4.12.11

Historical Abraha

With the power (help) of god, and the Jesus (=Christian) King Abraha Zeebman (King's title), the King of Saba'a, Zuridan and Hadrmaut. and Yemen and the tribes (on) the mountains and the coast wrote these lines on his battle against the tribe of Ma'ad ( in ) the battle of al-Rabiya in the month of "Dhu al Thabithan" (April) and fight (against) all the (tribes) of Bani A'amir. and appointed the King (the leader) "Abi Jabar" with (tribe) Kinda and (Qahtani tribe) Al (and the leader) "Bishar bin Hasan" with (Tribe) Sa'ad ( and the tribe) Murad and ( the tribe) Hadarmaut (stand) in front of the army against Bani Amir of Kinda. and (the tribe) Al in wadi "zu markh" and Murad and Sa'ad in wadi Manha on the way to Turban and killed and captured and took the booty in large quantities and the King and fought at Halban and reached Ma'ad and took booty and prisoners, and after that, conquered (from the tribe of Ma'ad) Omro bin al-Munzir.

National Museum of Saudi Arabia


24.5.11

الزجاج المكسور .. تقسيم الدول في ذاكرة العالم

يونيو القادم هو الشهر  الأخير في عمر السودان كما عرفناه، فاعتبارا من ٩ يوليو ۲۰۱۱م يتم التقسيم، وتعلن جمهورية جنوب السودان وعاصمتها جوبا مستقلة عن الشمال وعاصمته الخرطوم، والسؤال الحتمي هنا: ما هي الخطايا السياسية والاجتماعية التي تؤدي ببلد لفقد وحدته والنهاية المؤلمة بقطع أوصاله وتقسيم أراضيه؟ دروس من التاريخ نحتاج لاستعادتها لعلنا نعتبر ونفهم أن منطق "الغزوات" الانتخابية، واستقواء الأغلبية الطائفية أو العرقية في فرض هويتها على الآخر قد تكلف الوطن وجوده نفسه  

تقسيم السودان: يتوهم البعض أن تقسيم البلاد يحدث في البلاد ذات التركيبة الطائفية أو العرقية المتكافئة عدديا (كأنها خناقة)، والنموذج الأوضح في تفنيد زعمهم هو النموذج السوداني، حيث نسبة المسيحيين فيه ٥% من تعداد السكان مقابل ۲۰% للأديان المحلية و٧٥% أغلبية مسلمة، وحيث قامت الأقلية المسيحية بالدور الأكبر في تقسيمه، فبعدما حصل الشعب السوداني على حق تقرير مصيره وانفصاله عن مصر في ۱٩٥٤ مباشرة، وقبل أن يتم الاستقلال عمليا، بدأت الحرب الأهلية الأولى ودامت ۱٧ عاما حتى وقع "النميري" اتفاقية أديس آبابا مع الجنوبيين في ۱٩٧۲ برعاية مجلس الكنائس العالمي وظهرت منطقة الحكم الذاتي في الجنوب، لكن السلام انتهى وعادت الحرب الأهلية في ۱٩٨۳ حين قرر "النميري" تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان بأكمله، فبدأت أمريكا تضع أنفها في القضية، ثم دولت القضية وظهرت قوات الأمم المتحدة في السودان لاحقا، وزاد الأمر سوءا مع وصول "عمر البشير" وجبهة الإنقاذ الإسلامية للسلطة، وتصاعد الصراع والتدويل حتى تم استفتاء الجنوبيين "وحدهم" على تقرير مصيرهم وفقا للقانون الدولي في يناير الماضي قبيل الثورة المصرية، وقرر حوالي ٩٩% من الجنوبيين الانفصال الذي سينفذ في غضون خمسين يوما بقوة الأمم المتحدة، بعد حروب راح ضحيتها قرابة المليون نسمة، والمتوقع استمرارها حتى يتم تقرير مصير إقليم آبي البترولي  

كردستان العراق: تأججت الاحتجاجات الكردية مع وصول البعث للسلطة  عام ۱٩٦٨م ومحاولته فرض الصبغة العربية على المناطق الكردية شمال العراق، بزعم أن الأقلية الكردية (۱٥%) لابد أن تقبل بطمس هويتها لصالح هوية الأغلبية العربية (٨۰%) كباقي الأقليات، وكانت حجة الكرد القوية أن دستور البلاد لا يمثلهم ونظامها لا يحترم خصوصيتهم، ومن حقهم وفقا للقوانين الدولية تقرير مصيرهم، وتفاقم الأمر حتى أدى لتدخل الاتحاد السوفيتي لحماية الأقلية الكردية وفرض على نظام "أحمد حسن البكر" اتفاقية الحكم الذاتي عام ۱٩٧۰، وبعد كل محاولة لطمس الهوية من يومها وحتى انهيار نظام "صدام حسين" في ۲۰۰۳ كانت المقاومة الكردية القوية تؤدي لمزيد من استقلالية كردستان بتضحيات بشرية كبيرة، وتم استفتاء الشعب الكردي على تقرير مصيره باستفتاء شعبي كذلك في ۲۰۰٥ فقرر بنسبة ٩٨% الانفصال عن العراق، ويتوقع محللون سياسيون انفصال كردستان في ۲۰۱٦ رسميا

تقسيم الهند: يتوهم البعض كذلك أن التمايز الجغرافي شرط لتقسيم بلد من البلاد على أساس عرقي أو ديني، والنموذج الهندي يكذب هذه المزاعم، حيث لم تكن شبه القارة الهندية في ۱٩٤٧ متمايزة إلى مناطق مسلمة وهندوسية محددة، لهذا تم سلخ الشعب سلخا من بعضه بالترحيل أثناء التقسيم وتمت أكبر عملية تهجير في التاريخ بنقل قرابة العشرين مليون ما بين مسلم وهندوسي ليتم التقسيم، فراح ضحيته قرابة النصف مليون نسمة، وصارت الهند بلدين متصارعين يستنفذان طاقتهما في الصراع بين أبناء الشعب الواحد سابقا كما أراد المستعمر قبل رحيله، لأن الأغلبية الهندوسية لم تستوعب الأقلية المسلمة كما ينبغي في رأيي، باستثناء شخصية غاندي الجامعة

وبعد .. تقسيم وتفتيت الشعوب يخدم قوى دولية في مقدمتها الولايات المتحدة، واليمين المتطرف العالمي عموما، فمن التالي؟

هناك وهم بشري عريق اسمه "هذه الأمور لا تحدث لي" .. نحن مختلفون .. مصر مختلفة عن تونس .. ليبيا ليست مصر .. سوريا ليست ليبيا، والحقيقة أن لكل شعب ولكل بلد خصوصيته، ومع ذلك تتشابه النتائج عبر التاريخ وفي كل العالم حين تتشابه المقدمات والعوامل

حفظ الله مصر من كيد الأعداء وحماقة بعض الأبناء

19.2.11

الإجراءات السبعة لحماية الثورة

تحدث الرائع "بلال فضل" وكتب الصديق "محمد علم" وغيرهما عن غيوم الثورة المضادة التي تتجمع في الأفق، وطلائع المرتدين التي تلملم نفسها، ولم يتركا كثيرا يقال في الرصد والكشف بتحليلات وافية شافية. والسؤال الآن، ما هي القرارات والتدابير المنشودة لحماية ثورة يناير؟ والتي ينبغي أن نحشد الجماهير للمطالبة بها قبل أن يضيع ما حققه المصريون بالدم قبل العرق؟

قبل تفصيل ما نقترحه من قرارات وإجراءات، دعونا نؤكد أن كون ثورتنا بيضاء لا يعني أن تكون عاجزة عن حماية مكاسبها، وأن دورها هو كنس الفساد برياحها وليس التعايش السلمي معه كما يجري الآن، إذ يحاول البعض أن يكرس للفساد تحت دعاوى الحرية والديمقراطية والتعددية. فالشذوذ الفكري بالاعتذار لجلاد الشعب ليس حرية، والترويج للردة على مكاسب الثورة ليس ديمقراطية، وقبول الفاسدين والمتواطئين مع الفساد ليس تعددية. ولو كان كل هذا مقبولا كرفاهية في المستقبل فليس اليوم مقبولا في مرحلة المخاض الثوري، وحتى تهيأ الثورة الوطن للإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المنشود. لهذا نقترح بعض التدابير المطروحة للنقاش حتى نصل لصيغة جامعة، لحماية الثورة وضرب الثورة المضادة استباقيا، وتوظيف قانون الطواريء المؤقت في ذلك، فمن خلال تلك الإجراءات سوف تستخدم حالة الطواريء خلال الفترة الانتقالية لأول مرة كسيف في يد الشعب وليس سيفا على رقبته

أولا: حل الحزب الوطني الديمقراطي وجمعية جيل المستقبل وأيلولة كل ما لهما من أصول وممتلكات وأموال للدولة، حيث يمثل فلول الحزب أخطر طابور خامس اليوم لإجهاض الثورة

ثانيا: حل حكومة أحمد شفيق وتشكيل وزارة تسيير أعمال، ويرأس مجلس الوزراء السيد رئيس المحكمة الدستورية العليا بصورة مؤقتة حتى نهاية سبتمبر 2011م

