1.12.09

وطن بلا عمود

ناصر كمان وكمان

عدة ومضات مرت بي مؤخرا لتدفعني للكتابة في ذات الأمر من جديد .. لعل آخرها الوكسة القومية التي صرنا نطالب بعدها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع شعب عربي بسبب ماتش كورة، أتذكر حديث والدتي التي توفي الزعيم وهي في الجزائر مع والدي الذي كان عضوا في بعثة تعريب الجزائر، حين حدثتني عن النائحات على جمال في شوارع مدينة بليدة التي سكنها والدي، وفي العاصمة على السواء، وأتذكر حوارا تليفزيونيا مع الشاعر الخطير دائما أحمد فؤاد نجم، فيه شرح الفارق والشتان بين علاقته بالحقبة الناصرية والحقبتين التاليتين عليها برغم تجربة السجن في الحقبتين الأولى والثانية، كان ضمن ما حكى موقف مر به صبيحة وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وهو في السجن، إذ دخلت عليه والدته زائرة وهي تبكي بكاء حارا لموت الزعيم، تعجب منها الشاعر وسألها قائلا "بتعيطي ع اللي سجن ابنك؟" .. فأجابته فلاحة كفر أبو نجم الفطرية العريقة بكلمة عميقة الأثر قائلة "إنت مسطول والحشيش لحس دماغك وخلاك مش فاهم حاجة .. ده عمود الخيمة وقع يا وله" لتمنح الزعيم خالد الذكر وساما شعبيا ضمن أوسمة عدة حازها ناصر الفقراء والمهمشين نظير انحيازه لهم والتزامه بالخط العامل على تحسين ظروف معيشتهم، لعل من أهمها وسام آخر صرخت به سيدة ريفية في الجنازة والتقطته ميكروفونات وعدسات التصوير وقتها وهي تقول "يا ويل الغلابة بعدك يا جمال" كأنها كانت تتنبأ بالويل الذي حل بهم بالفعل بعده

الومضة الثانية كانت مع مقال عن حالة مذرية بنا وليست مزرية بصاحبها، فهي الحالة التي وصل إليها أحد أبطال معركة العبور (والتي اختزلت مؤخرا في الضربة الجوية لظروف سياسية سيسقطها التاريخ فور نهاية المنعطف الذي نسير فيه حاليا)، المقال نقلته المدونة نجلاء محمد هنا ، وفيه يرفع البطل صورة الزعيم جمال عبد الناصر على السور الذي افترش الأرض بجواره، وتتداعى الذكريات في هذا الصدد، فأذكر صور ناصر مرفوعة في كل مظاهرة مصرية من أجل لقمة العيش أو من أجل الكرامة والعزة الوطنية، وأذكر عميد الأسرى العرب المحرر بيد أسود حزب الله سمير القنطار وهو ينسب نفسه لمدرسة جمال عبد الناصر الوطنية في خطابه الذي وجهه لائما لوليد جمبلاط، وأذكر عنوان مقال كويتي عن زمن كان فيه الشارع الكويتي ذاته ناصريا، وغيرها وغيرها كثير، فيطرح السؤال نفسه بقوة .. هل أثر أي زعيم أو رئيس عربي في وجدان الشعوب العربية في التاريخين الحديث والمعاصر مثل جمال عبد الناصر؟ لقد حقق ناصر الكثير من مشروعه الطموح لهذا الوطن وأخفق في الكثير كذلك، لكنه يبقى برغم الإخفاقات والكبوات الأعمق أثرا ورسوخا في الوجدان، وتقديري أن أثره هو أثر الرجل أكثر منه أثر الرئيس

