21.8.08

علم النفس التنظيمي



آثار أمراضنا الاجتماعية على مؤسساتنا
لماذا لا تتعملق الكثير من المؤسسات المصرية؟ لماذا لا تتكرر تجارب مثل "أوراسكوم" كثيراً فتحقق التوسع الإقليمي أولاً ثم القاري ثم الدولي؟ لماذا تبدأ العديد من المؤسسات في التقزم حين تصل لمرحلة معينة من النمو؟ أو باختصار ، لماذا لا تكون نجاحات المؤسسات المصرية طويلة الأمد عبر الأجيال؟ لدينا السوق الكبير كماً في العديد من المجالات ، بحكم التعداد السكاني على الأقل ، و لدينا قدرة شرائية في نسبة من السكان تتجاوز تعداد دول الخليج مجتمعة ، و لدينا الكوادر التي يفترض أنها ماهرة و مدربة ، و كذلك لدينا رؤوس الأموال الوطنية و الأجنبية ، و نحن حين نتحدث عن المؤسسات المصرية هنا ، لا نعني منها فقط ما كان مملوكاً للمصريين ، لكن ينسحب كلامنا كذلك على فروع الشركات متعددة الجنسيات ، و هنا يظهر لنا سؤال إضافي ، لماذا انتقلت أغلب المكاتب الإقليمية للشركات العالمية خلال عقدين من مصر إلى دبي؟ و محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة جميعا من خلال علم الإدارة التقليدي بتطبيقاته السطحية ، و التي لا زالت أغلب معاهدنا العلمية تدرسها لطلاب إدارة الأعمال ، لن تفيدنا كثيراً ، و سوف يرهقنا الجواب إن لم يعجزنا ، لكننا حين ندرس المشكلة في ضوء تطبيقات علم النفس التنظيمي العديدة ، فلسوف نجد الإجابات أقرب كثيراً ، و علم النفس التنظيمي لمن لا يعرفه ، هو العلم الذي يدرس الأداء المؤسسي و تفاعل جميع العناصر فيه ، و لا سيما تفاعل فرق العمل المختلفة مع القرارات و النظم و الأطر التنظيمية ، و كذلك التفاعل البيني للأفراد من مختلف المواقع داخل المؤسسة ، و نتاج هذه التفاعلات المتمثل في أشكال السلوك التنظيمي المتباينة ، على أساس من علم النفس و تطبيقاته ، مع استخدام هذه التطبيقات لتقويم السلوك المؤسسي و زيادة معدلات الأداء لمجمل الطاقات البشرية للمؤسسة ، و لا عجب في ذلك ، فرواد علوم الإدارة مثل "أبراهام ماسلو" صاحب الهرم الشهير للدوافع البشرية كانوا علماء نفس بالأساس ، و "فردريك تايلور" مهندس علم الإدارة الأول في مطلع القرن العشرين ، كان برغم تخصصه الدراسي في الميكانيكا دارسا متعمقا لعلم السلوك ، و اليوم تتشابك تخصصات الإدارة ، و إدارة الموارد البشرية ، و علم النفس التنظيمي ، و علم النفس التعليمي ، و إدارة الأزمات السلوكية لتكون حجر الزاوية لإدارة مؤسسات إستراتيجية و ذات سمعة عالمية إدارياً ، مثل البحرية الأمريكية ، و شركات تستهدف الربح بحجم "أي تي آند تي" و "مايكروسوفت" و غيرهما ، بداية من التعيين في الوظائف القيادية ، و حتى قرارات الترقيات و إعادة الهيكلة ، تعتمد هذه المؤسسات الكبرى على علم النفس التنظيمي ، حتى تتجنب كارثة وجود شخصيات غير سوية نفسيا في موقع قيادي يؤدي لتخريب المؤسسة من الداخل و انتحارها البطيء ، و تطبيقات علم النفس التنظيمي عديدة ، و تزيد أهميتها كلما كان مجال العمل أو الاهتمام مجالاً سريع التطورات مثل مجالات التكنولوجيا

فماذا نقصد بالأمراض الاجتماعية التي تنعكس على أدائنا المؤسسي؟

نعني بها الأمراض السلوكية المتأصلة في مجتمعنا ، و الشديدة التجذر في تراثنا كمصريين، و التي تلقي بظلالها الكثيفة على أنماطنا السلوكية في مؤسساتنا ، و أوجز هنا هذه الأمراض في عدة أنماط محورية ، لنتعرف عليها و على جذورها ، و حين نتحدث عن الجذور ، فليس بالضرورة أن يكون الفرد قد تعرض للمؤثرات التراثية تعرضاً مباشراً ، لأنها عناصر تترسخ في العقل الجمعي للشعب و تنتقل بين أفراده كالعدوى ، كما تنتقل رأسياً من جيل إلى جيل وفق أحدث نظريات التحور الجيني السلوكي ، فليس معنى أن الفرد قد ولد في العاصمة و عاش فيها ، أنه لم يتأثر بالعناصر الفاعلة في مجتمع القرية ، فهل تجد هذا غريباً؟ هل تتصور أن المؤثرات التي تعرض لها والدك لا تؤثر في شخصك و سلوكك؟ أنت على خطأ كبير لو ظننت هذا ، فحلم السقوط مثلاً ، كلنا يمر به عدة مرات في حياته ، و هذا الحلم يحدث نتيجة ارتباط شرطي تطور لدى الإنسان منذ عصر النوم على فروع الشجر ، فكان النوم العميق يؤدي لكثرة تقلبه فسقوطه من فوق الشجرة و يكون معرضاً للخطر ، اليوم ، عندما تصل أنت لهذه المرحلة مع الإرهاق الشديد ، ترى هذا الحلم ، برغم أنك لم تنم على فرع الشجرة قط و لم تسقط من قبل ، فتكوينك النفسي يا صديقي أعمق بكثير جداً من سنوات عمرك المحدودة التي عشتها ، و نظراً لأن علم النفس التنظيمي أوروبي النشأة ، و أمريكي التطور ، فكل دراساته (كالكتب بأعلى) تتم على نماذج يورو-أمريكية ، لهذا خطر لي أن أستغل فترة الإجازة الحالية في جمع المادة العلمية ، و بداية تصنيف مؤلف في علم النفس التنظيمي برؤية و مرجعية مصرية ، يصلح كأداة للتحليل و التطوير في مؤسساتنا ، وفقاً للأنماط السائدة في الوعي الجمعي بمصر