ثالثا: قرارات العزل السياسي
نظرا للدور السلبي لكل من الحزب الوطني وجمعية جيل المستقبل في إفساد الحياة السياسية والعمل العام في مصر، يمنع كل من كان منتميا لأي منهما في 25 يناير 2011م وما قبله من ممارسة العمل السياسي أو العمل العام لمدة خمس سنوات ميلادية تنتهي في 25 يناير 2016م، وذلك كالتالي:
  • منع أعضاء الحزب والجمعية من تشكيل أحزاب أو جمعيات أهلية جديدة أو الانضمام لأحزاب أو جمعيات قائمة خلال فترة العزل حتى 25 يناير 2016م.
  • منع أعضاء الحزب والجمعية من الترشح لعضوية المجالس النيابية والنقابية والمحليات والانتخابات الرئاسية خلال فترة العزل
  • تقييد الحريات النسبي المؤقت للقيادات والرموز الحزبية السابقة، وذلك بتحديد إقامتهم في منازلهم وتقنين اتصالاتهم لمدة 6 أشهر تنتهي في سبتمبر 2011م (لمن لا تثبت بحقه منهم جرائم تؤدي لعقوبات أخرى) وفي مقدمتهم يأتي السادة (1) جمال مبارك، (2) صفوت الشريف، (3) أحمد فتحي سرور، (4) زكريا عزمي، (5) مفيد شهاب، (6) علي الدين هلال، (7) أحمد شفيق، (8) أنس الفقي، (9) أحمد نظيف، (10) يوسف والي، (11) فاروق سيف النصر، (12) حسام بدراوي، فضلا عن كافة الوزراء من أعضاء الحزب، والذين تشكلت منهم وزارتي أحمد نظيف وأحمد شفيق. وذلك مع السماح لهم بالاتصالات الشخصية وتسيير الأعمال الخاصة من منازلهم خلال فترة تقييد الحريات المؤقتة
رابعا: إعادة هيكلة قوى الأمن (الشرطة) وتصفية أجهزة القمع
وذلك بهدف تمكين قوى الأمن من القيام بدورها فيما يخص الأمن الجنائي والأمن القومي، وإنهاء دورها السابق كجهاز قمعي في يد النظام
  • ضم جهاز أمن الدولة لجهاز المخابرات العامة لدعم مهام الأمن القومي داخليا وخارجيا، مع تقنين الدور الداخلي وفقا للدستور المعدل والحريات المكفولة فيه، وسرعة تقديم عناصر الجهاز المنحرفة للعدالة.
  • ضم قوات ومعدات الأمن المركزي لجهود الأمن الجنائي، تحت مسمى جهاز الأمن العام، بتشكيل هيكل لدوريات المشاه من الأفراد المجندين والضباط العاملين، بهدف إقرار الأمن في الشارع (نموذج معاصر من عسكري الدرك)، وتكثيف الدوريات الراكبة بطاقة الضباط والأفراد العاملين في الجهاز.
  • حركة تنقلات شاملة بهدف تغيير الوجوه المتعاملة مع المواطن في أقسام البوليس وكافة مراكز الشرطة
  • تغيير الزي الرسمي بهدف كسر الحاجز النفسي مع المواطن، ودورات تدريبية مكثفة للتعامل القانوني المشروع مع المواطنين
  • إنشاء جهاز رقابي فعال لأداء قوى الأمن وتقديم العناصر المشكو بحقها في حالات التعذيب والقمع للقضاء والبت في تلك القضايا في غضون 3 أشهر
خامسا: تطهير قيادات الجهاز الحكومي وقطاع الأعمال والبنوك الحكومية
وذلك بإحالة القيادات الحكومية وقيادات قطاع الأعمال والبنوك الحكومية المنتمية للحزب الوطني الديمقراطي من درجة مدير عام فصاعدا لمعاش مبكر بمعاش كامل، وذلك في موعد أقصاه نهاية مارس 2011م

سادسا: التقنين المؤقت لحق التظاهر والإضراب والاعتصام
وذلك حتى نهاية مايو 2011م، من خلال الضوابط التالية والتي يطبقها الحاكم العسكري بسلطاته المؤقتة
  • تحديد يوم الإجازة الأسبوعية (الجمعة) للتظاهر في الميادين العامة والشوارع لما يترتب عليه من تعطيل مرور نوعي
  • الإضرابات والاعتصامات العمالية لا تزيد عن 50% من الطاقة العاملة في نفس الوقت، وبصفة خاصة في البنوك والمصانع والمنشآت الخدمية والمرافق، وفي حالة مخالفة ذلك يجازى المخالفون بخصم اليوم من الراتب وحجب الحوافز والبدلات الشهرية وفقا لقانون العمل
سابعا: حماية مبدأ المواطنة كثابت وطني بقوة الجيش
مبدأ المواطنة والمساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات والأهلية الكاملة بغض النظر عن الدين والعرق والنوع هو أحد الثوابت الوطنية التي تحميها القوات المسلحة تماما كحماية التراب الوطني واستقلال القرار الوطني، ولها أن تتخذ ما تراه من تدابيرلحمايته ومنع العبث به تحت مظلة الحرية والديمقراطية، إذ يمثل العبث به مدخلا للثورة المضادة وتفتيت الإجماع الوطني


الله والوطن

د/ إياد حرفوش
القاهرة في 19 فبراير 2011م

27.1.11

مشروع أولي للمصالحة الوطنية العامة

مقدمة
ندرك جميعا طبيعة الظروف والتعقيدات التي أدت لحالة الفوران الحالية في الشارع المصري في مطلع 2011م، والتي نؤكد وتؤكد كل العناصر الوطنية الشريفة والغير مغرضة أنها كانت ومازالت حالة غضب شعبي عفوية بالدرجة الأولى، لم يدبرها ولم يقد الجماهير فيها أية قوة تنظيمية من القوى الموجودة على الساحة السياسية، وإن شاركت كل تلك القوى في مخاضها وتهيئة الأرض لها منذ 2004 وحتى اليوم. ومع ذلك، فتحول الغضب الشعبي لعمل صحي وبناء لا يمكن أن يكون عفويا، لهذا أعددنا هذا المشروع الأولي للمصالحة الوطنية، ليكون ورقة عمل تتم المناقشات حولها للوصول لمشروع متكامل يتم من خلاله مرور البلاد من حالة الفوران لحالة الحراك المنهجي والصحي نحو التغيير. وحتى ينجح المشروع في تجنيب الوطن مرحلة انفلات أو فوضى خطرة، ينبغي للجماهير أولا، والقوى الوطنية المنظمة ثانيا، والنظام الحاكم ثالثا
  • على الجماهير أن تترفع عن لغة تصفية الحسابات ونزعات الانتقام والعقاب، لتضع المصلحة العامة لمصر فوق كل الاعتبارات
  • على القوى الوطنية أن تتسامى عن عقلية الفرص السانحة وأفكار القفز على إنجاز الجماهير بدون وجه حق، فلم تحرك أيا منها الجماهير، ولا تستحق أي منها موقع صدارة دون بقية القوى تأسيسا على ذلك.
  • على النظام الحاكم أن يقدم الصالح العام وحقن الدماء وتجنب الدمار والخراب على نزعة البقاء ودوافع الهيمنة والحفاظ على السلطة، نزولا على رغبة جماهير الشعب وليس سواها، وحفاظا على نفسه والمنتسبين إليه من عقبات الملاحقة القضائية دوليا في جرائم لا تسقط بالتقادم وتضع "زين العابدين بن علي" اليوم على قوائم المطلوبين للإنتربول
وتقديري أن كافة الأطراف لو تعاملت مع الأمر بعقلانية وبدون عنجهية ولا آمال كاذبة أو نعرات فارغة فستراه مشروعا عادلا للكل وملبيا للحاجات الملحة لكافة الأطراف