في حوار مع صديقة عزيزة تختلف معي حول الزعيم جمال عبد الناصر، قلت لها إن حبي في جوهره يتجه لعبد الناصر الرجل أكثر مما هو للزعيم الأسطوري وصاحب المشروع الحضاري الكبير، فمحمد علي كان له مشروع حضاري كان النقلة الأولى لمصر في التاريخ الحديث قبل نقلة الستينات، لكن مؤسس الأسرة العلوية لا يملك نفس التأثير في الوجدان الذي لناصر، ربما لمحدودية كاريزمته الذاتية وخصاله الشخصية مقارنة بناصر، ولعل بعض المراثي التي بكت الزعيم كانت الأوضح تعبيرا عن تعلق الوجدان العربي بعبد الناصر الرجل والإنسان ربما أكثر بالتعلق بعبد الناصر الرئيس والزعيم، في ذلك قال المبدع الأروع صلاح جاهين بعد بضعة أعوام من وفاة ناصر، أجدها تعبر تماما عن إحساسي الشخصي تجاه الزعيم الراحل رحمه الله
أنا العجوز الشايب الحزين
أنا العجوز من غير ما تمضى السنين
أنا العجوز من قبل سن الأربعين
عمرى انهاردة رغم المرار ده
فى عمر وردة .. عشرين سنة
كان لى صديق وكان حبيب عمرى
هو اللى علمنى المشيب بدرى
حضرت مولد كل شعراية بيضا
عبرت سوالفه كما الشهاب تجرى
علمنى مشية الرجال
سلمنى راية النضال
ولحد هذا اليوم بيلهمنى
وخياله كل ما أقع يقومنى
وكل ما اتبعتر يلملنى

وقالت سعاد الصباح في رسالتها لروحه بعد عقود من وفاته عبارات رائعة، أقتطع منها هنا أكثرها مساسا بجانبه الإنساني وليس التاريخي أو السياسي


كان كبيراً كالمسافات .. مضيئاً كالمنارات
جديداً كالنبوءات .. عميق الصوت كالكهان
وكان فى عينيه برقٌ دائم .. يشبه ما تقوله النيران للنيران
***
كان هو الأجمل فى تاريخنا .. والنخلة الأطول فى صحرائنا
كان هو الحلم الذى يورق فى أهدابنا
كان هو الشعر الذى يولد مثل البرق من شفاهنا
كان بنا يطير فوق جغرافية المكان
***
يا ناصر العظيم
هل تقرأ فى منفاك أخبار الوطن؟
فبعضه مغتصب .. وبعضه مؤجر
وبعضه مقطع .. وبعضه مرقع
وبعضه مستسلم .. وبعضه ممزق
وبعضه ليس له سقف ولا أبواب
يا ناصر العظيم لا تسأل عن الأعراب
فإنهم قد أتقنوا صناعة السباب
وواصلوا الحوار بالظفر وبالأنياب
وحاصروا شعوبهم بالنار والحراب
يا ناصر العظيم .. سامحنى
فما لدى ما أقوله فى زمن الخراب

وكتب عنه كاتب تلك السطور العام في قصة العائش في الوهم من مجموعة السيرة الذاتية لفتاة ليل عبارة يراها موجزة موقف الوجدان المصري من ناصر، يقول فيها: آخر ما تحتفظ به ذاكرة ماهر من يوم وفاة الزعيم هو مشهد جيرانه وهم يخرجون من البيوت ويتجمعون في الطريق بلا حول ولا قوة ولا وجهة، المشهد التالي في ذاكرته كان مشهده هو شخصيا وهو ذائب بين الملايين في الجنازة المهيبة التي أعلن بها الشعب حبه للرجل، وتقديره للزعيم، وتجاوزه عن أخطاء الإنسان في شخص عبد الناصر رحمه الله

27.11.09

خالد الإسلامبولي .. حيرتي الدائمة


كان الفتى وسيظل بالنسبة لي حالة محيرة، فهو من ناحية مرتكب لجريمة اغتيال تنافي كل القيم الحضارية، ومرفوضة من حيث المبدأ، لكنه من ناحية أخرى سجل بالرصاص نهاية "أنور السادات" الذي أرى عهده البذرة الأساسية لكل ما نمر به اليوم من آلام وأوهام في عهد خليفته، فحاز السادات بهذا نهاية يستحقها، وتنبأ له بها الشاعر "أحمد فؤاد نجم" قبل اغتياله بقوله "هيروح فين واحنا محاوطينه، هيموت متدهول في الدم" وقد كان، ذكرتني به وقائع فيلم "اغتيال فرعون" الإيراني المثير للجدل، وكذلك قصيدة "نجم" عنه، والتي وجدتها منشورة بكثير من الأخطاء في عدة رسائل على الفيسبوك، فرأيت هنا حفاظا على حق الشعر الذي غناه الراحل "إمام عيسى" من ألحانه أن أورد النص الصحيح للقصيدة، الملاحظة التي لا يعرفها كثيرون أن الملازم أول "خالد الاسلامبولي" لم يكن عضوا في الجماعة الإسلامية ولا غيرها، وإنما تم التنسيق بينه وبين "عبود الزمر" بسبب الهدف المشترك، وعن طريق وسيط، أما الفكرة الرائجة فسببها لحيته التي أطلقها في معتقله بعد الاغتيال والجلباب الذي ارتداه وهو في انتظار حكم الإعدام، ولأسباب نفسية يمكننا فهمها تماما