الخواء القيــــــــادي و خارطة الطريق
ما هي مهمة القيادة داخل المؤسسة؟
و أنا هنا أتحدث عن القيادة و ليس الإدارة ، فالقيادة يمكن أن تكون على مستوى منطقة أو فرع أو قطاع أو قسم ، و هي مرتبطة بالأساس بملكات القائد و مهاراته و معارفه ، و لا ترتبط بحجم سلطاته ، و الشكل أعلاه يبين في اتجاه عقارب الساعة ، المهام القيادية ، و بترتيب أولوياتها زمنيا ، فلو افترضنا أن قائدا جديدا بدء عمله اليوم ، فأول ما يتعين عليه فعله ، هو التواصل بكثافة مع الأفراد داخل المؤسسة ، حتى يقوم بعملية تحليل المناخ العام ، و حصر الأمراض التي تتواجد به ، و من أشهر هذه الأمراض في مؤسساتنا المصرية ، أزمات الثقة الحادة ، بين الأفراد و بعضهم ، و بينهم و بين إدارة المؤسسة ، و كذلك من ضمن أكثرها شيوعاً ، الحزبية و الشللية ، فيتعين على القائد أولاً أن يبدأ في إعادة خلق مناخ الثقة قدر الإمكان ، أو بالأقل السيطرة على العناصر التي تزيد من أزمة الثقة ، و ثانيا ، عليه أن يتقبل أمر الشللية بصدر رحب ، ثم يبدأ في تفكيكها تدريجيا بالقضاء على عناصر الخوف المشترك التي تتكون بسببها الشللية أولاً ، ثم وضع نظم للسيطرة على شبكات المصالح التي تعد السبب الثاني وراء ظهور الشللية ، و عليه أن ينأى بنفسه ، فلا يحسبه أحد على مجموعة من الأفراد بأنهم الأثيرين لديه ، و بالتزامن مع عملية تحليل و تعديل المناخ العام هذه ، يدرس القائد الوضع الاستراتيجي للمؤسسة في مجالها الإنتاجي الرئيسي ، ليضع خلال هذه الفترة الإستراتيجيات العامة التي ستوجه المؤسسة لأعوام آتية ، لتكون هي الدستور الذي يرجع له هو شخصيا في إدارة العمل ، و لبناء الإستراتيجيات العامة حديث يضيق به المجال هنا ، ثم تأتي الخطوة الحيوية التالية ، و هي إكتشاف القيادات و المهارات داخل فريق العمل الموجود بالمؤسسة أولاً ، و يجب أن يكون للطاقات الحالية أولوية شبه حصرية ، فلا يستعين من الخارج بغير الضروري جداً من العناصر الوافدة ، لأن كثرة العناصر الوافدة ستوحي للطاقات الموجودة بالداخل بصورة ظلامية للمستقبل المهني ، تجعل من السهل جداً فقد هذه الطاقات ، و بمجرد إكتشاف القيادات و المهارات التي ستعينه لتحقيق الإستراتيجية العامة ، يبدأ في تدريب هذه المهارات ، و تعقب ذلك مرحلة تمكين هذه العناصر الموهوبة و المدربة من القيادات من مواقع الإنتاج ، و تفويض الصلاحيات و السلطات لها ، لتتمكن من العمل بهامش حرية واسع ، و تدريب و تطوير غيرها بالتبعية ، ثم يبدأ القائد في المرحلة التالية ، و هي التركيز على تحسين قنوات الإتصال بين المؤسسة و بين البيئة العامة للعمل التي توجد بها من موردين و شركاء تجاريين و عملاء و غيرهم ، حتى يتأكد من وجود أسلوب سلس لضمان سلامة قنوات الإتصال ، ثم تأتي المرحلة الخامسة ، و هي وضع النظم و الأطر العامة للعمل و عادة ما يبدأ الكثير من المديرين بهذه الخطوة ، و هم بهذا يضعون العربة أمام الحصان ، لأنهم يكونون بين خيارين كلاهما مر ، الأول هو وضع نظام عمل مثالي ، لا تستطيع الطاقات الموجودة العمل به ، بحكم الآفات الموجودة بالمناخ العام ، أو يضع نظاما يمكن لهذه الطاقات في ظل مناخها العام الموجود أن تتعامل معه ، و لكنه قاصر و أقل من المثالي كفاءة ، ثم تأتي المرحلة الأخيرة ، من مراحل التغيير القيادي ، و هي مرحلة الإدارة بالأهداف ، فيضع القائد الأهداف التي يحتاج تحقيقها من كل من القيادات التي فوض لها العمل ، و ذلك بما يتماشى مع الاستراتيجية العامة ، و ليست هذه هي نهاية عمل القيادة داخل المؤسسة ، لكنها فقط نقطة البداية التي قد تأخذ شهوراً أو سنوات ، وفقا لطبيعة المؤسسة و نوع النشاط ، فبعد إتمام هذه المهام ، تتركز مسؤلية القائد في أن يشكل الثقل المركزي للمؤسسة ، نقطة الارتكاز التي يرجع اليها في الاستراتيجيات ، و الروح المشتركة في كل أركان العملية الانتاجية بلا استثناء ، و السؤال هو ، كم نسبة هذه النوعية من القادة في بلادنا؟ و على جميع المستويات؟ للأسف قليلة للغاية ، فنحن ما زلنا نعايش قادة يعانون من ربط المكانة بنطاق الصلاحيات أولاً ، ثم ربطها بمظاهر الوجاهة و فتح باب السيارة و جميع مظاهر "أدب القرود" من جانب القوة العاملة في المؤسسة ، و هو تراث ثقيل ورثناه من عهد الاستعمار الانجليزي أولاً ، حيث كان الجميع يمارسون "نوم العازب" أمام المدير الخواجة لارضائه ، ثم من فترة عسكرة المؤسسات حيث كان المدير الضابط سابقاً يحب معاملة موظفيه كعساكر المراسلة في وحدته العسكرية