النقاط الأساسية للمشروع
  1.  التفاوض على المشروع: يعتبر تاريخ قبول مناقشة المشروع من حيث المبدأ هو اليوم (صفر)، ويفوض السيد رئيس الجمهورية مندوبين عنه للتفاوض مع ممثلي القوى الوطنية عليه، وتعقد جلسات مطولة لذلك تنتهي لإقرار صيغة نهائية لمشروع التفاوض في غضون (24) ساعة من بداية الاجتماع الأول 
  2. تشكيل مجلس الثقات: يصدر السيد رئيس الجمهورية أن يصدر قرارا له قوة القانون تأسياسا على المادة رقم () من الدستور المصري، بتشكيل مجلس ثقات وطني يتكون من العناصر المدرجة أسماءها في الملحق (1) والتي تمثل عشرون عضوا من المستقلين وعشرة أعضاء من الأحزاب والجماعات السياسية الفاعلة، وتفوض للمجلس كافة السلطات الدستورية لرئيس الجمهورية، وينص على ذلك قرار التشكيل. ويعد تاريخ قرار التشكيل هو اليوم الأول من تطبيق المصالحة الوطنية ويشار إليه باليوم واحد لاحقا.
  3. استقالة رئيس الجمهورية: يقدم السيد الرئيس استقالته طواعية من كافة مهامه الدستورية كرئيس لجمهورية مصر العربية، بعد تشكيل مجلس الثقات، ويتنازل عن حقه القانوني في الرجوع في استقالته خلال أسبوعين، ثم يغادر البلاد في غضون (12) ساعة بعد الاستقالة لأي بلد صديق يقع عليه اختياره لإقامة مؤقتة لا تقل عن ستة أشهر، تستقر خلالها الأوضاع في مصر، ويكون له بعدها حق العودة للوطن أو الاستمرار في الخارج كأي مواطن مصري كامل الحقوق، مع تعهده –وكافة أفراد أسرته من الدرجتين الأولى والثانية - بعدم ممارسة العمل السياسي في مصر. وبالمقابل يتعهد مجلس الثقات بالحفاظ على أمن الرئيس وأسرته وحقوقه الكاملة كمواطن مصري، ويتنازل المجلس نيابة عن الجماهير عن حق إقامة أية دعاوي قضائية محليا أو دوليا ضد الرئيس وإسقاط أية مسئوليات إدارية أو جنائية ترتبط بفترة رئاسته.
  4. استقالة رئيس مجلس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والإعلام: وتقدم الاستقالات لمجلس الثقات الذي يضمن للمستقيلين خروجا آمنا من السلطة، كما يضمن مشروع مصالحة على مستوى قيادات الداخلية يضمن لهم عدم التعرض لعقوبات النفي أو السجن أو الإعدام من جراء مهام قاموا بها خلال تأدية أعمالهم. ويسمي المجلس من بين أعضائه المستقلين قائما بأعمال رئيس مجلس الوزراء يرفع تقاريره للمجلس، قائما بأعمال وزير الدفاع يعاونه المساعدون الحاليون للوزير، ويرفع تقايره للقائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء، قائما بأعمال وزير الداخلية يعاونه المساعدون الحاليون للوزير، ويرفع تقايره للقائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء، وقائما بأعمال وزير الإعلام ، ويرفع تقايره للقائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء
  5. حل مجلسي الشعب والشورى: يصدر المجلس قرارا في غضون يومين من اليوم (1) بحل مجلسي الشعب والشورى الحاليين بواقع سلطته الدستورية المخولة إليه بالمادة رقم () من الدستور المصري، مع الحفاظ على حق كافة الأعضاء كمواطنين مصريين في إعادة ترشيحهم وعدم إقصائهم سياسيا. 
  6.  التعديلات الدستورية: يكلف المجلس لجنة دستورية من غير أعضائه تتألف من نخب قانونية وسياسية مهمتها إعداد مسودة دستورية في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها، وبحد أقصى خلال مدة مائة يوم من اليوم (1)، وتطرح المسودة الدستورية للمناقشة والتعديل على المجلس الرئاسي، ثم تطرح للاستفتاء الشعبي العام في غضون مائة وخمسين يوما من اليوم (1)، لإقرار الدستور المصري المعدل. 
  7. الانتخابات الرئاسية للمرحلة الانتقالية: تعقد انتخابات رئاسية حرة وفقا للضوابط الدستورية المعدلة في غضون مائتي يوم من اليوم (1). ولا يحق لعضو من أعضاء مجلس الثقات ترشيح نفسه للرئاسة في المرحلة الانتقالية ولا بعدها، ويتم انتخاب رئيس للمرحلة الانتقالية يتمتع بالصلاحيات الرئاسية وفقا للدستور المعدل فيما عدا الحق في إعادة الترشيح لمدة رئاسية جديدة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية ومدتها عامين من انتخابه رئيسا وتكليفه دستوريا بمهام عمله. وبتولية الرئيس الجديد ينحل مجلس الثقات تلقائيا
  8.  الانتخابات النيابية: يكلف المجلس في غضون 150 يوما من اليوم (1) لجنة من هيئات قضائية للإشراف على انتخابات لمجلس تشريعي جديد يحل محل مجلس الشعب المنحل دستوريا، على أن تبدأ أعمال المجلس الجديد في غضون 320 يوما من اليوم (1). وتتم الانتخابات وفقا لضوابط تضعها اللجنة القضائية ويوافق عليها المجلس الرئاسي/ الرئيس.
  9. مجلس المظالم والمشاكل العاجلة: يكلف مجلس الثقات فور عقده مجلسا من وجوه وطنية وخبرات فنية متنوعة للنظر في القضايا العاجلة والمظالم التي ترفع له خارج الهليكل التنظيمي التقليدي للدولة أو للشكوى بحق أحد المسئولين، وذلك حفاظا على وقت مجلس الثقات للأمور الاستراتيجية فقط. 
  10. لجنة المصالحة الوطنية: يكلف مجلس الثقات فور عقده كذلك لجنة من خمسة من أعضائه لدراسة أية مشكلات تطرأ خلال تسليم السلطة أو تتعلق بتعهدات المجلس للقيادات السابقة
والله من وراء القصد وبالله التوفيق
الله والوطن

البيان الأول – كلمة حب وكلمة عتاب


مشهد لم يره ميدان التحرير منذ عام 1977 رآه أمس وطرب القلب لرؤيته، كل التفاصيل كانت رائعة، سلوك الآلاف المعتصمة في الميدان يعيد إليك حب المصريين والاعتزاز بالانتماء لهم، هذا الحب الذي هزته سنوات الخواء والانفلات، هذا يسقي العطاشى، وذاك يوزع ساندوتشات الفول (ألذ ساندوتش كلته في حياتي)، وهذا يمد يده لرفيق لا يعرفه ببطانية لتقيه برد يناير، بائع الشاي لا يجد فكة فيقرر أن يعزمني على الشاي، شباب يجمعون القمامة من الميدان في أكياس سوداء، حتى العسكري المسكين يمزح معنا بحب (قبل صدور الأوامر بالضرب)، جلسنا على الأرض نغني أغاني الشيخ إمام "شيد قصورك ع المزارع" وغيرها، الرائع الدكتور "علاء الأسواني" بين الناس كما كان دائما، عرفت أن "عمرو واكد" و"جميلة إسماعيل" كانوا هناك كذلك وإن لم أصادفهما، نخب حقيقية ملتحمة بالجماهير

كلمة حب
أما كلمة الحب فهي لكل مصري شارك أمس في هذا اليوم التاريخي، وكلمة شكر شخصي له لأنه شارك في طرب قلبي الذي أدمن الكآبة، ولكل من شارك في تنظيم مسيرة الصباح التي لم تكن أقل روعة، أخص منهم إخوتي الرائعين "تامر" و"ماجد" و"أحمد" ولابنتي العزيزة "مها" التي بح صوتها في قيادة الهتاف معظم اليوم، وأقول لهم: أيها الرائعون .. أحبكم في الله والوطن

البيان وكلمة العتاب
حقيقة لا أعرف من أصدره، وتقديري أنهم شباب أرادوا أن يصدقوا النقل عن الجماهير، لكن الهتافات الجماهيرية لا يمكن صياغتها على حرفها لتصبح بيانا لحركة أو ثورة، وإنما يأت البيان مصدقا لروح الهتاف ووجهته وليس لفظه، وظني أن البيان معبر تماما عن صرعة رفض النخب التي تنتاب شباب التغيير، فلو أنهم عرضوه على واحد من النخب التي كانت موجودة بالفعل بينهم على الأرض مثل "جميلة" أو "الأسواني" أو غيرهما، لاختلف البيان تماما، لكن الموضة السائدة بين الشباب اليوم هي رفض وإقصاء تلك النخب بسبب تصرفات آخرين من النخب الصورية، لهذا جاء البيان معيبا للحد الأقصى، ومن عدة وجوه
  • عندما تطلب تنحي رئيس الجمهورية يجب أن تسمي منصبا (رئيس مجلس نيابي مثلا وهو غير والد في حالتنا)، أو شخصية معارضة (غير وارد كذلك) أو مجلس رئاسي (الأنسب بحالتنا) ليتولى رئاسة السلطة التنفيذية في الدولة خلال مرحلة انتقالية تسبق انتخابات رئاسية حرة
  • طلب تنحية مفاجئة لكافة وزراء الحكومة مرة واحدة مهما كان العور بهم معناه شلل الجهاز الإداري الذي تعيبه المركزية في مصر، فالوزارة لدينا ليست منصب سياسي بل تنفيذي في واقعه، لهذا فالأحرى الاكتفاء بالوزارات السيادية والأمنية وتأجيل تطهير بقية الوزارات لمراحل لاحقة من الإصلاح السياسي بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية
  • لا بأس في طلب حل المجلس التشريعي معيب الشرعية وانتخاب غيره لو اجتنب القصورين السابقين
  • نأتي لنقطة تشكيل حكومة وطنية، من الذي سيشكل وكيف؟ وقد نقضت السلطات التنفيذية والتشريعية بالجملة بدون بدائل؟
  • في النهاية والبداية، طبيعة المطالب وسقفها يجب أن تتناسب مع حجم الحدث، فالمظاهرات والاعتصامات الألفية لا تسقط أنظمة دفعة واحدة ولكن تكسبك أرضا للقتال وخطوة للأمام.
تشكيل مجلس أمناء الدولة والدستور الذي اقترحه "هيكل" منذ 2008، والذي يتولى إدارة البلاد لمرحلة انتقالية، ويتخذ القرارات الإصلاحية العاجلة بعد دراستها وصياغتها، ويعمل على تعديل الدستور باستفتاء حر، هو المخرج سياسيا وعمليا، وينبغي أن يكون تشكيله و"تفويض" رئيس الجمهورية صلاحيات منصبه لهذا المجلس هو المطلب الأول والوحيد مرحليا، وبعده يكون لكل حادث حديث. 



