة الجيش التي سماها "السنهوري" لاحقا بالثورة، فأجمل التهاني لمصر في عيد ميلاد الثورة السادس و الخمسين، و نشاطرها الأحزان في ذكرى وفاة الثورة الثامنة و الثلاثين، ثمانية عشر عاما من الثورة ، و ثمانية و ثلاثون عاما من الردة على الثورة ، و لهذا احترت فيما أكتب اليوم؟ هل أكتب مقالا يعبر عن بهجة عيد الميلاد؟ أم عن شجن الذكرى و حزنها؟ ثم خطرت لي الفكرة التالية، الأغاني شكل فني مركب يجتمع فيه الشعر و اللحن و الأداء الصوتي، فهي بذلك مرآة صادقة للمجتمع، فلماذا لا نقارن الفنون الغنائية في عهد الثورة ثم ما بعدها؟ لنرى كم تشبهنا فنوننا و نشبهها، حتى لا نلوم الفن بل أنفسنا، فما الفن الا صورتنا في مرآة، لكننا نكره هذه الصورة في المرآة كثيرا لأنها تواجهنا بحقيقتنا .. تلك التي لم نعد نحبها .. أو نحترمها


فن الثورة
عندما كان جمال عبد الناصر يقول "على كل فرد أن يثق في نفسه ، ويفهم أن له قيمة ، وان له التأثير الكامل على كيان الوطن" كان "عبد الحليم حافظ" يغني ، معبراً عن حالة التوثب للعمل العام و التي سادت في هذا الوقت بين أفراد الشعب، نعم، لم يكن الجميع مخلصاً لفكر الثورة و لا قائدها، و لا حتى الأغلبية للأسف، لكن كانت هناك أرضية و مناخ عام، يساعد من يريد أن ينتمي لوطنه أو يخدم وطنه، و كانت هناك ثقافة الشرف و المبدأ التي تخجل من الجهر بالوصولية أو الانتهازية، فكان العندليب يقول: ناصر ، الشعب دليله و الهامه .. قربوا من فكره و احلامــــــــه .. ياللي عليكم كل كلامـــــــــــــه .. في الصــــــــورة شايفكم قدامه .. قيادات شعـــــــــــــبيه قلتم ايه؟ قلنا يا زعيمنا قلــــــــوبنا اهيه .. ايامنا اهيه ليـــــــــــــالينا اهيه .. في يوم الــــــــــــدم وهبنا الدم .. هنبخل باللـــــــــــــــــيالي ليه؟ .. و الصورة اكتملت بالرواد مع ناصر و ايديهم في ايديه

و حين نأتي للأغاني العسكرية، و التي تهدف لتعبئة الجبهة الداخلية وقت الحرب، و مازلت أنا أسمعها لليوم يوميا في طريقي للعمل و العودة منه، لانها تبث النشاط في الجسد بما فيها من صدق و حماسة تتفجر من الكلمات، عندما كان يكتبها "صلاح جاهين" أو "عبد الرحمن الأبنودي" أو غيرهم من الكبار، ثم تأتي الألحان لتزيدها تألقا و تأججا في آن واحد، في زمن كان فيه الرئيس و رأس الدولة يقول في مؤتمر الخرطوم و بعد الهزيمة في يونيو 1967 لاءاته الثلاثة " لا صلح مع اسرائيل ولا اعتراف بها ولا مفاوضات مباشرة معها" كان العندليب يغني في العام التالي رائعة "فدائي" الشهيرة من كلمات "محمد حمزة" و تلحين المبدع الأسطوري "بليغ حمدي" فيقول: فدائي فـدائي فدائي .. أهدي العروبــــــــة دمائي .. و اموت أعيش ما يهــــــــــــمنيش .. و كفاية أشوف علم العـــــــروبة باقي .. وسط المخاطر هنـاك مكاني .. و النصـــر عمره ما كان أماني .. جوه المواقـع بين المدافع .. وسط القنابل أنسف أقـــــــــــــاتل ... لو مت ياأمي ما تبكـــيش .. راح أمــــــــــــوت علشان بلدي تعيش .. افرحي يامــــه و زفيني .. و في يوم النصـــــــــــــــــــر افتكريني .. و إن طــالت يامه السنين .. خلي أخــواتي الصغيرين .. يكونوا زيي فــــــــدائيين