غياب القيادة و حالة الضياع
من السمات الأساسية للمؤسسة التي يغيب فيها دور القيادة كمركز الثقل و الجاذبية بين عناصر العمل و بيئته ، حالة الضياع التي تنتاب المؤسسة بفقدها لرؤية القيادة الكلية ، فتجد الحياة اليومية بها تتسم بسمات لعل أهمها: (1) صعوبة اتخاذ القرار ، فتجد قرارات تكتيكية أولية تستنزف وقت و جهد فريق العمل للوصول إليها ، في غياب الرؤية الكلية التي تسهل اتخاذ القرار (2) ثم تجد تزايدا مستمرا في حالات الصدام بين الأفراد في أداء العمل ، بدرجة تتعدى ما هو مفترض في عمرهم و خبرتهم ، و هذا نتيجة لفقد دور الثقل المحوري ذي الرأي الحاسم للمناطق الرمادية ، (3) من هذا كله تتحول المؤسسة إلى وسط طارد للكفاءات ، فتظهر مشكلة عدم ثبات الطاقة العاملة ، و تتزايد مع الوقت ،(4) كذلك تظهر مشكلة تداخل المهام الوظيفية ، لأن القيادة لا تملك الرؤية و العقيدة التنظيمية الكافية ، و هنا ننفرد بمشكلة أخرى ، لقد استعرنا من الغرب اليورو-أمريكي القشرة الخارجية للقيادة ، و اهتمام شديد بالمظهريات و الانجازات الشكلية ، و من طرائف من قابلت منهم بحياتي المهنية ، سيدة كانت تصر على استخدام اللغة الإنجليزية مثلا بينما تسقط سقطات لغوية مضحكة ، فتقول بإنجليزيتها الركيكة "عيد ميلاد ربح مبارك" لأنها أرادت أن تقول "مولد نبوي مبارك" ، و رأيت آخر يحاول أن يتصنع لكنة متفرنجة في نطق كلمة "دكتور" فينطقها بطريقة رقيعة لا هي إنجليزية و لا أمريكية و لا فرنسية ، بينما يجهل أبسط الاصطلاحات الانجليزية في مجال تخصصه!! كل هذا لأننا نحاول تقليد الشركات متعددة الجنسيات بصورة قشرية دون أن نرسخ الأسس التي جعلت من هذه المؤسسات شركات عملاقة ، المهم أن هذه القيادات القشرية هي النموذج الغالب في بلادنا ، لأن قدرتنا على فرز الغث و السمين شبه معدومة ، فما زالت هذه الكائنات الطفيلية تلقى رواجاً ، بينما لن تجد واحدا منها في مؤسسة يملكها لبناني أو سوري ، لقدرتهم العالية على فرزها و استبعادها في عملية الاختيار ، بينما تعجب العديد من المصريين لأننا ما نزال أسرى عقدة الخواجة ، و عقلية التنظيف و الترتيب الظاهري قبل زيارة الوزير