لكل ذلك جملة وتفصيلا أقول لشباب التغيير العزيز، الرأس بلا جسد عاجز هذه حقيقة .. ولكن الجسد بلا رأس ضائع .. تلك حقيقة أيضا .. وختاما .. حفظ الله ثورة مصر جذوة لا تنتهي، وجعل مظاهرات الجمعة القادمة نقلة نوعية بطريقها بإذن الله

7.1.11

حسان والحويني وأهل الذمة

نبهني الصديق العزيز الدكتور "رفيق نخلة" لمقالين في غاية الخطورة نشرتهما صحيفة أخبار اليوم وكتبهما السيدان "محمد حسان" و"أبي إسحاق الحويني" حول فاجعة كنيسة القديسين، ولم يتجاوزا فيهما المألوف في خطاب مثلهما من مفاهيم "أهل الذمة" و"المعاهدين" وعدالة الإسلام معهم، ولكنهما والحمد لله لم يتطرقا لموضوع اضطرار الذمي لأضيق الطريق ولا ركوب الفرس. وقد فند العديد من كتابنا المرموقين تلك الموضوعات انطلاقا من منطق المواطنة والدولة المدنية، لكننا اليوم سنفندها من طريق آخر هو الطريق الشرعي نفسه. ليتبين الرشد من الغي لكل رجل رشيد

المؤلفة قلوبهم وأهل الذمة ومقتضى الحال
كان الفاروق عمر (رض) يعلم وجوبا أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وتنبع صلاحيته من شموليته التي تجعل في إمكان المجتهد أن يستنبط منه المنهج الذي يناسب مقتضى الحال وتغيره على مر الزمان، لهذا لم يقف مكتوفا أمام النص في قضية أنصبة الزكاة، ومنع سهم المؤلفة قلوبهم الوارد بنص القرآن المباشر في قوله تعالى "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل"، لأن الإسلام على عهده صار عزيزا لا يحتاج لكسب ولاء الأشياع والأتباع ممن لم يرسخ الإيمان في قلوبهم بمال. وهنا يسأل أحدنا: كيف كان هذا والقرآن صالح لكل زمان ومكان؟ فنقول له أنها صلاحية مقترنة بتشابه مقتضى الحال، فلو تشابهت الظروف وأراد مؤسس دولة أن يكسب دعما من جماعة من الناس للصالح العام، جاز له أن يكسب ولاءهم ببعض المزايا المادية من المال العام وفقا لمفهوم تألف القلوب القرآني

فماذا عن مفهوم أهل الذمة أو المعاهدين؟
الأمر نفسه، هو مفهوم انقضى زمنه بانتهاء الظروف التي دعت لوجوده، وبتغير السياق ومقتضى الحال، فقد كان عصر الرسالة عصر إمبراطوريات، والخيارات محدودة في أن تكون الدولة تابعة أو متبوعة، ولهذا كان على دولة الإسلام الأولى أن تتوسع جغرفيا في محيطها بالفتوح، وتحتفظ في كل قطر تفتحه بحامية عسكرية، تحمي القطر وتكون في نفس الوقت مددا لغيرها من الجيوش المسلمة في أنحاء الإمبراطورية الوليدة حين يستدعي الأمر ذلك، ومن هنا كان تجنيد أهل الأمصار المفتوحة غبنا وضيما، فليس من العدل أن يحارب الشامي في مصر ولا المصري في خراسان بعيدا عن وطنه، وهو لا ينتمي لرابطة الدين التي تربط أجناد تلك الجيوش وتوحدها مع الهدف العام، فكان مفهوم الجزية التي تدفع كبدل مادي عن الجندية كما كان الحال في مصر قبل الثورة، وصار لمن يدفعها حقا وذمة وعهدا في عنق الجيش المسلم بالدفاع عن أمنه وأمن وطنه.

كانت الجيوش الإمبراطورية كما كان حال الرومان في مصر، لا تدافع عن الولاية التابعة لآخر قطرة دم، لأنها كانت تعتبر الولايات أملاكا وضياعا لا تستحق تدمير الجيوش في سبيلها، فكانت تدافع على حرف، ثم تغادر على متون سفنها لو صار الدفاع مكلفا في المال والعتاد، وكان تشديد الرسول (ص) في أحاديثه على حقوق الذميين نهيا عن هذا التعامل مع الأمصار كضياع وممتلكات، ليصير الدفاع عنها كدفاع الرجل عن أهله. اليوم تغير مقتضى الحال والسياق، ومعالم التغيير هي

  • بوفاة رابع الراشدين انتهت الدولة الإسلامية التي استحقت هذا الاسم (عدا حقبة خامسهم)، والتي كان محورها الكفاية والعدل، فلا محل اليوم لتعبير "دولة إسلامية" الذي يصفون به مصر، فهي دولة بها أغلبية مسلمة وحسب. فهي دولة صنعتها حقائق الجغرافيا والتاريخ ولم تصنعها العقيدة كدولة المدينة المنورة قديما
  • صار لكل دولة جيشها الوطني الذي يضم كل أبنائها على اختلاف مللهم، ومهمته محدودة في حماية الدولة ومصالحها، فلا محل اليوم لحديث عن ذميين وجزية وما إلى ذلك من تجديف
.من هو الذمي اليوم؟
العديد من الشعوب العربية والمسلمة المغلوبة على أمرها تدفع اليوم الجزية للجيوش الأمريكية، فكل من السعودية وقطر والبحرين والإمارات والعراق وتركيا وأفغانستان وباكستان بها قواعد أمريكية متفاوتة العدد والعتاد، وكل من تلك الدول تدفع من مال الشعب تكاليفا باهظة للحاميات الأمريكية التي "يفترض" أنها تحميها، والحقيقة أنها تدمرها باطنا أو ظاهرا أو الاثنين معا، يعني ليسوا ذميين وحسب ولكن ذميين بلا حقوق ولا حماية، أما بقية الدول ومنها مصر بكل أسف فتدفع جزية أصغر في صورة ثمن السلاح الباهظ وتكاليف الخبراء الأمريكيين المضاعفة لأمريكا مصدر تسليحنا الوحيد اليوم، والتي تحتفظ لعدونا بتفوقه علينا في المقابل، يعني كلنا في ذمة أمريكا وأمريكا لا ذمة لها ولا عهد! فكفوا بالله عليكم عن لهجة الاستعلاء والفروسية بلا معنى ولا مضمون، لعلنا ذات يوم نركب طريق الأمم الصاعد مرة ثانية جميعا كمواطنين مصريين متساوين في الحقوق والواجبات، بعد أن أفسدتم على الناس دينهم ودنياهم إلا قليلا.

23.12.10

بين القران والنكاح

قال "لقد خشيت على نفسي" فأجابته قرينته "كلا .. أبشر .. والله لا يخزيك الله أبداً، فإنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر"، هو سيد الخلق محمد صلي الله عليه وسلم، وهي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، أول من آمن برسالة النور من البشر (بغض النظر عن التقسيم العنصري للمؤمنين الأوائل إلى فئات من الرجال والنساء والصبيان والموالي والأثرياء)، إذ آمنت بالنبي قبل أن يوقن هو نفسه بنبوته ورسالته، والجانب الذي يرتبط بحديثنا من تلك العلاقة الرائعة، هو جانب القرين وقرينته، وليس الرسول وأم المؤمنين، ذلك الجانب الذي كان الاصطفاء والإيمان والتوحد أهم ركائزه

بين القران والنكاح والزواج
لفظة القران في رأيي تعني الكثير جدا فوق لفظة النكاح، فمن ضمن معاني القرن مقدمة الرأس، واشتق منها القران بمعنى جمع الرؤوس، كما نقول في عاميتنا المصرية "يوفق راسين في الحلال"، ويقال عقد القران، أي ربط الزوجين برباط مقدس، ومنها يشتق كذلك الاقتران، بمعنى الملازمة والمصاحبة اللصيقة كما في سورة ص (واخرين مقرنين في الاصفاد)، ومنها القرن في لغة القرآن بمعنى الجيل المتزامن من البشر، كما في  سورة الأنعام (الم يروا كم اهلكنا قبلهم من قرن)، بمعنى جيل
  • الندية بغير تطابق، فلا يقترن إلا الأنداد الأكفاء
  • توازن العلاقة، فليس فيها فاعل ولا مفعول به
  • الحميمية التي توحي بها صورة جمع الرؤوس والعقد بينها
  • الملازمة التي تعني ديمومة الرباط بينهما، والمشاركة التي ترتبط وجوبا بالملازمة
أما النكاح فهو اللفظ القرآني للتعبير عما نسميه اليوم زواجا، وهو لفظ محايد يناسب النص التشريعي والتأسيسي لأنه لا يحمل معان عاطفية كتلك التي يحملها لفظ القران، كما أن النكاح هو اللفظ الذي يحتمل التعدد، أما القران فبواحدة فقط، أما اللفظ المعاصر الذي نستخدمه للتعبير عن علاقة النكاح فهو الزواج، وقد استخدمه القرآن للتعبير عن الزوج كما في سورة البقرة (حتى تنكح زوجا غيره) والتعبير عن الزوجة كما في (وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة)، والزواج أدنى من النكاح برأيي في التعبير عن العلاقة الإنسانية بين القرينين، لأنه يشمل العاقل وغير العاقل من الطير والحيوان، أي يشمل النكاح البشري والسفاد الحيواني