و حين سقط الفارس الكبير من فوق الجواد، و بكته أمته بأسرها، خرجت كوكب الشرق "أم كلثوم" تغني و هي تنتحب قصيدة فورية كتبها "نزار قباني" و لحنها "رياض السنباطي" و هو يبكي بعد اذاعة خبر الوفاة بساعات قليلة ، ثم أذاعتها الاذاعة المصرية مرات قليلة قبل أن يمنع الرئيس الجديد اذاعتها ، قالت أم كلثوم فيها و هي تنتحب باكية: حبيبنــــــــــــــــــا .. زعيمنا .. قائدنا .. عندي خطاب عاجــــــــــــــــــل إليك .. من أرض مصر الطــــيبة .. من الملايين التي تيمـــــــــــها هواك .. من الملايين التي تريد أن تـــــــراك .. عندي خطاب عاجــــــــــــــــــل إليك .. لكنني .. لا أجــد الكلام .. فالصبر لا صبر له ، و النوم لا ينام .. والدنا .. جمال عبد النـاصر .. الحزن مرسوم على الغيوم والأشجـــــــار والستائر .. وأنت سافرت ولم تســـــــــــــــــــــافر .. فأنــــــــــــــــت في رائحة الأرض و في تفتح الأزاهـــــر .. في صوت كل موجة وصوت كل طــائر .. في كتب الأطفال في الحروف والدفاتر .. في خضرة العيون وارتعاشه الأساور .. في صدر كل مؤمن وسيف كل ثــــــائر .. يا أيها المعــــــلم الكــبير .. كم حزننا كــــــبير ... كم جــــرحنا كبير .. لكننا ... نقسم بالله العلـــــــــــي القدير .. ان نحبس الدمـــــــــــــوع في الأحداق ونخنق العبرة .. نقسم بالله العلي القدير .. ان نحفظ الميثاق ونحفظ الثورة .. وعندما يسألنا أولادنا .. من أنتـــــــــم؟ في أي عصــر عشـــــتم ؟ في عصر أي ملهم؟ في عصر أي ساحر؟ .. نجيبهم .. في عصر عبد الناصــــــــــــــر .. لم يكن نفاقا كما قال البعض من "أم كلثوم" أن تغني لناصر في حياته، فهاهي تفعل بعد موته، و على الرغم من رغبة القزم الذي تلاه رئيساً، حتى يمنع القزم إذاعة أغنيتها ، و أكثر ما يؤلمني في هذه الأغنية، فضلا عن اختناق صوت كوكب الشرق بالعبرات فيها و بخاصة في نهايتها، أننا كنا بعد هذا نموذجا لتضييع ميثاق العمل الوطني و إهدار كل منجزات الثورة
و حتى في الأغاني العاطفية، عندما طلب الرئيس "جمال عبد الناصر" من "أم كلثوم" و "محمد عبد الوهاب" أن يلتقي صوتها مع ألحانه، بعد ما كان بينهما من طول شقاق نتج عن التنافس الفني، خرجت لنا رائعة "إنت عمري" فيما عرف وقتها بلقاء السحاب، سحاب الغناء المبدع مع سحاب اللحن الخلاق ، و فيها شدت كوكب الشرق من كلمات "أحمد شفيق كامل" و ألحان موسيقار الأجيال، فقالت: رجعونى عينيك لأيامى اللي راحوا .. علموني أندم على الماضي و جراحه .. اللي شفته قبل ماتشوفك عينيه عمر ضايع يحسبوه إزاى علىّ؟ .. انت عمرى اللي ابتدى بنورك صباحه .. قد إيه من عمرى قبلك راح و عدى ياحبيبى .. ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة .. ولا داق فى الدنيا غير طعم الجراح.. إبتديت دلوقت بس أحب عمري .. و إبتديت دلوقت اخاف لا العمر يجرى .. كل فرحة اشتاقها من قبلك خيالي .. التقاها في فى نور عينيك قلبي وفكري .. يا حياة قلبي يا أغلى من حياتي .. ليه ما قابلنيش هواك ياحبيبي بدرى؟.. الليالي الحلوة والشوق والمحبة من زمان والقلب شايلهم عشانك .. دوق معايا الحب .. دوق حبه بحبه .. من حنان قلبي اللي طال شوقه لحنانك .. هات عينيك تسرح قي دنيتهم عينيه .. هات ايديك ترتاح للمستهم ايديه .. يا حبيبي تعالى وكفاية اللي فاتنا .. هو فاتنا يا حبيب الروح شويه؟ .. و ليس الأمر قاصرا على غناء العمالقة، حتى الغناء الشعبي كان له ذوق و مذاق مختلف ، فها هو "محمد رشدي" بصوته الذي يمثل بحق الرنين المحبب للغناء الشعبي المصري، يقول: طاير ياهوى .. طاير على المينا .. رايح ياهوى تخبر أهلينا .. بقصة الهوى و تفتن علينا.. اوعى يا هوى تخبر أهالينا .. جينا يا هوا للبحر جينا .. و الشط و ناسه بعيد عن عينينا .. علي شوية المية تداري علينا .. ناوي ياهوى تخبر أهلينا؟ .. عارف ياهوى ايه الحكاية ؟ .. مكتوب على المية قصتها معايا .. ولاقيتها الموجة خايفة عليها .. منك ياهوى ومن أهلينا .. حتى أغنيته "عدوية" التي كان للرأي العام الفني وقتها بعض التحفظ عليها، نجدها الآن أرقى من الكثير من كلمات أغاني الزمن القبيح ، و فيها كان يقول: آه يا ليل يا قمر .. والمانجه طابت ع الشجر .. اسقيني يا شابه وناوليني حبه مية .. اسم النبي حارسك ، اسمك ايه ؟ردي علي؟ .. عدوية .. آه يا عدوية .. أوعوا تحلوا المراكب ، والله يا ناس ما راكب ، ولا حاطط رجلي في المية إلا ومعايا عدوية .. هذا ما كان البعض يقول عليه في الزمن الجميل هبوطا في مستوى الغناء، فهيا بنا نكمل اللوحات لنرى الهبوط على أصوله ، بعد أن أنهينا هذه اللوحة .. لوحة مجتمع كحصان يسابق الريح نحو هدفه مهما كانت العقبات و الهزائم
فنون الردة على الثورة

