18.8.10

بيتانية مبارك وديجولية نصر الله



ترجمة مقالي في 26 أبريل 2010 في آميريكان كرونيكل
-----

لم تكن رسالة مبارك إلى إسرائيل مهنئا بعيد الاستقلال الثاني والستين هي رسالته الأولى إليها، وككل مرة لم تكن الرسالة ممثلة لجماهير شعبه الرافضة للتطبيع، وللدور الذي فرض على مصر فرضا في عهد سلفه كدولة صديقة للكيان الصهيوني وللرأسمالية الآنجلو-أمريكية وللأنظمة التقليدية في المنطقة بالتالي، وكون الرسالة مكررة لا يعني أنها لم تكن مؤلمة للمصريين والعرب جميعا، خاصة لو أخذنا في اعتبارنا الأحداث المتزامنة معها في 2010م، وأهمها
  1. أعمال الحفر المتزايدة أسفل الأقصى بما في ذلك أنباء عن تخطيط لمرور خط مترو تحت أساسات المسجد
  2. استمرار العمل في الجدار العازل على حدود مصر مع قطاع غزة، والذي يهدف لإحكام حصار وتجويع الفلسطينيين بهدف التركيع
  3. اغتيال العالم النووي الإيراني مسعود علي محمدي، ووصف جريدة الأهرام لقاتله، رئيس جهاز الموساد الصهيوني مائير داجان بالسوبرمان في عددها الصادر يوم 17 أبريل الجاري
  4. استمرار قمع النظام لناشطي التغيير مع ثبوت حالات تعذيب للناشطين، وهو ما يعكس نظاما يستأسد علينا في الداخل كشعب أعزل مرتهن ويلين لإسرائيل إلى ما لا نهاية
وفي اتساق منتظر مع مواقفه، اعتاد مبارك أن يصف مواقف حزب الله الدفاعية عن ثرى وكرامة لبنان بالرعونة، ويتهم الحزب بأنه يقامر بأمن وسلامة الشعب اللبناني، ويعرضه لويلات الحرب ضد الصهيونية، كأن الحزب هو الذي اختار العدوان والاحتلال، وكأن الصهيونية بحاجة لعلة حتى تمارس العدوان. ذات هذه الكلمات التي قالها مبارك قيلت في النصف الأول من القرن العشرين على لسان جنرال عجوز في الرابعة والثمانين من عمره يدعى هنري فيليب بيتان، والذي لقبه الفرنسيون يوما بمارشال فرنسا إثر بطولته في الحرب العالمية الأولى، والذي صار رئيسا لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية في عام 1940م، إذ حسب أعضاء البرلمان أن بطلا قوميا مثله في مقعد الرئاسة سيبث روح المقاومة في الأمة الفرنسية إثر الهزيمة النكراء أمام النازي، وقد أدرك البرلمانيون الفرنسيون كم كانوا مخطئين يوم حول بيتان فرنسا لكيان قزم عاصمته قرية فيتشي في الجنوب الفرنسي، وفقا لمعاهدة الاستسلام التي وقعها للنازي، وقعها لهم لا معهم، ولبس إهاب الديكتاتور المتعاون مع قوات النازي، وقمع ناشطي حركة فرنسا الحرة في كل مكان بدعوى أنهم متهورون يعرضون فرنسا للدمار، ووصف حركتهم المقاومة للاحتلال، والتي أسسها الجنرال الوطني شارل ديجول بالحركة المحكوم عليها بالفشل، وكان النازي يسمي حركة فرنسا الحرة بالإرهابيين تماما كما يسمي الصهيوني حزب الله اليوم

في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان شارل ديجول في مقعد الرئاسة منتخبا من شعبه، وكان بيتان الذي حصل على أعلى الأوسمة العسكرية يوما إثر بطولته في معركة فيردان يقف في قفص الاتهام، ليسمع قضاته وهم يوجهون إليه تهمة الخيانة العظمى في زمن الحرب، ويحكمون عليه بالإعدام، قبل أن يخفف ديجول الحكم للسجن مدى الحياة، فأي دروس نستخلصها من هذه الملحمة التاريخية؟
  1. بطولة بيتان في الحرب الأولى لم تمنعه وهو في الثمانينات من عمره خلال الحرب الثانية أن يستسلم لعدوه حتى المهانة، وعليه، فكون مبارك قائدا من قواد النصر في عام 1973م لا ينفي أنه وسلفه السادات نقلا مصر من ريادة معسكر الصمود إلى مقدمة الدول المتهاونة والمسماة تضليلا بالمعتدلة في مواجهة الصهيونية
  2. أبطال المقاومة في الأمم المهزومة والفاقدة لعزتها القومية والوطنية يسميهم الإعلام الرسمي عادة بالإرهابيين، ويدعي أنهم يعرضون شعوبهم للخطر والدمار، لكن كتاب التاريخ ينصفهم لاحقا بما يستحقون من أكاليل الغار، بينما يعاني الفريق الذي اتهمهم بالإرهاب من اتهامات الخيانة العظمى، وعليه، فلسوف يكتب التاريخ العربي اسم السيد حسن نصر الله يوما بحروف من نور ومسك في قائمة أبطاله عبر الزمان، بينما سيعاني حكام مثل مبارك مصر، وعبد الله السعودية، وعبد الله الأردن من أحكام محكمة التاريخ التي لا تعرف النفاق ولا التزلف
  3. في السياسة الفرنسية اليوم، لو أردت أن تتهم شخصا بالسلبية والانهزامية ما عليك إلا أن تدعوه بيتانيا، ولو أردت أن تصف آخر بالوطنية والتمسك باستقلال الرأي الفرنسي فعليك أن تدعوه ديجوليا، وذات يوم سيحسم التاريخ جدل الحاضر، وسترتبط أسماء عبد الناصر ونصر الله وهواري بومدين وشكري القوتلي بالوطنية والفداء وبعد الرؤية، بينما سترتبط أسماء مبارك والسادات وعبد الله بالعكس
فالتاريخ يمشي في النهاية في ركاب الحق ولو طال الزمن، بآلية ربانية وضعها الله فيه حتى تتجه التجربة البشرية في مجملها نحو النماء والغناء، ونحو كرامة الفرد واستقلال الأمم، ولهذا فالخلود هو موعد الثابتين، واللعن هو قدر المفرطين وإن طال الزمن

2 comments:

الفيلسوف said...

هذا الكلام من اجمل ما قرأت في وصف الحالة الراهنة
سلمت يداك وقلمك

Dr. Eyad Harfoush said...

صديقي الفيلسوف
سلمت يا أخي من كل شر وسوء، أشكرك