الاصطفاء والإيمان .. عبقرية القرينة
لم يجمع الرسول بخديجة زوجة أخرى، لأنها كانت قرينة بكل ما تحمله الكلمة من زخم المعاني، فأغنت عن غيرها من نساء الدنيا،  ولم تغن عنها بعد وفاتها في عام الحزن نساء الدنيا، ولم يقارب مكانتها في قلب النبي غير ابنتها فاطمة، فلم يصف بالكمال الإنساني من النساء غيرهن، ولم يقس على زوجته الأثيرة السيدة عائشة قدر ما فعل يوم ذكرت خديجة بما لم يرضاه النبي فأوجعها بقوله "وكان لي منها الولد" وعائشة كانت محرومة من نعمة الأمومة، وكان يصل صويحباتها وأختها هالة بعد وفاتها كرامة لها، وهل أبلغ في النهاية من أنه سمى عام وفاتها بعام الحزن؟

والسير الأقدم تروي لنا أنها كانت سيدة ذات شرف وجمال ونسب وخلق وذكاء، وكل هذا ترجم نفسه في أمرين كانا جوهر علاقتها بالرسول (ص) ولبها الذي ميزها عن غيرها من أمهات المؤمنين
  • الاصطفاء، فخديجة هي من اختارت النبي لنفسها وأرسلت من يذكرها عنده، وهي بذلك دللت على خصوصيته في عينيها، وكذلك على قوة شخصية وشجاعة وثقة بالذات، وهذا أمر تطيب به نفس أي رجل، فما بالنا بالرجل الذي كان يشعر باختلافه عن أقرانه وتميزه عنهم، حتى وجد امرأة تعرف فيه ما يعرفه في نفسه ويتهيأ له بالتحنث في غار حراء
  • الإيمان، فقد آمنت به كما أسلفنا كرجل مختلف بمناقبه وخصاله قبل البعثة، ومختلف باختيار ربه بعدها، وكل صاحب رسالة بين الناس يحتاج لقرينة تؤمن به وبما يعيش فيه وله، وليس فقط الرسل والأنبياء
  • التوحد، فقد صارت خديجة في السنوات الأولى من البعثة وكأن كل صفاتها اختزلت في أنها زوجة النبي، فقد سخرت مالها في سبيل الدعوة، وخسرت رواج تجارتها في الحصار الاقتصادي الذي ضرب على الهاشميين بشعب أبي طالب، لم يكن توحدها لضعف ولا لوهن، ولا كان ذوبانا فقدت معه هويتها، لكنه كان تناغما سخرت فيه كل كيانها لخدمة الهدف الكبير، ولم تمن يوما ولم تذكر قرينها بأنها ضحت وفعلت كذا وكذا
    وبعد، فطبيعي ألا تكون هناك بين النساء اليوم خديجة لأنه ليس بين الرجال محمد، لكنهما يبقيان قدوة لا تدرك كلها ولكن ينتهج نهجها، وتبقى العلاقة نموذجا إنسانيا رائعا يستحق الدراسة والتأمل

    12.12.10

    مرحبا بي في إسرائيل


    في منتجع على شاطيء البحر الميت بالقرب من العاصمة الأردنية عمان وقفت أثناء راحة من اجتماع العمل، أدخن سيجارة وأنظر عبر البحر للشاطيء الآخر حيث فلسطين المحتلة، حيث ربى التلال "الحزينة كوجه المجدلية"، والمتشحة بالسواد تتخللها بقع النور الضيقة المختنقة، كدت أسمع في أذني صوت الشيخ إمام وهو يقول "شط الزتون شطي والأرض عربية" حين قطع أفكاري رنين رسالة قصيرة استقبلها هاتفي الجوال، فتحت الرسالة فكانت تلك الرسالة التقليدية التي تصلك أثناء التجوال الدولي ومفصل بها أسعار الخدمة في البلد التي تزورها، رسالة تقليدية لكن محتواها لم يكن كذلك
    فودافون مصر ترحب بك في إسرائيل
    يا ولاد الكلب؟ ترحب بمين .. فين؟ 
    التقط الجوال شبكة العدو الصهيوني عبر المسافة القصيرة، وهو أمر طبيعي في المناطق الحدودية (وإن كان وجود إسرائيل نفسها ليس طبيعيا)، لكن العبارة كانت قاتلة .. خاصة لو أغفلت اسم الشركة فقرأتها "مصر ترحب بك في إسرائيل" .. على رأي السيد حسن نصر الله يوم قال تعليقا على منطق عصابة 14 آذار:صارت هيك؟ .. هي خلاص بقت كدة؟

    لست غائبا عن العالم، أعرف تماما كيف وصل بنا التطبيع للدرك الأسفل، وأن هناك بضعة آلاف من الشباب المصري يعيشون في إسرائيل ويصاهرون الصهاينة ويسعون للحصول على الجنسية القذرة، وأن هناك رجال أعمال يسافرون للكيان الصهيوني أكثر مما يسافرون لأي بلد عربي آخر، وأن التصدير والاستيراد على أقذر ما يرومه المطبعون، وأن الكويز أتت بهم للمحلة الكبرى وكفر الدوار، وأدخلت العدو غرفة النوم، وأن شركات الاتصالات يهمها عائد التجوال حتى لو كان تجوالك في جهنم، فسيرحبون بك في سقر ويخبرونك بسعر الدقيقة ورقم خدمة العملاء، وأن وأن وأن وكل أن بعدها مصيبة، ومع ذلك صدمتني العبارة العاهرة .. مصر ترحب بي في إسرائيل .. وطني يرحب بي في بلاد الأعداء ويتمنى لي في نهاية الرسالة إقامة سعيدة في إسرائيل .. يا أحمد عبد العزيز وخمسة آلاف شهيد عربي في حرب 48، يا جول جمال وثلاثة آلاف شهيد في عدوان 56، يا حسني حماد وثمانية عشر ألف شهيد عربي في حرب 67، يا إبراهيم الرفاعي وتسعة عشر ألف شهيد في حرب 73، يا أغلى رجال مصر وسوريا والعراق والأردن وفلسطين، فودافون مصر ترحب بي في إسرائيل .. اللعنة اللعنة اللعنة يا بلدنا سبع مرات .. ملعون الحل السلمي .. أو نندب ع اللي مات 

    30.11.10

    مبارك يعظ

    لو تركنا جانبا النصيحة التي أسداها مبارك لبوش الابن، و"صيح" بها الأخير في الصحافة العالمية بالأمس القريب، وطالعنا ما نشرته التايمز اليوم مساء على موقعها الاكتروني هنا
    http://www.timeslive.co.za/world/article791399.ece/Mubarak-told-US-to-allow-dictator-in-Iraq

     نقلا عن موقع ويكيليكس الذي نشر وثائق أمريكية سرية حول حرب العراق في يوم 22 أكتوبر الماضي، سنجد عدة معلومات ذات دلالة، كان ما يلي أهم ما جاء في تصريحات مبارك التي نقلها للإدارة الأمريكية السيناتور جون كيري بعد زيارته  الرسمية للقاهرة في مايو 2008م
    • على الولايات المتحدة أن تغض النظر عن موضوع الديمقراطية في العراق وتسمح لديكتاتور جديد أن يحل محل صدام، فالعراقيون بطبيعتهم خشنين جدا ويحتاجون ديكتاتورا.. ونعلق على نصيحته الثمينة فنقول لمن يرجون دعم الولايات المتحدة لحراك التغيير: يا سادة دولة تسمح بخطاب سياسي بهذه الميكيافلية لن يكون انحيازها لغير مصالحها، ومصالحها قطعا ليست مع التغيير
    • لا يمكنكم الخروج الآن من العراق، ومن المناطق الشيعية تحديدا فيه، لأن هذا يدعم إيران بصورة كبيرة، لذلك على القوات الأمريكية أن تبقى بأي ثمن .. هكذا طلب رئيس "أكبر دولة عربية" من القوات الأمريكية أن تحافظ على احتلالها للتراب العراقي مهما كان الثمن، وبعد ذلك يتهمون المعارضة بالاستقواء بالخارج؟
    • نحن منزعجون جدا من فكرة إيران نووية، لو نجحت إيران سيتعين على مصر أن تبدأ فورا في برنامجها النووي .. هكذا؟ كأن إسرائيل لا تملك 450 رأس ننوي جاهزة للإطلاق من البر والبحر بمنظومة باليستية يصل مداها لسواحل الأطلسي في المغرب، وكأن إيران عدوة وإسرائيل هي الصديقة التي لا يزعجنا سلاحها، وبعد ذلك نعجب من النغمة المعادية للشيعة على المنابر التابعة لوزارة الأوقاف
    • عليكم أن تفعلوا بإيران كما فعلتم بليبيا تماما، بفرض حصار اقتصادي خانق عليها حتى توقف برنامجها، ويضيف عمر سليمان في لقاء السيناتور كيري معه: على الولايات المتحدة أن تشدد الحصار الاقتصادي حتى ينشغل نجاد بمطالب رجل الشارع عن أي مناورات سياسية، وبعد هذا يتهمون المعارضة باستعداء الخارج؟
    هذه يا سادة هي لغة الحوار بين الولايات المتحدة وحكومات ما تسميه بالدول الصديقة