لما تولى القيادة الرئيس المؤمن "أنور السادات" و وصلنا لزمن الانفتاح، و قال الرئيس المؤمن "من لم يغتن فى عهدى لن يغتنى أبتاً .. أبتاً" فـاللي حصل إنه .. أ .. أ (استلهاما لروح الزعيم) التوجه الشعبي بقى نحو النجاح المادي بتحقيق الثراء و بأقصى سرعة، حتى و لو من طريق مش و لابد يعني ... لأن رئيس دولة العلم و الإيمان ماقلناش الغنى لازم يبقى حلال و شريف و لا لأ، المهم نلحق، لهذا، نجد الصورة اختلفت خالص، وظهرت عناصر فنية جديدة ، تواكب طبيعة المرحلة الملونة بكل الألوان، ظهرت مواهب شابة واعدة، عندنا مثلا الشاب الجميل "أحمد عدوية" و الفنان الراقي "كتكوت الأمير" و ده كله طبعا حصل بعد الانفتاح على العالم .. على العالم الوسخة تحديداً، فنلاقي كلمات الأغاني و الألحان بتعبر عن ده أصدق تعبير، فنجد النشيد العظيم لمطرب الانفتاح الاستهلاكي العظيم و اللي بيعبر عن روح و توجهات المجتمع التواقة للمجد ، و هو يقول بصوته المجلجل: قرقشنجي دبح كبشه .. يا ما احلى مرقة لحم كبشه .. عكشه.. فركش .. نكشه .. طنش .. قلشه .. إقلش .. سبع سلاطين استسلطناهم من عند المستسلطنين .. تقدر يا مسلطن يا مستسلطن تستسلطلنا سبع سلاطين زي ماستسلطناهم من عند المستسلطنين؟ .. و سبع دبابيس استدبسناهم من عند المستدبسين .. تقدر يا مدبس يا مستدبس تستدبسلنا سبعدبابيس زي ماستدبسناهم من عند المستدبسين؟ .. و سبع لحاليح استلحلحناهم من عند المستلحلحين .. تقدر يا ملحلح يا مستلحلح تستلحلحلنا سبع لحاليح زي ماستلحلحناهم من عند المستلحلحين؟ .. فن راقي و كلمات عميقة مفيش كلام، و بيعبر عن سيادة ثقافة المخدرات السابحة في الهلاوس، فإذا كان رب البيت مأفين، فشيمة أهل البيت لازم تكون تحشيش