التكنوقراط و عقلية الصمامات
و نعني بالتكنوقراط هنا الكوادر التي تشغل موقعا يعتمد نجاحه بالأساس على إتمام حلقات إجرائية ، أكثر من اعتماده على هدف إنتاجي مادي محدد ، و يقع تحت هذا المسمى إدارات مثل الشئون الإدارية، و المالية (عدا في المؤسسات المالية) و إدارة شئون الأفراد ، و الشئون القانونية (عدا في مكاتب الخبرة القانونية) و للتيسير، إذا أردت أن تحدد هل أي وظيفة داخل أي مؤسسة تكنوقراطية أم لا، يمكنك أن تسأل نفسك، هل يمكن الاعتماد فيها على بيت خبرة خارج المؤسسة أم لا؟ فلو كانت الإجابة بنعم فهي تكنوقراطية ، لا يستثنى من ذلك إلا تعاقدات التصنيع لدى الغير ، فهذا لا يجعل التصنيع وظيفة تكنوقراطية لوجود أهداف إنتاجية محددة سلفاً ، أما عن عقلية الصمامات ، فهي قدر حتمي لشاغلي هذه الوظائف ، لأن طبيعة المهام المنوطة بهم ذاتها هي إجرائية في جوهرها ، و هنا يأتي تحقيق الذات من خلال تنفيذ الإجراءات ، على عكس الوظائف الإنتاجية التي تتحقق الذات فيها بتحقق الهدف ، و لابد لهذا أن ينتج مع الوقت عقلية "الختم و التوقيع" مهما حاولنا عكس ذلك، و هذه الطبيعة لها دور محوري في بعض الحالات ، و يعتمد الأمر على مرحلة النمو التي تعيشها المؤسسة و طبيعتها ، فلو كانت في مرحلة النضوج و الاستقرار ، فمن الجائز أن تعمق المؤسسة دور الإدارات التكنوقراطية ، لأن هدفها هو بالأساس وقائي ، يحمي المؤسسة من الهزات و الصدمات و المخالفات القانونية و المالية ، و العكس عندما تكون المؤسسة في مرحلة نمو سريع ، حيث تحتاج للجري خلف الفرصة و ليس الجري بعيداً عن الخطر ، هذا فضلاً عن مكاتب التمثيل الأجنبية و المنظمات التي لا تستهدف الربح ، فهذه في كل الأحوال أكثر اهتماما بالنواحي الإجرائية ، و يجب أن تكون كذلك ، و هنا يأتي الخلل الأساسي في مؤسساتنا المصرية من الخلط بين مؤسسة في مرحلة نمو سريع ، و مؤسسة كبرى في مرحلة الاستقرار، فيعتقد البعض أنه وصل لمرحلة الاستقرار، بينما هو في كبد مرحلة النمو ، و لو توقف نموه فسيبدأ في الاضمحلال فورا ، و من هنا يتحول توجهه من اغتنام الفرصة لتحقيق الأمان ، تماما في الوقت الخطأ ، لكن كل ما قلناه الآن ينطبق على الدنيا بأسرها ، و هو من قواعد علم النفس التنظيمي ، فما هي خصوصيتنا كمؤسسات مصرية هنا؟

تتعمق عقلية الصمامات في تراثنا ، لدرجة نخلط فيها خلطاً مباشراً بين القيادة كروح و ملكات شخصية و قدرات و مهارات تفاعل مع فريق العمل ، و بين السلطة الإجرائية ، فبصبح التكنوفراط لدينا كائنات سلطوية بحتة ، تطلب في كثير من الأحيان ما يعجزها القيام به ، و ما لم تؤهل للقيام به من أعمال ، فجذور المحابس لدينا عميقة جداً، على سبيل المثال ، كان الرجل الريفي في الماضي يحتفظ بكل النقد المملوك للأسرة من عائد بيع المحاصيل في حافظة نقوده التي لا يفارقها ، و بينما كانت الزوجة تحصل عن طريق المقايضة بمنتجات البيض و اللبن على ما تحتاجه من السوق ، فقط لحم الماشية و الفاكهة كان على الرجل المسيطر على النقد أن يشتريها لأنها لا تباع بالمقايضة ، و كانت سيدة الدار الكبيرة تمتلك مفتاحا لما يسمى بالكرار أو غرفة الخزين، هذا المفتاح كانت هويتها كسيدة للمنزل تتمحور حوله ، فهي تمنحه لواحدة من بناتها لتأتي بشيء من دقيق أو سمن من الكرار، ثم ترد المفتاح لصدرها في حب و إعزاز نادرين، هذا النمط يوجد اليوم في مؤسساتنا، و يوجد بوفرة، و قد حل التوقيع أو الختم أو النموذج (س.ص.ل.) محل المفتاح أو محفظة النقد ، و المصير الحتمي لكل مؤسسة تقع في غرام الإجراءات لمجرد الإجراءات أن تتحول لكيان تختلط فيه الأهداف بالوسائل ، فتجد الانجاز الإنتاجي يتيما لا يهتم به أحد ، بينما تجد الانجازات الإجرائية كالملفات و الأوراق و النماذج الكتابية و الدورات المستندية و الأختام و ما إليها في بؤرة الاهتمام ، و مثلها الانجازات الخدمية أو الاستهلاكية بلا مردود مباشر على العملية الإنتاجية ، أوالانجازات البيانية كقواعد البيانات و التقارير و الأرشيفات و غيرها ، و يبقى أن نقول هنا ، أن اللوم في كل هذا لا يقع على عاتق الأقسام الخدمية و التكنوقراطية بذاتها ، لأن القيادة العليا هي دوما المنوطة بإرساء قواعد العمل و دور مختلف الأقسام فيه ، و في إطار تحديد هدف عام موحد للمؤسسة ككل ، بحيث يقيم كل انجاز داخلي في إطار مدى دعمه للهدف العام و ليس بحد ذاته ، و غالبا ما تمر الشركات بهذه المشكلة بعد مرحلة نمو مفاجئ كبير ، فتبهر الوفرة و النمو القيادات، لا سيما لو كانت مؤسسة أفراد ، فتتصرف بما يصدق فيه قول الله تعالى "لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ" التوبة:25