    23.11.10

    الآخرون

    لا .. ليس ترجمة لاسم فيلم الإثارة الأمريكي الشهير، ولكني أعني بالآخرون هنا كل طائفة أو جماعة بشرية مخالفة لتلك التي ننتمي إليها ولهذا نسميها عادة اسما غير ما يطلقه أبناء هذه الجماعة أو الطائفة عليها، تماما كما فعل البشر دائما في كل زمان ومكان، ولنوضح أكثر، نحن مصريون، فهل من الطبيعي أن يأت أجنبي فيطلق على مصر اسم "السودان الشمالية" ومن ثم يسمينا سودانيين شماليين؟ ليس هذا منطقيا طبعا فيما يخص الوطن، لكن هذا ما تفعله كل طائفة عادة مع الطوائف المغايرة لها
    • البروتستانت: وهو اسم يطلقه الكاثوليك والأرثوذكس على المذاهب والكنائس الغير أصولية (غير كاثوليكية أو أرثوذكسية)، بينما الاسم الذي يطلقه معتنقو تلك المذاهب على أنفسهم هو الإنجيليون، بداية من تأسيس "مارتن لوثر" للكنيسة الإنجيلية الألمانية، لتأسيس كنيسة بريطانيا الإنجيلية ونهاية بالكالفينية، والإنجيليون هو الاسم الأدق لأنه يعبر عن اعتماد المذهب على الأصول الإنجيلية للعقيدة بعيدا عن الفكر الديني لبولس الرسول والقديس "بطرس"، لكن يبدو أن الكاثوليك فضلوا اسم البروتستانت، المشتق من لفظة المعترضين أو المعارضين اللاتينية، ففيه وصف ضمني لتلك المذاهب بأنها انشقاق مستحدث عن الكاثوليكية، فيكون بمثابة التشكيك الضمني في أصالتها
    • النواصب: هو الاسم الذي يطلقه متطرفو الشيعة على الطائفة التي تطلق على نفسها اسم أهل السنة والجماعة، وذلك لادعائهم أن هؤلاء ناصبوا آل البيت العداء، وهذا غير صحيح لأن المسلمين السنة اليوم ليسوا امتدادا لمعسكر معاوية ويزيد بحال من الأحوال، بل منهم من لا يعترف بشرعية حكم الأمويين
    • الروافض: هو الاسم الذي يطلقه متطرفو السنة بدورهم على كافة المذاهب التي تسمي نفسها شيعية، نسبة لشيعة علي، وسبب الاسم هو ادعاء أن الشيعة هم من "رفض" الانضواء تحت لواء الجماعة في عام الجماعة، وهذا بدوره ليس صحيحا، لأن عام الجماعة أو ما سمي تاريخيا بهذا الاسم وهم كبير
    • الخوارج: هو الاسم الذي أطلق على الخارجين عن إمرة الإمام علي بعد موقعة الجمل والتحكيم، بينما تعود المنتمون للمذهب أن يسموا أنفسهم جماعة المؤمنين، وكأنهم وحدهم كذلك، أو الشراة، الذين اشتروا الآخرة بالدنيا، ونسبوا كذلك لكبرائهم فعرفت منهم جماعات هي الأزارقة والصفرية، ومنهم اليوم فرقة الإباضية
    • المعتزلة: جماعة فكرية امتازت بفكر وفلسفة مميزة وإن لم تمثل طائفة دينية مستقلة، سماهم خصومهم من الأشاعرة خاصة باسم المعتزلة لاعتزالهم مجلس العلم في حلقة الحسن البصري، بينما يسمون هم أنفسهم أهل العدل والتوحيد
    • الدروز: وهم طائفة مستقلة يخلط البعض بينهم وبين الطوائف الشيعية، ويسميهم خصومهم الدروز نسبة لنشتكين الدرزي، بينما يسمون هم أنفسهم الموحدين أو أهل الجبل الموحدين
    • الصابئة: أحد الأديان الموجودة في مناطق محدودة من العالم أهمها العراق، وهم غير الصابئة المذكورين في القرآن الكريم، وهذا هو الاسم الذي يسميهم به خصومهم بينما يسمون هم أنفسهم المندائيين
    • الأقباط: جمع قبطي، ومعناها مصري (هيكوبتاح في المصرية القديمة بمعنى أفق بتاح، تطورت إلى هيكوبتاس في العصر الروماني، ثم كوبتاس، والتي صحفت بالعربية إلى قبطي) ويطلقها المسلمون المصريون على المسيحيين المصريين خطأ، فمسمى الأقباط الأرثوذكس معناه الأرثوذكس المصريين مثل السوريان الأرثوذكس والروم الأرثوذكس
    • السلفيون: وهو الاسم الذي تطلقه الجماعات الأصولية على نفسها، بادعاء تقليد السلف الصالح، وهو غير صحيح لأن كل طائفة تظن نفسها مقلدة للسلف، والأدق تسميتهم بالوهابيين نسبة للمؤسس المعاصر، أو التيميين نسبة لابن تيمية، ولو أردنا ردهم لما قبل ابن تيمية يمكن تسميتهم بالحنابلة وان كان هذا غير دقيق لأنه ليس كل الحنابلة تيميون

    14.11.10

    ليلة العيد


    كان صوت كوكب الشرق يعني لكل منا في ذلك الزمن العيد ذاته وهي تقول: يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا يا ليلة العيد، اليوم أسمع الكل يتساءل كل عام دونما ملل أو كلل: أين ذهبت بهجة العيد؟ لماذا صار بلا طعم؟ والإجابة واضحة في وجدان كل منا، لكننا في الغالب لا نريد أن نراها حقا، تعالوا نتذكر سويا ملامح ومسببات البهجة في العيد أيام زمان
    • كانت للعيد بهجة لأن الملابس الجديدة لم تكن أمرا متكررا على مدار العام، ولأن العيدين ودخول المدارس كانت مواسما حصرية للبس الجديد من الثياب، اليوم صار الجديد متاحا دائما، والقضية الهامة هي: هل سيسمح كريم لماما أن تشاركه اختيار ملابسه أن سينفرد بالقرار؟ هل سيصر على الوسط المنخفض للجينز ولا هيحترم نفسه؟
    • كانت للعيد بهجة لأن وفرة العيدية النقدية كانت حدثا لو قارناها بالمصروف اليومي الهزيل، وبالتالي كانت أنواع أغلى من الحلوى واللعب الصغيرة تدخل في نطاق القدرة الشرائية للصغار، فيصبح لوح الشيكولاتا الكورونا ذو البقرة الحلوب على غلافه الأزرق ممكنا، مقابل ذلك اللوح الصغير ذو الغلاف الأحمر في الأيام العادية، وكانت زجاجات االسيكو والسينالكو (ثم الكوكاكولا لاحقا) متاحة في الثلاجة مقابل عصير الليمون في الأيام العادية، كذلك كان شريط اللبان الكور متعدد الألوان بصوره الجذابة متاحا، والأهم من هذا كله المسدس ذو شريط الطلقات "الحبش" إياه لو كنتم تذكروه، اليوم صارت أغلى ألواح الشوكولاتة السويسرية في مقصف المدرسة، والبلاي ستيشن يخلي مكانه لثورة الوي
    • كانت للعيد بهجة لأن كل بيت كان يتخذ زينته - خاصة غرفة الصالون - انتظارا لاستقبال الضيوف الذين لا ينقطعون خلال أيام العيد، والذين يبدأون في التوافد فور العودة من زيارة بيت الجد مساء اليوم الأول، اليوم ومع نظام الريسيبشن المفتوح الغير مناسب لعاداتنا لم تعد الاستضافة في البيت ولكن على المقهى، فضاعت بهجة الضيوف وقهقهة الرجال ونجوى النساء
    • كانت للعيد بهجة لأن التليفزيون على غير العادة كان يذيع أكثر من فيلم عربي كل يوم من أيام العيد الأربعة، صباحا ومساء، ومسرحية في السهرة، في انفتاح درامي غير معهود، اليوم صارت قنوات الدراما خارج المنافسة والمزايدة في كل أيام العام
    • كان السهر ليلة العيد حدثا خارقا للعادة تسمح به الأسرة يومها فقط، اليوم صار السهر أسلوب حياة في الريف والحضر
    • كان إعداد السيارة فيات 124 الحمراء للإبحار .. أعني للسفر والتأكد من المياه والزيوت والإطارات، وتربيط العفشة، وترصيص العجل، وتزييت المشاحم، وتنظيف الرادياتير يستغرق ربع يوم الوقفة استعدادا لمشوار الإسكندرية مرة والقرية مرات عديدة، اليوم السيارات لا تحتاج كثيرا من الإعداد، لكننا في الغالب لا نسافر
    لقد فقدنا مباهج العيد البسيطة لأننا حاولنا تحويل كل أيام العام لعيد من خلال وفرة الاستهلاك (للقادرين عليه طبعا) فكانت النتيجة أننا فقدنا بهجة العيد ولم تصبح الأيام العادية أكثر بهجة، ربما كان أفضل دليل على هذا أن البسطاء رغم معاناتهم مازالوا يشعرون ببهجة العيد اليوم