لكن ده لا ينفي إطلاقاً إنه كانت هناك أغاني جميلة حفزتها روح أكتوبر المتأججة بحدث العبور العظيم، و قبل الانفتاح على العالم الوسخة، فكانت هناك روائع لمبدعين من حجم "عبد الحليم حافظ" مثل "الله أكبر باسم الله" و فيها قال العندليب: بسم الله ... الله أكبر باسم الله .. سينا يا سينا .. آدينا عدينا .. و جنود أعادينا ما قدروا علينا .. و أدان ع المدنة بيحيي جهادنا.. و كذلك أغنية "وردة الجزائرية" و هي تقول: و انا ع الربابة باغني .. ماملكش غير اني أغني و أقول تعيشي يا مصر.. ماملكش غير غنوة أمل للجنود .. أمل للنصر .. ليكي يا مصر.. و انا على الربابة باغني قول معايا يا شعب تحيى مصر .. كانت هذه هي آخر أغاني الكرامة، و بعدها .. و يا شوم ما بعدها .. بدأت رحلة الانهيار، و انحدر "محمد عبد الوهاب" ليلحن طقاطيق راقصة ، و على أنغامها رقصت "نجوى فؤاد" أمام "مناحم بيجن" ترحيبا بزيارته التي نجست تراب القاهرة، و عن هذا الحدث المروع، غنى الشيخ "إمام عيسى" مولولا على مصر و فنونها و ألحانها فقال: اترقصي يا نجوى في الهزايم .. و اتقصعي يا نجوى للخراب .. في كل هزة رشي دم غزة .. و حطي راس أبوك في التراب .. يا مزوقة الخيانة يا تمر حنة .. يا مغرقة الحقيقة في الظلام .. تبيعي يا سالومي راس يوحنا .. بليرة في الجليل و في حفل عام .. ثم ظهرت الأغاني المرخية، الأغاني العنينة و العطبة ، لتعبر عن طبيعة عصر كان الرئيس فيه يضع المكياج قبل الخروج، و تأخذ له الصور و هو يقص شاربه، و يزور الجبهة ببدلة النازي و أكبر همه ألا يتسخ الحذاء الأنيق، كان يحب هذه البدلة جدا حتى تمت غربلته فيها في العرض العسكري، و على الصعيد العاطفي نجد أغاني مثل ما غنته "سعاد حسني" قائلة: بمبي بمبي بمبي.. الحياة بقى لونها بمبي .. و أنا جنبك و انت جنبي .. بمبي بمبي بمبي .. و نجد تألق نجوم من عينة "شريفة فاضل" و انتعاش حضارة كازينوهات شارع الهرم التي حلت محل بعض المصانع فقال المؤرخ الموسيقي المجهول لعصر السادات ، الشيخ إمام عيسى : و الخمارات جنب المصانع .. و السجن مطرح الجنينة .. منوها عن اقتطاع جزء من حدائق القناطر الخيرية لبناء السجن الجديد، و حتى أغاني حليم شابتها الشوائب في كلماتها تحديدا، فأصبحت أقل عمقا و تأثيرا لحد كبير ، ثم ينتهي العصر القبيح ليبدأ عصر اللا-لون و لا طعم و لا رائحة ، و بهذا ننهي اللوحة الثانية، لوحة مجتمع الفرخة الدايخة التي لا تقر على قرار

آه ، منين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه ، في مطلع هذه اللوحة ، كانت فيه أغنية ، منهم لله اللي غنوها و منهم "محمد العزبي" ، فقالوا: اخترناه .. و بايعناه .. يوم ما عبر و عبرنا معاه .. علشان كده احنا اخترناه .. ثم منهم لله فولوا علينا و قالوا .. و احنا معاه لما شاء الله .. و خلال هذه الفترة الطويلة ... حصل ... ماحصلش .. ماحصلش حاجة يتغنالها من أساسه، يمكن فيه بعض حاجات كانت محتاجة ولولة و تعديد، و نجد الفن مواكب أيضا للعصر، فنسمع فلته الجيل و الطفل المعجزة "حمادة هلال" يعبر عن روح الأسرة و العائلة التي تسيطر على لغة السياسة في مصر قائلا في أغنيته الدرامية المروعة: دي عيلة واطية و نصابة .. الليلة جينا نهنيكوا .. هاتوا الفلوس اللي عليكوا .. عادي بقى ، ماهو لما لغة السياسة تبقى لغة مصاطب لازم المغنى يتقلب ردح و تشليق و فرش ملايات ، و لازم المطرب يبقى عيل لسة شنبه ماخطش ، و لا هايخط غالبا