شخصنة مشاكل العمل
الأساس في أية مؤسسة هو قيام العلاقات بين الأفراد على أساس من علاقة العمل بينهم ، ثم تتفرع العلاقات الاجتماعية و تتشابك ما شاء لها الله ذلك ، و سواء في إطار العمل أو العلاقات الاجتماعية الموازية له ، يتدخل عنصر الشخصية و طبيعتها و الارتياح أو النفور في علاقة العمل ، و هذا مقبول ، و لكن في حدود ضيقة لا تتجاوز مصلحة العمل العامة ، و هذا مالا نحتفظ به في مؤسساتنا في مصر، ذلك أننا لا ندرك الحكمة الكبيرة التي تقول "يعرف الرجال بالحق و لا يعرف الحق بالرجال" فحكمنا على أي رأي يعتمد على حد بعيد على مصدره، فنزكيه لو صدر ممن نحب ، و نهاجمه و نفنده لو صدر ممن لا نحب ، ذلك أننا ما زلنا نؤمن بالشخص أكثر من إيماننا بالقيمة العامة او المبدأ أو الهدف العام ، لهذا نشخصن الأمور و تتحول حوارات العمل لخلافات شخصية ، فنحن نثور من أجل الزعماء الذين نحبهم لو جرى ذكرهم بسوء ، و ترى الشيعة و السنة يتشابكون من أجل خلافات وجهات نظر بين أفراد ، و لا ينعمون معا بالمبدأ العام و الدين القيم ، و ترانا نتحاور حول الزعماء و قيمة كل منهم أكثر مما نتحاور عن قيمة الديمقراطية أو دولة المؤسسات أو علمنة الدولة و غيرها من القيم السياسية، فالشخصنة هوايتنا ، و هي دلالة حتمية على المراهقة الفكرية ، فضلا عن عادتنا العتيدة، و التي تلهب الخلافات داخل المؤسسات فتصبح كالنار اتقادا ، و هي عادة النميمة و تبادل الإشاعات و الأقاويل ، و هي تشعل نار الشخصنة بما تتناقله بين طرفي الصراع من أخبار و أقوال عادة ما تكون غير سارة للمتلقي ، و تزيد من العداء و الخصومة ، فلو أضفنا لكل هذا محدودية قدرة القيادة على كسر حلقة الصراع ، فستكون النتيجة الحتمية صداما تخسر فيه المؤسسة الكثير ، كل هذا لأننا بنمطنا الفكري كشعب لا نؤمن بالأفكار و المباديء قدر ايماننا بالأفراد ، حتى في أمثالنا نقول "أنا و أخويا على ابن عمي ، و انا و ابن عمي على الغريب" هكذا بدون التفكير في من على حق و من على باطل؟

الميل الفرعوني و عوارضه

نحن نؤله كل رئيس في مؤسسته ، و أيا كان حجم الرئيس أو المؤسسة ، حتى يصاب بدرجات متفاوتة مما يسمى في علم النفس "ضلالات العظمة" فتراه ينسب كل نجاح لذاته، حتى و لم يقل هذا بلسانه ، بل حتى لو قال عكس هذا ، و يفقد مع الوقت قدرته على نقد الذات، حتى يصل لمرحلة تكون فيها شكواه دائما ممن حوله ، فهو يراهم قاصرين عن الوصول للمستوى الذي يفكر به ، و لا يجد من الرجال و القيادات من يعينه على تنفيذ استراتيجياته العبقرية ، و لا يتوقف للحظة ليسأل، هل فعلاً من حولي هم القاصرين عن فهم ما أريد أم أنه غير مفهوم؟ هل هذه الإستراتيجية فعلا عبقرية جداً أم فاشلة جداً؟ و تراه مع الوقت يضيق بالنقاش فيبتره دون أن ينصت حتى بالانتباه الكافي لمحدثه الذي يقول رأياً مخالفاً ، و يتناقص مع الوقت عدد المرات التي يقبل فيها الرأي الآخر، مقابل عدد مرات إنفاذه لرأيه ، و ضلالات العظمة هذه فرعونية المنشأ و لا ريب ، فكل من يحكمنا حكيم ، من الحكم و ليس من الحكمة، و نظل نتملق عبقريته حتى نصل به للاعتقاد بأنه الرئيس الملهم فعلا ، و لعل نموذج "أنور السادات" الذي لم يتراجع في مفاوضات السلام بعد استقالة وزيري خارجية متعاقبين، رفضا لما يحدث، هما السيدان "إبراهيم كامل" و "عبد العزيز فهمي" اللذان خلصا من عار الاشتراك في مهزلة السلام الساداتي ، و مع هذا لم يتوقف الفرعون الملهم للحظة و يسأل نفسه ، لماذا لا أكون أنا الخطأ؟

فقط في هذا الميل الفرعوني لا ألوم الرأس، رأس المؤسسة، لأن عملية فرعنة الرأس هذه تنتج من نطاق الخنوع الذي يحيط بها حتى يفسدها ، لولا مرض التملق و الخنوع و السير داخل الحائط عندنا في مصر ما وجدت هذه الآفة ، و ما تفرعن الفراعنة! أما العرض التالي الذي يظهر على الفرعون غير الثقة المفرطة بالذات ، فهو ضيقه بالحق و بمن يلتزم بالحق منهجاً و طريقاً ، و لتتصور أن لك أخوان ، أحدهما كلما زرته تحدث إليك عن عبقريتك و عن حبه لك و عن المستقبل الباهر الذي ينتظرك، و عن تفردك و مواهبك ، و الآخر كلما زرته حدثك بعيوبك و مشاكلك و المخاطر التي تحيط بك ، فلأيهما تميل نفسك؟ و لأيهما يميل عقلك؟ النفس ستميل للأول ، لأنه يمنحها آمالا و قصوراً على الرمال ، و العقل سيميل للثاني لأنه أجدى ، فهو يدلك على الخطر لتجتنبه و على الثقوب لترتقها ، أما الأول فهو يتغنى و حسب ، لكن واقع حالنا كشعب شرقي انفعالي أكثر منه عقلاني ، يجعلنا نميل نحو ما تميل إليه نفوسنا و ليس عقولنا ، و هذا الجانب الذي إليه نميل و يجيد تزيين الضلالات لنا، و تبدو عليه في تملقه هذا كل إمارات الصدق و الإخلاص ، تصدق فيه أكثر ما تصدق الآية الكريمة "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ" البقرة: 204 ، فكم رأيت من فراعنة بحياتك العملية؟ و كم عرفت من صناع الفرعون هؤلاء؟