في قصيدته عن خالد يقول الفجومي

منين أجيب ناس لمعناة الكلام عارفين
شبه الأمارة إذا حفظوا الوداد عارفين
شرعت سن القلم .. رمحي جرح قمحي
جعلت عشق الغنا زادي ..وناس عارفين
***
ياليل يا عين يا وطن .. يا ورد في بساتين
يا جرحي يا غنوتي .. يا ناسي يا غايبين
موالي من غربتي اخضر .. خضاره حزين
حزين كلام الغنا .. والسامعين عارفين
***
آه يا زمان الخنا .. يا ماشي بالمعكوس
فيك أي شيء ينشري .. وكل شيء بفلوس
حطيت عديم الرجا .. ع الخايب المتعوس
خراب وحاكم أغا .. يا قهرة العارفين
***
ركِب الأغا ع البلد .. ركّب عليها الخوف
خاين قليل التنا .. جاهل عديم الشوف
خان التراب والهوا .. خنق الضمير ف الجوف
وداس بنعل الوطا .. ع الحق والعارفين
***
مين في البلد يا بلد .. كان صوته من راسه
يحسب يكيد العدا.. ويصون وداد ناسه
دار المدار بالخرس .. وسقانا من كاسه
مين تحت حكم الأغا .. ينطق يقول عارفين؟
***
ياللي قريتوا الجرايد .. كله كلام مغشوش
ومركبين في الصحافة .. بتوع وليها كروش
يدوسوا زر البتاعة .. ينزل كلام مطروش
حمضان في حبر المطابع .. وكلنا عارفين
***
أصل الحكاية ولد .. فارس ولا زيه
خد من بلال ندهته .. ومن النبي ضيه
ومن الحسين وقفته .. في محنته زيه
قدم شبابه فدا .. والحق له عارفين
***
خالد
يا ابن الربيع والأمل .. والشمس والزينة
مين يا فتى أعلمك .. فعل الخريف فينا
وكبرت برة الزمان .. اللي ابتلاك بينا
نايمين على ودننا .. مع إننا عارفين
***
صاح من سكون الخرس .. كروان بغنيوة
الملك لك يا فتى .. يا مصري يا حليوة
رقصت نجوم الفلك .. بالضي تتعانق
والشمس ويا القمر .. في برجهم عارفين
***
شيل الغطا يا عطا .. عبد السلام مددين
عبد الحميد يا فتى .. قطب الرجال يا حسين
داعي المروءة دعا .. والعمر مش عمرين
خالد يقول صحبتي .. واحنا الجميع عارفين
***
الله أكبر هنا .. ع الباغي والجبار
طعن الفتى طعنته .. خار الأغا وانهار
المجد ده ابننا .. والفارس الكرار
راكب على مهرنا .. والكدابين عارفين
***
مين يا فتى علمك ..
لعب العصا ع الخيل
وازاي قطفت القمر .. من فوق شواشي الليل
وطبعت نجم السما .. بالوشم على زندك
الاسم خالد .. ولكن عاشق ولك هندك
أم الدلال علمك .. طبع الأسود عندك
مين يا فتى علمك .. عشق الملاح والميل
هندك يا أدهم هنا .. أصلك وسلسالك
والناس يا خالد .. هنا عمك ، هنا خالك
يا غنوة من قهرنا .. اسمك وموالك
ويا الربيع والامل .. في دمنا عايشين
وليه اجيب ناس .. لمعناة الكلام عارفين
واحنا الامارة .. اذا حفظوا الوداد عارفين