و لا الأغاني الوطنية .. يا سيدي على الأغاني الوطنية ، زمان في بداية عصر رمسيس العاشر، كان فيه جوز مطربين، واحد من بلدي طنطا و التاني هو رائد السهوكة في الغناء العربي، طلعوا لابسين قمصان ملونة بلونين، كل نص لون، و بيلعبوا في المية و يرشوا على بعض ، و بعد ما كنا في الزمن الجميل نغني و نقول: بلدي .. بلدي يا بلدي .. بكل حبي للحياة و لبلدي .. و بكل بسمة فوق شفايف ولدي .. و بكل شوقي لفجري و شروقي .. و بكل نبض الثورة في عروقي .. جيتلك و انا ضامم .. جراح الأمس .. و حالف لرجعلك عيون الشمس .. يا يا.. يا بلدي .. بلدي يا بلدي.. جالنا زمن الصغيرين، فبنفس المطلع غنى "محمد ثروت" و غنى معه "هاني شاكر" بلدي يا بلدي الجديدة ، أغنية لا أستطيع أن أتذكر منها سوى .. و املا كفوفي من النيل و اشرب .. حلوة المية لو مصرية .. بلدي .. بلدي يا بلدي، طيب سيبك من دي، في أواخر عهد رمسيس العاشر و بدايات عصر رمسيس الحادي عشر و الحاجة أم رمسيس، غنت المطربة شيرين أغنية وطنية كاتا باتا خالص، فقالتلك ايه بقى : بلدنا أمانة .. في ايدينا نعليها .. أه نبني روف و نخلي مصر دوبلكس و نبيعها بالمتر .. مادام عايشين نعيش فيها ..سنين و سنين و احنا مطمنين .. آه و بعد ما نموت ممكن تتأجر مفروش و موقعها ع البحر المتوسط هايجيب ايجار زي الفل .. ماشربتش من نيلها؟ يا وحش؟ .. طب جربت تغنيلها؟ يا بيئة ؟ .. جربت في عز ما تحزن تمشي في شوارعها و تشكيلها؟ .. مامشتش في ضواحيها؟ يا كخة؟ .. طيب ماكبرتش فيها؟ و لا بابا و ماما كانوا في الخليج و اتربيت معاهم؟ لأ لأ .. ده انت كده مش شيرينج و لا كيرينج خالص .. بيئة موووووت ، و طبعا صورة الفنانة اللي تحت دي بتعبر عن العصر و طبيعته أصدق تعبير

كنا زمان نغني و نقول: ابنك يقولك يا بطل هاتلي النهار.. ابنك يقولك يا بطل هاتلي انتصار .. ابنك يقول أنا حوالية .. الميت مليون العربية .. و لافيش مكان للأمريكان بين الديار.. ابنك يقولك ثورتك عارفة الطريق .. و عارفة مين يابا العدو و مين الصديق .. ثابتة كما الجبل العفي .. حالفة ع الانتصار.. بقينا النهاردة بقى لما نغني لبابا بنقوله ايه؟ بنقوله يا سيدي: بابا قول لماما دح بابا أوبح .. تاته فيها واوا يح بابا اوبح .. و لما كنا زمان نغني للولد و نقوله: حبيت بلدي .. و عشان بلدي أنا عايزك تكبر يا ولدي .. و اشوفك بتعمر فيها .. و بتزرع قمح في أراضيها .. و بتبني مصانع يا ولدي.. عاوزينه يزرع قمح، مش كنتالوب و لا فراولة خيارية الطعم ، النهاردة بقى مزة مصر و الشام "هايفة وهبي" تغنيله تقوله ايه؟ تقوله: ليك الواوا .. ليك الواوا .. بوس الواوا خلي الواوا يصح .. لما بست الواوا شلته صار الواوا بح .. بالبس لعيونك يا حبيبي .. كل جميل و دح .. بوس الواوا بوس الواوا .. خلي الواوا يصح .. انا من دونك يا حبيبي .. أنا بردانة أح .. بس تعجبني اللمحة الصادقة في آخر كلمات هذه الأغنية، صدقت يا هايفة هانم ، يا خي ستين ..... عليكي و على الزمن و على الغنا لو كله كده

و لا العاطفي .. يا سيدي على العاطفي، من روائع الفن غنت كوكب الروف "بوسي سمير" فقالت: حط النقط على الحروف .. قبل ما نطلع سوا ع الروف .. البنت عايزة تأمن مستقبلها مافيهاش حاجة يعني ، و لو رجعنا ورا شويتين نلاقي مغني الحضانة "محمد محيي" يقولك ايه: أنا من الأول عارف إن .. قلبك مش بسهولة يحن.. أعمل ايه في صغير السن؟ .. اعمل ايه في صغير السن؟ .. نفسي أفهم مين صغير السن ده؟ و لا قصده أعمل ايه في اللي في بطني؟ أما عن الشعبي بقى فحدث و لا حرج، ده عصر شعبولة ، نتاج اختلاط دماغ البيرة المغشوشة بالحشيش المخلوط في الأفراح الشعبية المصرية بعدما انحدر الشعب المصري لحافة الهاوية و الهوان ، و أقولها للتاريخ "شعبان عبد الرحيم" مع "بوسي سمير" هما العلامات المعبرة عن طبيعة الحقبة الحالية في مصر ، كما عبر "عبد الحليم حافظ" و "أم كلثوم" عن حقبة الخمسينات و الستينات أصدق تعبير ، و هم يشبهوننا كما شابه العندليب و الكوكب نفس هذا الشعب في الزمن الجميل