عملية فرعنة

رأيت بحياتي العديد من النموذج الفرعوني هذا ، ثم عاصرت مؤخراً عملية "فرعنة" جرت أمام عيني ، صناعة فرعون على مدار عامين اثنين ، فرأيت كيف تحول إنسان مهذب دمث الخلق و حاد الذكاء في آن واحد، مع كثرة الخنوع في بلادنا إلى فرعون تدريجيا ، فمع نمو مؤسسته ، جذبت المؤسسة النامية العديد من الطفيليات التي تجيد فن الاستعراض الأجوف و فنون التملق و أقوال الحق التي يراد بها الباطل ، و النماء للطفيليات كالنور للحشرات ، تنجذب إليه ، فإذا خبا النور تنقشع ، و في مدى شهور ، استطاعت الكائنات الطفيلية أن تفسد تركيبة النجاح في الرجل ، و هي التركيبة التي صنعت نجاحه في البداية ، فبعد أن كان شديد التقدير للرأي الآخر ، أصبح يشرد بذهنه إذا ما حدثته بأمر يخالف رأيه ، ثم تراه يقاطعك ليحدثك بأمر مباين تماما لما كنت تتحدث فيه ، و مع استهلاك وقته و جهده في حصص تدبير منزلي من الانجازات الاجراية و الورقية التي تحدثنا عنها منذ قليل ، أصبح الرجل مجهد الذهن بصفة دائمة ، و نتجت عن هذا عشوائية في القرارات و ضياع للتوجه العام ، صاحبها شيء من الغرور على الطراز القاروني الشهير "قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ" القصص:78 ، و صاحبت الغرور ضلالات القدرة على شراء كل شيء و كل شخص! كذلك بدأت الأهداف التي يضعها لمن حوله من القيادات تبتعد عن المنطقية و إمكانية التحقيق "وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ" غافر:36 ، و عادة ما تنتهي هذه القصة عاجلاً أم آجلا بالنهاية التي حدثنا بها القرآن عن صاحب الجنتين "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً" الكهف:42 ، و الإشراك بالله هنا لم يكن شرك عبودية لغير الله ، و لكنه الغفلة عن أسباب النجاح الحقيقية ، و أولها التوفيق من الله في الأساليب و في أن يسخر الله للنجاح أفضل العناصر القادرة على تحقيقه ، فمن وقر في نفسه أن نجاحه بمهارته و علمه و جهده وحده كان مشركاً ، و الله أعلم بما أراد

إدارة الإنتاجية و حديث الإستراتيجيات

هل يذكر لفظ الإستراتيجية كثيرا في محيطك العملي؟ لو كانت الإجابة بنعم فبشراك، أنت في وسط من أنصاف المتعلمين، فالإستراتيجية العامة هي أن تدير إنتاجية مؤسسة من المؤسسات ، و أن تديرها انطلاقا من الهدف العام الذي تحدده بناء على معطيات صلبة ، و هو أمر يتحدث عنه الكثيرون ، و لا يفعله إلا قلائل، ببساطة لأنه يقتضي من الخبرة و التراكم المعرفي، و الحكمة و الكياسة ما يعجز الكثيرون من أنصاف و أرباع المتعلمين و الموهوبين عن الوصول إليه ، و الإدارة نحو الهدف العام ترتبط بالرؤية الكلية كما ذكرنا مسبقاً ، و ترتبط بالقدرات التحليلية شديدة العمق للمواقف و الأفراد و جميع المعطيات السوقية ، و عادة ما يوجد نوعان من القادة بهذا الصدد ، النوع الأول يدرك المعنى العميق للاستراتيجية ، و يتوحد معها فتصبح الاستراتيجية هي صفاته و تصرفه و حديثه ، و بدون أن يتحدث عنها ، لأنها تظهر منه في كل فعل أو قرار أو لفتة ، و النوع الثاني يسمي كل خطة أولية بالاستراتيجية ، و تتكرر كلمة استراتيجية على لسانه كثيراً دون الإدراك العميق لمعناها ، و تراه متخبطا يناقض نفسه في اليوم ألف مرة ، محيرا لا يقر له قرار ، فيقول اليوم ما ينقضه غداً ، و يوافق اليوم على ما يرفضه غداً

10 comments:

Basma said...

دكتور
معلوماتي في هذا الموضوع لا تتعدي خبرة عملية فدراستي الأساسية هى الفنون
والصدفة أنني في مرحلة انتقالية في مجال العمل وهي تحولي من التصميم كمهنة إلي الإدارة
منذ لحظات كنت أفكر في مدى النقلة والمسئوليه ... حقيقة الموضوع مثرى جدا وفي الوقت المناسب
وبأمانة شديدة طبعت المقال لأعيد قرأته بتركيز أكثر

أشكرك
وطبعا في أنتظار البقية
:)

مهرة عربية said...