    مربعات ابن عروس

    9.11.10

    الشِدَّة المباركية


    جاء في تاريخ الجبرتي ذكر للشدة المباركية، تلك التي حدثت على عهد الخليفة "المبارك بإذن الله"، حين عم الغلاء في البلاد، وشح الزاد وضج العباد، وكان مما جاء في أمرها

    حتى كان عام التلبيس السابق على عام التوريث، فعز في بر مصر الطيب وراج فيها الخبيث ، إذ أقصى الخليفة عن ديوانه الحكماء، واستوزر الطواشية والإماء، فكان أن عم البلاد الغلاء، واختفت السلع من سيتي سنتر وسبينيز وكافة الهيبرات، حتى وقف الناس صفوفا وصلت بين كارفور المعادي وكارفور العبور وعدها العارفون بالمئات، واختفت الجالاكسي والليندت من الأسواق حتى أكل العيال الكورونا والبيمبو والدوم وبلح الأمهات، وشحت الأرزاق فعجز الناس عن دفع اشتراك الأوربيت والإيه آر تي وكافة القنوات وتكالبوا على المقاهي لمتابعة الماتشات والمسلسلات، وعم الغلاء حتى صار رغيف الفينواز من مترو بثلاثة جنيهات، وشح عصير الأناناس والفواكه الاستوائية والبينا كولادا حتى عاد الناس لشرب عصير القصب والجوافة، أما الدخان فقد ندر حتى لم يجد المدخنون غير الدانهيل والكنت حين شحت المارلبورو الأبيض والميكس. وخلت ماكينات النقود حتى عاد الناس يقفون على شباك الصرف في البنوك كأنهم في بنك مصر أو البنك الأهلي في سالف الزمان. أما الموبايلات فقد ضعفت الشبكات واضطربت التغطية اضطرابا شديدا، حتى صار دعاء الناس: يا مقلب الأحوال ثبت لنا البث والإرسال، وتعاقبت الأزمات فكثرت الميسدات وقلت المكالمات، وزاد البلاء بالمرض والوباء، فوهن عصب الرجال ولم تجد معهم زرقاء ولا صفراء، وخطف الأرذال الأطفال والأحداث وقتلوهم وباعوا أعضاءهم للأثرياء والوجهاء، والتهبت الأكباد وفشلت الكليات، فضجت بمرضاها المشافي والبيمارستانات، وخرج الناس من الدور للشوارع والأندية وكافة الآوت-دور، داعين الحنان المنان أن ينجيهم من تلك الشرور، ويهدي الخليفة لما فيه صلاح الأمور، فمهما زادت الشرور وكثرت على الأمة عظائم الأمور، تبقى طاعة ولي الأمر واجبة على العبد المأمور

    6.11.10

    الانتخابات وفن الممكن


    منذ سنوات بعيدة سمعت من الأستاذ خالد محيي الدين عبارة حكيمة قال فيها "مشكلة المثقفين في مصر إنهم مثاليين زيادة ومش مرنين بما يكفي، علشان كدة مش عارفين يحققوا الديمقراطية" تذكرت عبارته تلك الآن وأنا أستعد لتناول موضوع انتخابات مجلس الشعب واختلاط نداء المشاركة بنداء المقاطعة، مع احترامي لمصادر الندائين وثقتي في سلامة النوايا على الجانبين، حيث رأيت في الاستمرار في المناداة بالمقاطعة نوعا من المثالية الزائدة التي تتحدث عنها محيي الدين، ومخالفة لقواعد السياسة كفن للممكن تحقيقه وليس لما ينبغي تحقيقه

    بين المقاطعة والمشاركة
    أشهد شخصيا أن الناشطة الحقوقية والسياسية الأستاذة جميلة إسماعيل قامت باستطلاع رأي مصغر بين بعض المهتمين بالعمل العام من معارفها، (وكنت ضمن هذا البعض) حول اختيارات مقاطعة الانتخابات أو المشاركة فيها بترشحها لمقعد الفئات عن دائرة قصر النيل، حدث هذا بعد أن أعلن الوفد وقبله الإخوان وبعدهما التجمع المشاركة في الانتخابات البرلمانية الجارية، وأشهد أن رأيي كان المشاركة بدون تردد، فجدوى المقاطعة تكمن في كشف النظام وفساد العملية الديمقراطية أمام العالم، حين تحجم "كافة" القوى الوطنية الفاعلة عن المشاركة، فلا يخوض الانتخابات غير مرشحي الوطني والمستقلين، فتفسد الطبخة الديمقراطية وتزكم رائحتها أنوف الدنيا كلها، أما حين تقرر تلك القوى الوطنية - لأسباب لا نتفق معهم فيها - أن تشارك، فيصبح إحجام المستقلين من المعارضين والشرفاء بلا جدوى، بل تصبح المقاطعة مهدرة لفرصة وجود أصوات شريفة، تضمن على الأقل ألا يمر توريث السلطة مكللا بصمت الحملان

    شارك .. أو قاطع مقاطعة إيجابية
    في النهاية أحترم اختيار من يرى مقاطعة انتخابات غابت عنها ضمانات النزاهة، لكن المقاطعة السلبية هي ما فعلناه دائما في الماضي فلم نجن منها قليلا ولا كثيرا، اللهم إلا استفحال التزوير وظواهر أصوات الموتى وتوسيد البطاقات، فلماذا لا نكون أكثر إيجابية سواء شاركنا أو قاطعنا، فتكون خياراتك واحدة من ثلاث
    1. المشاركة بانتخاب أحد الأصوات الشريفة أيا كانت التوجهات والمرجعيات
    2. أبطل صوتك .. فأحد وسائل الاحتجاج المعروفة على أي عملية انتخابية أن تبطل صوتك حتى لا تمكن مسودي البطاقات من استغلاله أولا، وحتى تسجل احتجاجك ومقاطعتك، ويبطل الصوت لو سجلت أي بيانات شخصية على بطاقة الترشيح أو اخترت أكثر من مرشح، بإبطال الصوت تحرم المزورين من استخدامه لصالحهم
    3. أعلن مقاطعتك بإعلان رقم قيدك في الجدول الانتخابي والحرف الأول من اسمك، وموقفك المقاطع للانتخابات، وتأكد من وصول تلك البيانات لأحد المعارضين المرشحين في الانتخابات، وحين يعرف المزيفون بموقفك المعلن لمقاطعتك ستسبب لهم ارتباكا شديدا في تزييف إرادتك، وتفتح بابا للمعارضين للطعن في نتيجة الانتخابات
    كن فاعلا .. شارك ولو بالمقاطعة .. وابرأ إلى الله من صمت الخراف

    الهلال والصليب .. عناق أم شقاق؟


    نعترف أمام الله الواحد يا مصر أننا تهاونا في أمر النسيج الوطني تهاونا خطيرا، نعترف أمامه تعالى مسلمون ومسيحيون أننا استعضنا عن الحلم الوطني الضائع بانتماءات طائفية زادت الحلم ضياعا، ونعترف أن الهلال والصليب يتعانقان في الشعارات والصور وبينهما شقاق صار داميا في واقعنا اليومي، نعترف أننا شاركنا في صناعة الشقاق بالكلام حينا وبالصمت أحيانا، وكفى بالمرء إثما أن يلق احتراق الوطن بصمت الموتى

    في كتابنا وجع الدماغ تناولنا طرحا قدمه القيادي في الحزب الوطني وضابط الشرطة السابق الدكتور "نبيل لوقا بباوي" لمعالجة المشكلة الطائفية، وبينا ما فيه من عور يكرس الطائفية ولا يقاومها، ثم طرحنا خطة من عشر نقاط إجرائية يعقبها طرح وطني لمواجهة جذرية لمشكلة الطائفية التي غرست في العقود الأربعة الأخيرة التي مثلت عصر الانحطاط المصري المعاصر في كل الأصعدة، وها نحن نعيد نشرها إثر تعليق مهموم بالوطن للناشطة المناضلة ومرشحة مجلس الشعب المستقلة الأستاذة "جميلة إسماعيل" دعت فيه لسرعة طرح الأمر بمنتهى الجدية التي يقتضيها