20.7.08

جرعة كــــرامة

و يصدق حزب الله مرة أخرى

الله أكبر ، صدق حزب الله وعده، ليثبت للمرة الثالثة، أن هذا العصر الأمريكي الصهيوني وهم ، و سوف ينهار لو ملكنا اليقين ، يقينا بأنفسنا و إمكاناتنا، يقينا بأن من يملك الحق و الأرض، تندلع النار إذ يتنفس كما قال "أمل دنقل" رحمه الله ، شريطة أن يملأ الحق قلبه، الله أكبر ، يا صهيون يا قاتلة الأنبياء، تحرر "سمير القنطار" و رفاقه من أسرى الشرف و الفخار، و عادت "دلال المغربي" و عاد معها العشرات من شهداء فلسطين و لبنان، فأنعم بالأسرى و الشهداء، أنعم بالمناضلين الحقيقيين في سبيل التراب و الشرف الوطني ، و أنعم بك من أرض يا لبنان، يا صغيرة في بقعتك، كبيرة بمكانتك، قليلة العدد و لكنك ذاخرة بالرجال و الأبطال، متشعبة الطوائف و الفصائل، لكن شعبك الكريم، يعرف كيف يحب الحياة، و كيف يجيد الموت بكرامة لو حان للموت حين ، من قلب الشعب العربي الظمآن لجرعات الكرامة، من زمانه المشتاق للحظات الشرف، و من عروقه التواقة لنبض الرجال، يحييكم اليوم عبد فقير من جماهير هذا الشعب المفتون ببطولتكم، فلتقبلوا تحيته ، تحية لا تزيدكم شرفاً، لأنكم أنتم من تمنحون الشرف، و لا تزيدكم فخرا لأنكم فخر للجميع ، و هل لدي غير الكلمات أحييكم بها؟ و كيف يوفي الكلام للدم الطاهر حقاً؟ و كيف يعبر القول عن ملاحم الرصاص و الصواريخ؟

لماذا أحبكم
يا سيد المقاومة، و يا أسود حزب الله، أحببتكم في عام 2000م حين رأيت جيش الدفاع ينسحب تحت جنح الظلام، من جانب واحد و بدون أية تنازلات، عندما تحرر الجنوب اللبناني في 25 مايو ذلك العام، خرجت من شفتي لأول مرة كلمة "الله أكبر يا حزب الله ... الله أكبر يا لبنان" ، و كانت فاتحة انتصارات، و كان لها ما بعدها، و في يوليو عام 2006، أغارت اسرائيل على لبنان بعد أزمة جندييها الأسيرين، و أعلنت أن هدف الحرب هو تفكيك حزب الله و إعادة الأسيرين اللذين أصبحا يومها رمزا لكرامة اسرائيل، و أعلن حزب الرجال الصمود و النضال، و عرف شعب لبنان الذي يكثر الجدل وقت السلم، كيف يكون الصف واحدا ساعة القصف و حين يجد الجد، فمنيت اسرائيل بهزيمة فادحة، بعجزها عن تحقيق أهداف الحرب المعلنة، و تكبدها العديد من الخسائر، فضلا عن التهديد العسكري للعمق الإسرائيلي لأول مرة في تاريخها، ذاقت اسرائيل معنى النيران في جبهتها الداخلية ، فزاد الحب في قلبي أضعافا مضاعفة، برغم كل ما قيل عن البنية التحتية التي ضربت، و عن المؤسسات التي تعطلت و عن سلوك الكهرباء و زجاجات البيبسي التي تحطمت، فلا حكم الله عليك يا لبنان بزعماء السباكة و النجارة من أصحاب أمجاد البنية التحتية و مترو الأنفاق، و اليوم يا أحبائي، يفيض القلب بحبه، و تكاد تدمع العين فرحا بنصركم الدبلوماسي الحقيقي، فالدبلوماسية الحقيقية هي المهارة في حصد ما غرسه السلاح، أو ما غرسه وجود القوة و المنعة في النفوس، مما يغني عن استخدام السلاح، و ليست الدبلوماسية أبدا في الحج للبيت الأبيض في ربيع كل عام، و لا في الانبطاح أمام اسرائيل ذلا و فرقا، لو كان قومي يعلمون، و لقد أثبتم و أثبت السلاح في أيديكم، و الصواريخ في ترسانتكم أنه أقدر الطرق البلوماسية، لأنه يأت للمرة الثالثة بما لم تأت به دبلوماسية الحشاشين المخنثين، أو سلام اللصوص، أو علاقات الملوك الخونة، أو نوم الخدامين في فراش الأمريكان عرايا