سيد الدار وسيدة الدار

تذكرنى كلماتك بمكان لايزال يدار بتلك الطريقة
ليس مؤسسة ولكن...دولة كاملة إسمها ...مصر

كفانا الله شر مصير ذلك الصديق الذى تحول من النقيض للنقيض....ولعله يقرأ ليستفيد من أخطاؤه

البوست أكثر من رائع

تحياتى

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي بسمة
الحمد لله ان الموضوع وجد عندك صدى و اهتماما ، تحت امرك لو احتجت اي مواد تدريبية او تعليمية في الادارة و ادارة الموارد البشرية و علم النفس المؤسسي تحت امرك

مع تحياتي و تقديري

Dr. Eyad Harfoush said...

صديقتي العزيزة مهرة عربية
شكرا جزيلا على تعليقك الذكي ، هي فعلا كده برده ، بس مظنيش ان دول بيعملوا كده عن غفلة ، دول بيستعبطوا

شكرا للتعليق الرائع مرة ثانية
تحياتي و تقديري و شكري

كلاكيت تانى وتانى said...

د اياد انا بحجز مكان بس لما اقرا بتعمق واعرف ارد بس تعرف انا بسبب بوستك السابق عن التيم ورك فمجال عملك الخاص كانت جوايا فكرة بس نسيت اقولهالك فى خضم الاحداث وهى ان احنا بناعانى من عدم وجود ميكانزم منظم للأدارة ومفهوم الليدر او الذى يدير فريق العمل منعدم تماما ومشوة فى احايين كثيرة فالزعامة او القيادة او الخلافة او حتى اصغر مسمى رب الاسرة كلها تحتاج لتعلم وقدرات لا يمكن التوصل لها او ممارستها الا بكثير من العقل والتدريب
كان نفسى فعلا اقولك الفكرة دى بس حضرتك سباق دائما بس رجاءا لتستكمل باقى الفكرة وتجعلها دروسا فى كيفية اكتساب مهارات القيادة والعمل والتنظيم وادارة اى مجموعة افراد فهذا مجال خصب ومن غيرك يستطيع الخوض فية
تعليقى ع البوست غدا ان شاء الله فكل ما سبق تنوية فقط
تحياتى

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي كلاكيت
شكرا لك يا عزيزتي ، و ان شاء الله سأكتب في هذا خلال الفترة القادمة ، و أهلا بالتنويه و نحن بانتظار التعليق و النقد الوافي

مع تحياتي و تقديري

كلاكيت تانى وتانى said...

طيب الان سأقوم بالتعليق المتأنى وبما ان الموضوع ليس هين لذا سأعلق جزءا جزءا
بالنسبة للجزء الاول وحول تساؤلك الذى اجبتة عن دبى ومصر سأخبرك من واقع خبرتى بحياتى سنوات بدبى
فأنا سنويا كنت اسافر لدورات تناسب تخصصى ودورات اكثر فى التنمية البشرية والقدرات التنظيمية والبرمجة اللغوية العصبية العلم الذى لم ادرسة واعلم مدى قوتة فى تكوين الشخصية الا فى عملى بدبى
كما اننى اذكر اننى رغما عنى فرض على دورة حول تقبل اتجاهات الاخرين والقدرة على التغلب على العصبية وكظم الغيظ وكانت دورة رائعة بصدق وافادتنى جدا فى مجالى برغم بعدها عنة
وربما قدراتى على ادارة الحوار بين مجموعة مختلفى الطبائع وقدرتى على التعامل مع كافة الاتجاهات وتقبل التيارات المختلفة اعزوة لدوراتى تلك
وكان معظم من يدرسون لى بدبى او باى دولة سافرت لها على حساب عملى من جامعات شهيرة بانجلترا
والسويد وامريكا وربما كانت الدورات التى نسافر لها او ت~أتى الينا اكثر من ما جرستة طوال عمرى بكل شهاداتى مجتمعة
ثانيا بالنسبة للامراض الاجتماعية سأضرب لك مثل بسيط مديرتى بدبى كانت امريكية والاقل مساعد المدير اماراتية دارسة لعلم النفس بامريكا ماستر وكانت تضع حدودا فى التعامل بيننا كافة وتخاطبنا بصورة جدية ومتزنة وبقوة شخصية وفى نفس الوقت بمجرد ان تعلم بوجود مشاكل او خلل فى الاداء الوظيفى لاحد منا تبدأ فى عمل اجتماعات مغلقة معة لتبحث المشكلة الخاصة التى تؤثر على العمل كنت اعشق نطامها وتفردها وشخصيتها الواثقة والعاقلة والمتمكنة التى تعى متى تقترب ومتى تبتعد
اما هنا فحدث ولاحرج فالحياة الشخصية للافراد طبق فاكهه لرأس العمل لا غنى عنة والشللية وطغيان المصلحة يقلل من انتاجية الافراد لشعورهم بوجود افراد قادرون على التقرب للادارة وافراد لا مما يصيب العمل بالشلل وكراهية التقدم كما ان جمود الوضع الوظيفى والمهام وعدم وجود ابتكارية فى العمل او وجود حافز وروتين العمل اليومى كلها اشياء تميت الافراد داخليا حتى لو كانت لديهم الدوافع للتقدم او الابتكار
نحن نقف فى وضع جليدى ممل وقاتل بصدق
من هذا كله تتحول المؤسسة إلى وسط طارد للكفاءات ، فتظهر مشكلة عدم ثبات الطاقة العاملة ، و تتزايد مع الوقت ،(4) كذلك تظهر مشكلة
تداخل
المهام الوظيفية
قلت لمديرتى اننى ساتكلم مع المسئولة عن وضع الخطة اليومية لجلسات التخاطب فقالت لى لا انا متخانقة معاها انا هحط الخطة وابقى تعالى نراجعها سواااااااا
واصابنى ذهول فهى ادارية فقط ومسئولياتها مالية بحتة ولا تفهم اطلاقا فى التخاطب او كيفية وضع خطط الجلسات ومناسبتها من عدمة للاهالى او الافراد ولكن نحن هكذا علاقات شخصية وخلافات وعمل وسوء تنظيم وعك كروى كبيرررررررررر
لدرجة نخلط فيها خلطاً مباشراً بين القيادة كروح و ملكات شخصية و قدرات و مهارات تفاعل مع فريق العمل ، و بين السلطة الإجرائية ، فبصبح التكنوفراط لدينا كائنات سلطوية بحتة ، تطلب في كثير من الأحيان ما يعجزها القيام به