19.11.09

هوامش على دفتر الوكسة


ليست الوكسة في هزيمة منتخب بلد عربي أمام آخر هنا أو هناك، فالطبيعي أن الرياضة غاية والبطولات وسيلة ممارسة وإطار، لكن الوكسة المريرة هي كل ما حدث من تجاوزات بل وسفالات وانفلات أمني وحضاري مخيف، كل ما حدث من مهافيف المصريين والجزائريين على السواء بالغ السخف والبشاعة، إصابات بشرية وتخريب وتهديدات وتعزيزات أمنية واستحكامات معارك، شباب تافه مغيب سياسيا وعمليا وناشط تعصبيا يسد الطرقات هنا وهناك فتتعطل المصالح والأشغال، كل هذا جعلني أمر الأيام الماضية بغثيان متكرر من الكل هنا وهناك، ربما زاده الزكام وحرارتي المرتفعة ولكن الأساس يبقى حالة اشمئزاز من قوم تنتمي إليهم رغم أنفك، هم هذه القبائل العربية من الصحراء العربية للصحراء المغربية، وتتوالى عبر الأيام الأربعة في رأسي أشعار وأقوال ونغمات تعمق شعور الازدراء
لقد بدأ شاعرنا العملاق "نزار قباني" مشواره الفكري عروبيا كما بدأت، لكنه سخط في منتصف الطريق كما أراني اليوم ساخطا وحانقا على الجميع، فكتب مجموعة هي شئنا أم أبينا من أروع قصائده، فكانت تلك القصائد هي زادي العقلي المتكرر عبر تلك الأيام، فحين اغتالت بعض الفصائل العربية المتناحرة في بيروت زوجته بلقيس في تفجير إرهابي كتب يقول في قصيدة سماها باسم الفقيدة
أين السموأل؟ والمهلهل؟
والغطاريف الأوائل؟
فقبائلٌ أكلتْ قبائل..
وثعالب قتلت ثعالب
وعناكب قتلت عناكب
قسماً بعينيك اللتين اليهما
تأوي ملايين الكواكب
سأقول يا قمري عن العرب العجائب
فهل البطولة كذبة ٌ عربية ٌ؟
أم مثلنا التاريخ كاذبْ؟
ثم كان أن كتب في التسعينات قصيدته القنبلة "متى يعلنون وفاة العرب" ومنها يقول
أنا منذ خمسينَ عاما .. أراقبُ حال العربْ.
وهم يرعدونَ ، ولايمُطرونْ
وهم يدخلون الحروب ، ولايخرجونْ
وهم يعلِكونَ جلود البلاغةِ عَلْكا .. ولا يهضمونْ
---
أنا...بعْدَ خمسين عاما
أحاول تسجيل ما قد رأيتْ
رأيتُ شعوبا تظنّ بأنّ رجالَ المباحثِ أمْرٌ من الله
مثل الصداع ومثل الزكام
ومثلَ الجُذامِ .. ومثل الجَرَبْ
رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ
ولكنني...ما رأيتُ العَرَبْ
فمتي يعلنون وفاة العرب؟

18.11.09

أحلام مستغانمي .. أحبك

أحلام
يا امرأة تفهم لأكثر مما يجب
وتنبض أكثر مما يجب
وتصدق أكثر مما يجب
في بادية جرداء تدعى بلاد العرب
***
أحلام
يا امرأة أراد البدو قتلها .. لأنها عاشت بالكلمات
كم أعشق امرأة تورق في دمي النرجس والكلمات
وكم أكرهكن .. وعذرا .. أزدريكن
أيتها المشنوقات بالحرير
والتائهات في غياهب الضمير
والمأسورات في ركاب الحمير
الساكنات في نعوش الوهم
والمشبوحات للأبد .. بين اليأس والرجاء
في رضا عنترة الموهوم
عنترة يا سيداتي مات
لا تبحثن عن رفاته
فقد بلي الرفات
ولكن، هل يجدي القول في موتى
هل يسمع الموتى الكلمات
القاهرة في نوفمبر 2009م

5.11.09

Business Trip to Morocco

Apologies for absence here as I will be in a business trip to Morocco and not sure I will be accessing online regularly. Cheers.