لماذا أنتم خارج القاعدة

يلومني الكثير من أصدقائي هنا على حبي للسيد "حسن نصر الله" و ميليشيا حزب الله اللبناني، نعم، بوجه عام أنا ضد الثيوقراطية و خلط الدين بالسياسة و القيادات الدينية من أصحاب السماحة و النيافة و الفضيلة بالقيادات السياسية من أصحاب المعالي و الفخامة و السيادة، و أرى في المجتمع المدني العلماني مكانا تعيش فيه كل الأديان بكل الحرية الدينية و بكل الوئام، و لا أنقم على المذاهب الشيعية المعتدلة أمراً غير الإمامة و معادلها العصري و هو ولاية الفقيه، ثم نعم كذلك أنا ضد الميليشيات و القوى التي تتحول إلى دولة داخل الدولة، كل هذا حقيقي، و هذه بالفعل هي ثوابتي الفكرية، لكنني أقولها اليوم كما قلتها دائماً، أكره كل اللحى و أحب لحية واحدة، هي لحية أبي الشهيد، لحية أبي هادي، الذي كان جثمان ولده ضمن ما بادل يوما مع اسرائيل عام 1994م، لحية سماحة السيد "حسن نصر الله" فلا أكاد أسمع اسمه حتى تتردد بعقلي كلمات شاعر الثورة و الحب و التنوير "نزار قباني" رحمه الله، من سيمفونيته الجنوبية الخامسة و هو يقول
سميتك الجنوب
يا لابسا عباءة الحـــــــــــــــسين .. وشمس كربلاء
يا شجـــــــــــــــر الورد الذي يحــــــــــــترف الفداء
يا ثورة الأرض التقت بثــــــــــــــورة السمــــــــاء
يا جسدا يطلع من ترابه .. قمــــــــــــــح و أنبيــــاء
اسمح لنا .. بأن نبوس الســـــيف في يـــــــــــــديك
يا أيها المغسول في دمائه كالــــــــــــوردة الجورية
أنت الذي أعطيتنا شهادة الميلاد .. و وردة الحرية

أنا أكره ذوي العمائم و اللحى، هذا صحيح، لكنني أكره فيهم راسبوتين الكذاب، ذي الوجهين، الآمر بالبر و ناسياً نفسه، المدجن للسلطان و المستأسد على الغلبان، و لذات هذه الأسباب أحب "حسن نصر الله" المناضل و أبي الشهيد، الذي قدم ابنه الأكبر للموت في سبيل لبنان، و ليس لرئاسة لجنة السياسات في حزب الله!!! الذي عاش و يعيش ككل لبناني، منتميا لحياة طبقته الوسطى، لا يسكن القصور، و لا يتسرى بالجواري و الإماء، أكره اللحى في وجوه ليس لها من الرجولة إلا الإسم و اللحية، و أحبها على وجه العظيم رجلا و قائدا و زعيما، أكره اللحى و لكن أهلا بكل لحية تقودنا للنصر و الشرف، بعيدا عن خنوثة الانفتاح و الترف، و كذلك أقف ضد الميليشيا، عندما تكون الميليشيا لإرهاب الوطن، كميليشيا الإخوان المجرمين التي نكبت بها مصر و بعض بلاد العرب، ميليشيا تمارس العنف في حرم جامعي بالقاهرة، و ليست ميليشيا تقصف بالصواريخ قلب اسرائيل، جهاد حقيقي، و ليس جهاد فتاوى البول، أو جهاد جلسات النسوان، أو جهاد قهر النساء، و صحبة المحرم للمرأة عند تصفح الانترنت، شتان يا سادة بين ميليشيا قوتها سيف في ظهورنا، و ميليشيا قوتها على رقاب اسرائيل، فلو كانت الميليشيا على عدوي، فألف أهلا بالميليشيات لو هم حررونا، و يقولون أموال و سلاح من سوريا و إيران، و الله؟ حرام على لبنان سلاح و مال سوريا و لبنان، و حلال على العرب قواعد الأمريكان في السعودية و قطر و البحرين و العراق و دبي؟ حرام على حزب الله معونات إيران، حلال لمصر معونات الأمريكان؟؟؟ مالكم؟ ما طبكم؟ ما دواءكم؟ هل هذا وقت للحديث عن سنة و شيعة؟ يتهمني البعض بالتشيع، و الله لو كنت لكان لي شرف الانتماء لمذهب ينتمي إليه أسود المقاومة، و هل هذا وقت الحديث عن عربي أو أعجمي؟ أم أن هلع مشايخ البترول من كلمة تصدير الثورة مازالت تصك مفاصلهم و ترتعش منها كروشهم اليوم بعد ثلاثين عاما على قولها؟