هذا ما اعنية تماما وهذا ما ينقصنا بصدق
ومعك تماما فى فرعنة القيادة المتأصلة بداخلنا مع التحفظ طبعا على ذكر عصر من العصور خلافنا التقليدى معااااا ههههههه والذى لا يفسد للود قضية
ومجمل القول ان مقالك هذا لا يحتاج لتعليق بقدر حاجتة للفهم المتعمق مع الاحتفاظ بحقوقنا عندك لو تمت اقالتنا من عملنا بسبب ايماننا المطلق ومحاولاتنا تطبيق ما نتعلمة الان فى عملنا فعلى الله الرزق وعلى حضرتك تشوفلنا شغل يأكلنا عيش هههههههه
تحياتى

ايوية said...

جيت على الجرح يا دكتور
الحقيقة انى تخصصى الدقيق فى علم النفس هو علم النفس الادارى و التنظيمى
وكان نفسى احقق فية شى بس فوجئت بعقليات غريبة
هتتخيل يا دكتور ان فية فى بعض الوزارات حتى الان قرارات من ايام الدوواوين وعقليات غير مرنة اقول على شى مش عارفة يضحك ولا يبكى
فى مجال شغلى جة احد المستشارين بطلب خصم من مرتبة لصالح احد النوادى كاشتراك شهرى تخيل لما المديرة الحاصلة على دورة ادارية فى مركز اعداد القادة وبقت مدير عام تتطلب منة الانتظار لحين اخذ موافقة رئيس المحكمة يحاول يقنعها انة هو الى بيطلب خصم من مرتبة وانة ماضى على كدة وان رئيس المحكمة مش من حقة الموافة او الرفض
ثانيا بقى الفرضية الاساسية فى علم النفس التنظيمى هى وضع الفرد المناسب فى المكان المناسب لا يمكن تحقيقها فى بلد تعتمد على الواسطة فى كل شى طبعا كل ما تتم دراستة من اختبارات عن تحديد سمات الفرد وتحليل العمل والمقارنة بين الاثنين لوصول لافضل شخص للوظيفة لو اتاكلمت عنة تحس انك بتكلم ناس من المريخ مثلا يبحلق بعنية ويقولك يعنى اية نلغى بقى التعيين وولادنا تقعد فى الشارع ياناس لو تعرفوا ان الفرضية دة لو اتحققت هتريح الفرد لانة هيشتغل فى مجال مناسب لقدراتة يعنى هينجر وفى نفس الوقت العمل هينجح
وكانك بتكلم الهواء
اسفة طولت بس الموضوع دة بجد على الجرح عندى تحياتى لطرحك لذلك الموضوع

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي كلاكيت
أتفق معك بشأن دبي ، فما أفاد الاخوة في الامارات أنهم أعطوا العيش لخبازه و ابتعدوا هم بامراضهم و تشوهاتهم النفسية عن عملية النهضة و التحديث ، أما نحن فنقلنا تشوهاتنا لمؤسساتنا

أتفق معك في كل ما ذكرتي ، و أكثر فحين تتدخل النكتوقراطيات الادارية و المالية في خارج حدودها يبدأ الانهيار الفعلي ، عنصر مالي يضع خطة برنامج تخاطب لمجرد أنها اصبحت ذات درجة ادارية !! بلد خاوي من القيادات الحازمة و ذات الرؤية ، فلو وجدت هذه القيادة ستضع الحدود الصحيحة لكل مجال ، و تبتر ما يشذ عن مجاله

أما عن تطبيق ما هو صواب ، فحسب المرء من السعادة أن يشعر بتحقق ذاته فيما يفعل حتى لو كان ما يفعله هو هدم المعبد و علي و على اعدائي

تحياتي و تقديري و شكري لعرض التجربة المثري يا عزيزتي

Dr. Eyad Harfoush said...

عزيزتي أيوية
صدقت عزيزتي في كل ما قلت و لا تحسبين أن هذا قاصر على وزارة أو على الحكوميات فقط ، فالقطاع الخاص ليس أحسن حالا بكثير ، الغرض مرض يا عزيزتي ، هذه الكلمة هي المفتاح في قطاعنا الخاص

مع كامل تحياتي و شكري للتعليق المثري