    الوصايا العشر من أجل نسيج وطني جديد
    1. تأسيس هيئة الأبنية الدينية، وتؤسس كهيئة مدنية تابعة لوزارة الأوقاف والتكافل التالي ذكرها، وتتألف من خبراء مؤهلين في الإحصاء والعلوم الاجتماعية، ومهمتها متابعة ورعاية وصيانة دور العبادة القائمة من مساجد وكنائس، ومراقبة كفايتها لتعداد السكان من الدينين في كل منطقة، وتبسط هذه الهيئة سلطتها على جميع مساجد وكنائس مصر إداريا ودون تدخل في الشؤون الروحية، ولها الحق الحصري في اتخاذ قرارات بناء المساجد والكنائس وتنفيذها وفقاً للاحتياج، وعلى من يرغب المساهمة في بناء مسجد أو كنيسة التبرع لهذه الهيئة، أما الإشراف الديني على المساجد فيكون للجان من علماء الأزهر كما يكون الإشراف الروحي على الكنائس للكهنوت الخاص بكل طائفة، وعلى رأسها الكرازة المرقسية. وغني عن القول أن تأسيس تلك الهيئة سيكون تاليا لإبطال العمل بالقانون التركي (هاتي هومايون) الخاص بمعاملة الأقليات والشهير بالخط الهمايوني، والذي مازال ساريا لليوم منذ زمن "سليم الفاتح" العثماني
    2. تقنين الهامش الإعلامي الديني، ويقتصر في القنوات العامة المصرية على إذاعة مواقيت الصلوات الخمس والأذان ومواقيت الصلوات المسيحية، على أن تخصص قناتان للبرامج الدينية الإسلامية والمسيحية كل على حدة، مع مراعاة تخصيص وقت مناسب للمذاهب المختلفة لكل دين في برامج القناة الخاصة به
    3. إنشاء وزارة التكافل الاجتماعي والأوقاف، والتي تتكون بضم وزارات الأوقاف والتضامن الاجتماعي، على أن تكون وزارة مدنية يتكون هيكلها من كوادر مالية وإدارية، وتبسط سلطاتها على جميع الأوقاف المصرية إسلامية ومسيحية وعلى صناديق النذور والعشور في المساجد والكنائس والأديرة، وتلتزم برواتب العاملين بالإشراف الديني من الوعاظ ورجال الكهنوت، وتمويل الأديرة، كما تتحول لملكية الدولة وتضم تحت هذه الوزارة جميع المدارس والمستشفيات والمنشآت الخيرية ذات الصبغة الدينية، وتخصص هذه الأصول كلها لأعمال التكافل الصحي والتعليمي للطبقات غير القادرة من المصريين عامة، وكذلك لبناء المساجد والكنائس عند الحاجة من خلال الهيئة سالفة الذكر
    4. إقرار تعداد السكان ونسبة الأقباط الحقيقية، وسبب حساسية الدولة من إعلان العدد الحقيقي للأقباط كان دائما الخوف من المطالبة بنسب تمثيل في البرلمان والمؤسسات المختلفة وفقا لنسبتهم من التعداد السكاني العام. وهو خوف مفهوم في ظل مجتمع الانتماء الديني والتعصب، لكن مع إرساء مبدأ مدنية الدولة لن يصبح لهذا الخوف معنى، حيث لن تمثل المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية أتباعهما إلا روحيا، وبغير تسييس لدور الأزهر أو الكنيسة على السواء
    5. مبدأ تكافؤ فرص التعيين والترقي، وهنا نرى أن الكفاءة المهنية هي المعيار الوحيد للتعيين في مختلف الوظائف، ويفصل قانون العمل واللوائح الداخلية لكل مؤسسة معايير التوظيف في القطاعين العام والخاص، على أن يخصص بند في القانون الجنائي لتطبيق عقوبة على من يثبت بحقه التمييز ضد مواطن مصري على أساس ديني في التوظيف أو الترقي، فحتى القطاع الخاص لا يجب تركه ليتحول لمنشآت طائفية كما هو الحال اليوم
    6. الأساس المدني للتمثيل البرلماني، فالديمقراطية والانتخاب هما المعيار السليم للتمثيل النيابي، ويتعين إلغاء مقاعد التعيين التي تغازل بها الدولة الأقباط، فلو أراد الناخبون مرشحا فلهم من أرادوه، وتقع على عاتق المرشح وحده مسؤولية إقناع ناخبيه بصلاحيته وأهليته لتمثيلهم بغض النظر عن دينه، والحالات المتكررة التي انتخب فيها قبطي في دوائر غالبيتها مسلمة والعكس هي دليلنا على إمكانية هذا التطبيق المدني للديمقراطية بعيدا عن الطوائف
    7. تعديل المادة الثانية من الدستور، بحيث تشير للدينين الرئيسيين بأنهما المرجعية الروحية لغالبية المصريين، بدون النص على دين للدولة نفسها، فالدستور يوضع ليحدد علاقات دول مدنية ببعضها البعض وبالأفراد في كل منها، ولا يجوز وصف الدولة بالتدين بدين معين، ولطالما كانت هذه المادة منفذا لملاك الحقيقة المطلقة من المتطرفين لمحاولة الهيمنة على الأفكار والإبداع
    8. تدريس التاريخ القبطي، فمن حقنا جميعاً وليس حق الأقباط فقط أن تضاف حقبة تبلغ 600 عام من تاريخ بلادنا إلى مناهجنا التعليمية، فليس من حق أحد أن يطمس أو يبرز في ذاكرة الشعوب، وقد يظهر جدل على ما يدرج في المناهج حول الفتح العربي، أو حول مرحلة التحول من الديانة المصرية القديمة للمسيحية، وأعتقد أن الاعتماد على مراجع معتدلة من التراثين الإسلامي والمسيحي كتاريخ "ابن الأثير" ومخطوطات "يوحنا النقيوسي" سيكون مفيدا في عرض صورة حيادية لا تبالغ في رصد فظائع ولا تبالغ كذلك في تصورات طوباوية غير حقيقية. وفي النهاية، التاريخ هو علم طلب الحقيقة كما وقعت لا كما نريدها أن تكون، هذا ما يجب أن نعيه ونعلمه لأولادنا
    9. التسامي بالخطاب الديني الإسلامي والمسيحي، ونرى وجوب قصره على المساجد والكنائس والقنوات المتخصصة حرصا على تجنب سماع مواطن ما يجرح مشاعره الدينية، كما تنشأ بكل مدرسة قاعتان لتدريس الدينين الإسلامي والمسيحي، على أن تقتصر المناهج الدينية على مواضيع لا تحمل قضايا خلافية بين مذاهب الدين الواحد
    10. الحزم الأمني للعنف الطائفي، وهو قاعدة عامة لكل أمة تريد تحقيق السلام في ربوعها، فعليها أن تتعامل بمنتهى الحزم والردع مع من يتخذ من العنف وسيلة للتمكين لأهداف سياسية أو طائفية
    المشروع القومي الجامع
    أعتقد أن تلك التدابير العشرة التي يتكون منها طرحنا كفيلة مع الوقت للقضاء على الشحن الطائفي، ثم يتحقق التجانس الوطني من خلال مشروع قومي جامع لكل المصريين، مثل مشروع التحرر الوطني منذ العشرينات وحتى الخمسينات، ومشروع السد العالي في الستينات، ثم الصراع العربي الصهيوني في الستينات والسبعينات. فتلك المشاريع الوطنية هي ما يربي شعور الانتماء للوطن، وغيابها يضعف هذا الانتماء لصالح انتماءات طائفية تفرق ولا تجمع، وأولى المشاريع الوطنية اليوم هو مشروع الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية الزراعية والصناعية والسياحية

    والله من وراء القصد وبالله التوفيق

    1.11.10

    الترانسفير-01


    المكان: أحد معسكرات التركيز العربية في مقاطعة نوردلاند شمال النرويج الزمان: العام الثاني والستون بعد الترانسفير الكبير

    الجليد يغطي أفق المعسكر مترامي الأطراف، والبالغة مساحته أكثر من مائتي كيلو متر مربع، تقف في أرجائه الواسعة مبان كالحة حائلة اللون، مهزومة المظهر كساكنها المهزومين، ومن بعيد خلف أسلاك المعسكر يظهر معسكر التركيز الأفريقي الأكبر في مملكة النرويج (القديمة) كلها، والذي يتسع لمليوني أفريقي من إجمالي مليار أفريقي ونصف مليار عربي موزعين على سبعمائة معسكر تركيز في شمال الاتحاد الأوروبي وكندا

    في أحد المباني الكالحة ذات الستة طوابق، وفي غرفة من الطابق الأرضي فيها، جلس العجوز "راشد الغامدي" على أرض الحجرة الأسمنتية الباردة التي افترش فوقها بطانية من صوف رخيص وتدثر بثانية، وقد تحلق حوله مجموعة من الصبية تتراوح أعمارهم بين العاشرة والسادسة عشرة، يرتعدون رغم الكنزات الصوفية الخشنة والبطاطين التي تدثروا بها تماما كالعجوز، فدرجة الحرارة أقل من عشرين درجة مئوية تحت الصفر، والحلقة دراسية بطبيعتها، فهذا العجوز الهرم واحد من الشيوخ القلائل الذين شهدوا الترانسفير الكبير في شبابهم، ولما كانت أدنى إمكانات التعليم غائبة من المعسكر، حتى الأوراق والأقلام، فقد قرر العجوز أن ينقل ما لديه من ذكريات للجيل القادم من "عرب الترانسفير" قبل أن تخبو الذاكرة أكثر وينسى كثيرا من تفاصيل الحدث الرهيب، وبدا العجوز يختم حديثه حين يقول
    - عندما جئنا هنا أول الأمر كان نظام الأسرة مازال سائدا، لكن الأوامر التي عرفناها لاحقا كانت واضحة في ضرورة تشتيت الأسر والعشائر والقبائل بين معسكرات التركيز المختلفة في أوروبا وأمريكا الشمالية، فلم تمض عشر سنوات حتى كان السفاد الحر ضرورة من أجل بقاء الجنس العربي، وفرضت الضرورة نفسها، وانتهى مفهوم الأسرة التقليدي ليحل محله مفهوم العشائر الأمومية القديم

    غامت عيني العجوز وهو يشخص ببصره من النافذة العالية نحو السماء ويقول
    - كنت من آخر جيل عربي يعرف اسما لأبويه وأجداده، ويحمل ذكريات غائمة في مؤخرة رأسه لأرض الوطن البعيدة
    ---
    والبقية تأتي