سمير القنطار ما رأيه؟

نشكر الله الذي كتب الحرية للمناضل البطل سمير القنطار، المناضل القومي و العروبي الأشهر الذي قضى شبابه و جانبا من كهولته في سجون اسرائيل، ثلاثون عاما كاملة، أمضاها بين أعدائه، فصفا بصره من ضبابيات الصورة السياسية و أكاذيب الساسة، فتعالوا نقرأ خطابا منه وجهه للسيد "وليد جنبلاط" من معتقله في فلسطين المحتلة، عندما هاجم السيد "وليد جنبلاط" و الذي يمثل القيادة السياسية للدروز، في خطابه قال سمير: عندما غادرت شاطئ مدينة صور ليلة 22 نيسان 1979، كنت أستعيد في ذاكرتي شريط الأحداث الذي طبع طفولتي وريعان شبابي، كنت أستعيد في تلك اللحظات الدقيقة والحساسة التي يجب على المرء خلالها أن يمتلك من الاستعداد النفسي والمعنوي الشيء الكثير، وكان كمال جنبلاط بقامته الكبيرة حاضراً في مخيلتي يخطب أمام الذين ليس على صدورهم قميص بأن الحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم لا للضعفاء، كانت هذه المقولة تستحضر في مخيلتي في كل اللحظات الصعبة والمريرة، عندما تلاطمت الأمواج وكادت تغرق الزورق المطاطي الذي كان يحملني مع ثلاثة من رفاقي إلى أرض فلسطين الحبيبة، وعندما تجمع حولي زمرة الحاقدين الصهاينة بعد أن فقدت القدرة على الحركة جراء إصابتي بخمس رصاصات في جميع أنحاء جسدي وراحوا ينكلون بي في أرض المعركة، وعندما أطفأ المحقق السجائر في يدي في أقبية التعذيب ، وعندما جرى عزلي العام الماضي في سجن الجلمة بعد 8 أيام بدون طعام وكان الجوع يأكل جسدي، كانت هذه الكلمات زادي المعنوي الكبير الذي ما زلت أفتخر وأعتز به، اليوم ها انا أجلس حزيناً في غرفتي في معتقل هداريم، أشاهد على التلفاز ابن هذا الرجل الكبير الذي قال يوماً "ان السلاح زينة الرجال ، والنصر يا رفاقي آت لا محال" ، أراه واقفاً يخطب على بعد أمتار من المكان الذي يرقد فيه كمال جنبلاط، وليد كمال جنبلاط، يعزّ عليّ ويحزنني أن أسمعك وأراك متوتراً تطلق تصريحات لا تمت إلى تاريخك النضالي ، ولا إلى التراث السياسي العريق لهذا البيت، الذي أصابته النكسات تلو النكسات منذ قرون ، وبقي قلعة المقاومة والصمود في وجه الغزاة، وليد كمال جنبلاط، أنا الموقع أدناه سمير القنطار، ابن مدرسة كمال جنبلاط وجمال عبد الناصر، ابن جبل العروبة الذي أنبت حماة الثغور، أعلن بأن أي كلام تخويني بحق سلاح المقاومة وبحق الإخوة في حزب الله، يطالني في الصميم ، وهو طعنة عميقة أصابتني بجرح لن يندمل إلا حين تعود إلى موقعك الطبيعي، وليد جنبلاط ، حفيد شكيب ارسلان ، وابن كمال جنبلاط ، وسليل الجبل الذي لن يكون إلا جبل المقاومة، آمل أن يلقى هذا النداء الاستجابة الفورية وألا يفسر أبداً في خانة التخوين أو التضليل، ما دفعني إلى الكتابة هو شوقي لان يكون يوم حريتي ويوم استقبالي على أرض وطني ، وفي بلدتي ، يوماً يكون فيه الغزاة في العراق قد عادوا إلى حيث أتوا ، لا أن يكونوا في انتظاري على مدرج المطار لكي يقتادوني إلى معتقل غوانتانامو، سمير القنطار من معتقل هداريم، فلسطين

قد يقول البعض أن هذا خطاب عاطفي من أسير يدعو فيه لمهادنة من يتفاوض على فك أسره، و لكن عفوا يا سادة، نحن نتكلم عمن قضى شبابه في سجن العدو، منتصب القامة و مرتفع الهامة، و من كان مثل "قنطار الذهب" هذا لا يماليء و لا يهادن، و الا لما كان ما كان، فمن يعرفون التقية و تمرير الريح، تجدونهم يعقدون المؤتمرات في الفنادق بينما يدعون ان الدولة تقهرهم و تعتقلهم، بل و من البجاحة يسمون سجنهم الجنائي و السياسي أسرا، فألف تحية للقنطار، و لمن حرر القنطار، و لمن وهبنا نسمة كرامة في قيظ الذل العربي الذي كادت جباهنا فيه تمس الأرصفة